المقالة

البغـدادي شَاعرُ كُلِّ المَــدَائِن(*)

الشاعر الدكتور عبدالمولى البغدادي

نُشرت مقاطع قصيدة (الأرض الخراب) للشاعر الإنجليزي ت. إس. إليوت Thomas Stearns Eliot إثر الدمار المادي والنفسي الذي خلفته سنوات الحروب العالمية، منتقداً فيها شاعرها المدينة الحديثة وقيمها وتحضرها، ومصوراً معاناة سكانها في مكابدة تحديات معيشتهم اليومية، واكتظاظها وتزاحمها البشري، واعتبارها مبعثاً لليأس والتذمر من الحياة. وقد أسفر ذاك التوجه إضافة إلى احتجاج بعض الشعراء في الغرب على مدنهم تنديداً بما أزهقته من أرواح إنسانية على المستويين المادي والمعنوي، ظهور الحركة الرومانسية كاتجاه شعري معارض لهيمنة الواقع المادي في تلك المجتمعات الغربية على مناحي الحياة كافة، وعلى حساب المعطى الإنساني الروحاني ذاته والإبداعي خاصةً.

لقد فجّرت قصيدة الأرض الخراب/ اليباب طوفاناً شعرياً من القصائد المعارضة لها، والتي ظهرت بكل تحدي احتفاءَ بالمدينة (المكان والدلالة)، وانحيازاً إليها بصور التباهي والفخر والاعتزاز، مبرزة تاريخها، وأهميتها الحضارية، وأيقونتها الوطنية الجامعة والموحدة لأرجاء البلاد، مما جعل إثارة ذاك الموضوع يتعاظم ليصبح ظاهرة أدبية حظيت بالكثير من الاهتمام لدى الأدباء والشعراء والبحاث على حد سواء، وزخر هذا الجانب الحداثوي بإنتاج العديد من القصائد الشعرية العربية والعالمية والكثير من الدراسات البحثية التي من بينها دراسة (الشاعـرُ والمدينة) للدكتور عزالدين اسماعيل التي ضمها كتابه (الشعرُ العربيُّ المعاصرُ: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية)(1)، وكذلك بحث الدكتور إحسان عباس (الموقفُ من المدينة) المنشور بكتابه (اتجاهاتُ الشعـرِ العـربيِّ المُعَاصر)(2) وكتاب (المدينةُ في الشعـر العربي الحديث)(3) لمؤلفه الأستاذ عبدالله رضوان، وغيرها من الدراسات التي لن يكون آخرها كتاب الدكتور زهير عبيدات المعنون (صورةُ المدينةِ في الشعـرِ العَـربي الحديث)(4).

إن فضاء المدينة المكاني هو رمز ودلالة تكتسي أهميةً بالغةً وخصوصيةً لدى الشاعر العربي من حيث أنها انعكاسٌ واضحٌ لتطور النص الشعري الحديث، وبرهنة على أنه تجاوز قصائد الشعر الجاهلي القديمة التقليدية التي لم تحفل بالمدينة لأنها لم تعرف بعد أثناء ذاك العصر بالصورة التي عليها الآن. كما يعد حضور المدينة في نصوص الشاعر العربي تعبيراً على فيوض المحبة، والفخر، والاعتزاز والإشادة بها، وثراءها الشامل مقارنة بمكونات فضاء البداوة والريف والقرى البسيطة المحدودة الإمكانيات المادية، بجانب استعراض المشاعر الوفية لرموزها وأعلامها وتاريخها وشخوصها كافة.

وبالتأكيد فإننا حين نجدُ شاعراً لم تسعه مدينة واحدة، وظل نصه الشعري وقلبه الإنساني براحاً شاسعاً يلهج عبر مسيرته الشعرية الطويلة بالمحبة والثناء لمدن كثيرة وعديدة، موزعة جغرافياً على ربوع الوطن كله، فإن ذلك إشارة وعلامة واضحة على اتساع مساحات عواطف حبه الوجداني، وانفتاح أفقه الفكري، وعظمة عشقه الوطني، وتعدد علاقاته وحضوره وأصداء صوته الشعري الصادح على امتداد خرائطها الشاسعة.

وباستعراض عناوين قصائد هذا الشاعر التي حملت أسماء مُدنٍ كثيرة مثل (أم المنارات)، (زويلة لم تزل)، (حي الرجولة في مهد التراهين)، (فتى ودان)، (الهوى العذري مصراتي)، (مسلاته العز والسؤدد)، (إلى بني وبنات غازي)، (أعراس برقة أعراسي)، (صرمان يا أم الربيع الدائم)، (راية الحب والسلام في زواره)، (أغازل بنغازي)، (غات)، (زليتن وعاشت الأسمرية)، (فزان)، (حوار مع التاريخ في لبدة)، (طرابلس)، (عدنا وعادت لنا البيضاء) وغيرها من العناوين الأخرى، نكتشف أن شاعرنا الراحل عبدالمولى البغدادي لم يكن شاعر مدينة واحدة فحسب، بل جدير بنا أن نعتبره شاعرَ المدن الليبية كافة، تلك التي يحضنها الوطن والقلب الكبيرين.

ولقد تواصلت وتوطدت محبة واعتزاز الشاعر الراحل عبدالمولى البغدادي بكل هذه المدن الليبية، وغيرها مما لم أتمكن من حصره، عبر أزمنة ومواقف متفاوتة، تتباعد وتتقارب، خلال رحلته الشعرية الزاخرة بالإبداع والعشق لقيم الحياة النبيلة، والاعتزاز بالهوية الوطنية الليبية، وقضاياها المصيرية البارزة في كثير من قصائده الشعرية.

