طيوب النص

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (5) .. فاعلية بناء الصورة وتشوّفات أنا الشاعر

بقلم: فضة الشارف

 

1- مدخل:

قرئت الصورة الشعرية قديماً من حيث طبيعتها الزخرفية التزيينية، انطلاقاً من تصور قاصر للأسلوب والصورة على أنهما عملان خارجيان في النص الشعري؛ لذلك رفض النقد الحديث هذا التصور، وكشف علاقاتهما الحيوية بالنص الإبداعي([1])، بذلك تمثل الصورة عند كثير من الباحثين جوهر النص الشعري، لا زينة له كما كانت في الماضي، فهي ((لوحة فنية تكشف عن عمق معناها الفني من خلال عناصر: اللون والخطوط والمسافات والأبعاد))([2]). وأصبحت طريقة في خلق صورة ((مشهد أو رسم قوامه الكلمات))([3]) التي ينقلها الشاعر إلى القارئ لغرض التعبير عن معنى يجول في خاطره.

الصورة في هذا الفهم المعاصر هي ((الفاعلية التي تهدم الجسر الممدود فيما بين الأشياء، فتوحد بينها في شكل فريد))([4]) ينشأ من الواقع العادي، من حيث تبتعد عنه، فهي رؤيا داخلية، تنطلق من وقائع الأشياء، ولكنها لا تعود إليها؛ بحيث تجاوزت بذلك المفهوم الضيق الذي حصرها في المحسنات البلاغية([5]).

هكذا يمكن القول: إن القصيدة استعارة كبرى، ولعل الصورة الشعرية تعتمد على تغيير المعنى وتصحيح الانحراف المقصود، فهي تبنى على التناقض، أو التنافر القائم بين المعنيين: المعنى الفكري والمعنى الإيحائي؛ فكلاهما لا يتعايش مع الآخر في الوعي نفسه، وفي الضمير ذاته؛ وليس بوسع الدال الذي يؤدي دلالتين متنافرتين في الآن ذاته؛ ولهذا فإن الشعر يقوم بما أطلق عليه (حركة الالتفات) بقطع الحبل الأصلي الذي يصل الدال؛ ليجعل من الممكن تشغيل النظام الجديد، فالكلمة الشعرية تتضمن موت اللغة وبعثها في آن واحد، وليس بوسع الشاعر أن يسمي الأشياء بأسمائها، ولا أن يقول (قمراً) وحسب، لأن هذه الكلمة تثير صورة وجدانية لا بد أن تلجأ إلى الحيلة الشعرية، إلى انتهاك قوانين اللغة العادية، ولا بدّ للشاعر إذن أن يقول عن القمر إنه (منجل ذهبي في حقل النجوم) فيبتعد عن قوانين اللغة التي لا تسمح عادة بتلاقي هذه الكلمات على هذا الشكل ليؤدي وظيفته الشعرية الحميمة([6]).

ترتبط الصورة بحضور القارئ الفاعل الذي يعاين النص على أنه غاية لا قصد له، بذلك تتجسد فاعليتها عبر استجابة القارئ لحضور الصورة التي تملك مقومات فاعليتها في داخلها، من هنا ندرك أن مشاركة القارئ في إعادة تشكيل العمل الفني لا تتوقف على إدارة القارئ وحدها، وإنما تتطلب قدراً كبيراً من الجدة؛ بذلك تكون قادرة على إغواء القارئ([7]). هكذا نجد ((أن ردّ فعل القارئ ليس ردّ فعل سلبي يتوقف عند العملية الذّهبية التي يحدثها لدينا وقع جمالي معين، وإنما هو ردّ فعل إيجابي ومنتج كذلك))([8]).

بذلك تعد الصورة ذات طبيعية فاعلية تكون سُدى القصيدة الشعرية ولحمتها، بوصفها دالاً من الدوال التي تتجلى عبرها الشعرية المنتظرة، كون الصورة لا تتحدد بالخبر الذي يود الشاعر أن يقرره، وإنَّما هي ذات طبيعية جزئية، ومن ثمَّ ذات طبيعة كلية تتركب من الأبعاد النفسية للنص ولكتابته في آن، إذ إن التموضع الجزئي لعناصر الصورة يؤدي إلى ابتناء كلي لهاته الصورة، وقد تنفرد الصورة الجزئية دون أن تشكل نسقاً لبناء الصورة الكلية، وبذلك يكون النص الشعري منجزاً في ضوء كل من هاتين الصورتين؛ لذا ستعمد هذه القراءة في هذا الفصل إلى معاينة فاعلية بناء الصورة في شعر عبدالمنعم المحجوب عبر نوعين منها: الصورة الجزئية والصورة الكلية.

غلاف كتاب كلما شع النبيذ

2- الصورة الجزئية:

الصور الجزئية في ((القصيدة ذات الوحدة العضوية لا بد وأن تكون صوراً إيجابية، ولا تكون صوراً تجريبية أو برهانية عقلية))([9]) إذ تبرز من مجموعها الصورة الكلية، فالصورة الجزيئية تمتلك أهمية كبيرة رغم أنها غير منعزلة عن باقي الصور في النص، فمن خلال اجتماع الصور الجزيئية، وتفاعلها فيما بينها تنبني الصورة الكلية([10]). فالصورة الجزئية جزء ((من القصيدة تحمل سماتها النفسية، ودلالاتها المعنوية))([11]) إذ تعد الصورة جزءاً من التجربة الإنسانية المتكاملة و ((تتبلور حين يتناول الخيال الخلاق من الانفعالات والاستجابات والدلالات))([12]) التي تربط الصور ببعضها لابتناء النص، حيث يطمح الشاعر إلى تحقيقه على مستوى النص كله، إذ إن من الأمور التي تفقد الصورة قيمتها تناقض الصورة الجزئية داخل النص، فالشاعر يعمل على ربطها من خلال إيحاءاتها النفسية([13]) لأنها ((تتسم بالحضور الفعلي داخل النص))([14]) الذي يظلّ بعيداً عن سمة الإبداع ما لم تكتمل عناصر بناء الصورة التي يُقرأ في ضوء ولادتها، فيكون وتكون معاً، يكون النص الشعري حيث تكون الصورة، وتكون الصورة الشعرية حيث يكون النص الشعري، وبوجودهما يكون الإبداع.

1.2- تشوفات الأنا:

يمكننا ملاحظة الصور الجزئية من خلال معاينة النص التالي للشاعر عبد المنعم المحجوب الذي نقرأ منه:

تبحرين بالدنيا

وأنا ما عدتُ أدري

كيف أبسط خرائطي على لا رملَ هناك

وأنتِ تمتصين اتجاهاتي

أبحرُ أطفو بين الجُزُر

غافلاً عن اليابسة

كلما تذكرت عنواناً

أو لاحَ لي بابٌ

تناكشني ذاتي.([15])

يرسم الشاعر في هذه الصورة الجزئية رحلته مع الكتابة عندما جعل القصيدة – المرأة – تبحر به في فضاءات الدنيا؛ ليختفي كل شي حتى الرمل الذي يمثل ذاته، ولا يبقى إلا القصيدة التي تحولت إلى كائن يمتص الاتجاهات، فيجد نفسه طافياً على تضاريس الواقع، هذه الصورة التي قدمها الشاعر هي صورة متحركة، منتظراً فيها تحديد اللحظة التي ترسيه على اليابسة، فهي صورة موحية متسعة الدلالة التي ربما تمثل حالة الذات الكاتبة لحظة انبثاق الكتابة والصراع بينها وبين هذه الذات.

إن استخدام الشاعر لكلمة (أطفو) دليل على أن هذه القصيدة سلبت منه أشياء كثيرة، وجعلته خفيفاً يطفو بين الجزر، لا يستطيع النبات على اليابسة التي تمثل له الواقع الذي ((يتحطم ويتفجر تحت سلطان الذات الشاعرة التي لم تعد تقنع بأن تتلقى مضموناتها بل تصر على أن تخلقها بنفسها خلقاً))([16])، من هنا نقرأ:

تجيئين… أصبحُ آخرَ

فمن أين جئتِ؟

وأنا، محاصرٌ ببنات آوى

ترسل الكمائن أمامي

وتطلق المكائد خلفي

وكان نجمٌ يومئ لي

فلا آبهُ..

وأمضي أقول يا لكَ نجم حزين.([17])

تدل هذه الصورة الجزئية على حالة التمرد على الواقع الشعري الذي يسعى إلى الخلاص من دوامته؛ لتوقده الذاكرة معلنة عن زائر يطرق أبواب عالمه الخارجي، وهي البذرة الأولى لانبلاج فجر القصيدة، والذي يتمثل في لحظة الكتابة الشعرية ((المنسوجة بخيوط التفكرّ المبتلّ بمائه المنبجس من طينة التخلقّ الشعري وصداه))([18]) التي جعلته يتوحد معها في علاقة عشق، ليصبح إنساناً آخر يعيش في عالم آخر؛ ليحيا حالة العشق المتسامي مع تركه الزائرة (الذكرى)، والتي استطاعت أن تصل إليه، بالرغم من الحصار الذي تطبقه عليه أفكار الواقع التقليدي الذي تعيشه القصيدة الموروثة، والتي تشبهها (ببنات آوى) التي ترمز بالمكر، ولذلك جعل الكمائن في هيئة رسل ترسلها في طريقه حتى يغدو أسيراً بين فكيها. إنها تمثل انعكاسات الواقع الثقافي على نفسيته؛ ليتذكر عندها بأن نجماً كان هناك، ويشير إلي إلى طريق الخلاص، وهذه هي حالة الصراع بين القديم والجديد الشعريين كون الشاعر يسعى حثيثاً لتجسيد قصيدة النثر التي هو مكتو بنارها.

لقد جسد الشاعرُ النجم في هيئة إنسان، واختار أن يخاطبه بطريقة الإيماء، حتى لا تسع بنات آوى ما يدور بينه وبين ذلك النجم المخلص له من عذابات الروح فتقف في طريقه وتمنعه من العبور إلى عتبات القصيدة التي هي كل كيانه الممتد بين الوعي واللاوعي حيث ينبغي للإبداع أن يتخلق فيكون.

[1]– انظر: كمال أبوديب. جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر ص. ص: 24- 25.

[2]– أحمد الطريسي أعراب. الرؤيا والفن في الشعر، 2: 43.

[3]– عبدالإله الصائغ. الصورة الفنية معياراً نقدياً، ص: 121.

[4]– جابر عصفور. الصورة الفنية، ص: 18.

[5]– انظر: أحمد الطريسي أعراب. الرؤية والفن في الشعر، ص: 45.

[6]– انظر: صلاح فضل. نظرية البنائية في النقد الأدبي، ص: 260.

[7]– انظر: اعتدال عثمان. إضاءة النص، ص: 108.

[8]– إدريس بلمليح. القراءة التفاعلية، ص: 55.

[9]– السعيد الورقي. لغة الشعر العربي الحديث: مقدماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية، ص: 82.

[10]– انظر: كمال أحمد غنيم. عناصر الإبداع الفني في شعر أحمد مطر، ص: 208.

[11]– المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[12]– كمال أبوديب. جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر، ص: 45.

[13]– انظر: كمال أحمد غنيم. مرجع سابق، ص-ص: 205، 206.

[14]– أنقار محمد. بناء الصورة في الرواية الاستعمارية: صورة المغرب في الرواية الإنسانية، ص: 29.

[15]– عبدالمنعم المحجوب. كلّما شعّ النبيذ، ص: 32.

[16]– عبدالغفار مكاوي. صورة الشعر الحديث، ص-ص: 140-141. نقلاً عن السعيد الورقي. لغة الشعر العربي الحديث: مقدماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية، ص: 86.

[17]– عبدالمنعم المحجوب. كلّما شع النبيذ، ص: 33.

[18]– محمد عبدالرضا شياع. تجليات الذات الكاتبة في حرارة السؤال الشعري، ص: 88.

مقالات ذات علاقة

وهابة المطر

عبدالسلام سنان

على مرمى رشَّةٍ عطرٍ..

جمعة الفاخري

قرقيرا

ناجي الحربي

اترك تعليق