والمتأمل في هذه العناوين الصريحة الواضحة، والعتبات الناطقة بالمكان بكل تجلي وافتخار، يجد نفسه محلقاً في رحلة جغرافية، وزائراً لمدن ليبية على بساط القصائد البغدادية، فيطوف معها من الشمال للجنوب ومن الغرب للشرق، ومن البحر للجبل، ومن السهل للصحراء، مطالعاً أبرز معالمها وشخوصها وتاريخها، وهذا يمنح كيانها الشعري هويتها الحقيقية، ويعكس انتماء شاعرها ومبدعها الأصيل للوطن بأسره، دون إغفال أو تجاوز أو تناسي لمدنه الليبية الحبيبة، وبلا تفرقة بين حضن ليبي وآخر مهما تباعدت المسافات وتعددت الأزمات.

وبلا شك فإن اختيار الشاعر الراحل لهذه المدن وإسكانها بيوت أشعاره وقصائده لهو دليلٌ بيّنٌ على أهمية المدينة/المكان في حياة المبدع والنص الأدبي والشعري، سواء من حيث التوثيق التاريخي أو التشهير أو التذكير، مع خصوصية أن قصائد الشاعر الراحل عبدالمولى البغدادي لم تتخلى يوماً عن التزامها الأبدي الدائم بوحدة الوطن الشامل، والتغني به وبأمجاده في مناسبات عديدة، والإيمان بقيم المحبة والجمال والخير والوفاء، والابتعاد عن خطاب العنف والكراهية، ونبذ أصناف المديح والتملق للذات الشخصية.

وأنا على يقين تام بأنه لا يتسع المجال في هذا المقام، لتناول كل قصائد المدن الليبية التي صاغها الشاعر الراحل عبدالمولى البغدادي، أو تحليلها، أو الغوص في ثنايا أبياتها، ولذا فسأكتفي بشكل مختصر بتضمين هذه الورقة بعض الأبيات من عشرة قصائد مختارة لمدن ليبية عربية وأمازيغية هي (أم المنارات، زويلة، ترهونة، ودان، مصراته، مسلاته، بنغازي، طرابلس، زواره، صرمان)، على أمل الالتفات إلى هذا الجانب الوطني المهم في شعر عبدالمولى البغدادي رحمه الله، وذلك بدراسة دقيقة مستفيضة تتناوله بعمق نقدي، وتحليل فني، لتقنياته وأبعاده الوطنية، ومناسباته الشخصية التي تخلقت فيها هذه القصائد المدينية البغدادية الجميلة.

أولاً: قصيدة (أمُّ المَنَارَاتِ)

يَا شُعلةَ النُورِ يا أمَّ المـــَـــــــنَارَاتِ يَا رَوْضَــــــــةً لِلتَّـــــجَـلِّي والمُنَاجَــاةِ
مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ عَاماً يَا مُعلِّمَتِي أَعُـودُ أبحثُ في عينيكِ عن ذاتي

ثانياً: قصيدة (زويلةُ لم تزلْ)

زويلة لم تزلْ بالعزِ تزهـو كَمَا تزهُو بهيبتِهَا الأُسُــــودُ
تَأَلَّقَ نَجِمُهَــا أَيَامَ كُنـَّـــــــــا نُجُوماً رَمْزُ عِزَّتِهَا الصُعودُ
وَلاَزَالَتْ تُشِعُ وَإِنْ أَدَرْنَـــــا أَعِنَّتنَا وأدركـَــــــــــنَا الــــرُكُودُ

ثالثاً: قصيدة (حَيِّ الرُجُولَةَ فِي مَهْدِ التَّرَاهِين)

حَيِّ الرُجُولَةَ فِي مَهْـــــــــــدِ التَّرَاهِينِ مَهْدِ البُطُولاَتِ وَالأَخْلاَقِ وَالدِّينِ
مَهْد الأُلَى جَاهَدُوا فِي اللهِ وانتَزَعُوا نَصْراً يُضَافُ إِلى بَدْرٍ وَحِطِّــــينِ
ويواصل قوله
شرشارةُ الخَيرِ لاَزَالتْ مَنَابِعُهَا تَجْرِي، وَإِنْ خَبَّأَتْهَا مُهْجَةُ الطِّيــنِ
الله، الله، مَا أَشْهَى نَسَائِمَهَـــا فِي جَدْوَلٍ مِنْ رَحِيقٍ كَانَ يُغْرِينِي

رابعاً: قصيدة (فتى ودَّان)

فَتَى وُدَّانِ واَلأَشْعَارُ عَـــطْشَى وَفِي وُدَّانِ أَنْخَـــــابٌ عِــــــذَابُ
فَتَحْتُ بِهَا عَلَى عُيُونِ شِعْرِي فَبَانَ الرُّشْدُ وَانْقَشَعَ الضَّبَابُ
وَفِي وُدَّانٍ وَاحَـاتٌ عَـــــــــــذَارَى وَهَــامَاتٌ يُعَــــــــانِقُهَا السَّحَابُ
قِلاَعٌ بَيْنَ أَحْضَـــــــانِ الرَّوَابِـي تَـلُوحُ كَأَنَّهَـــا الحُورُ الكِعَــــابُ
وَكَانَ الـــــــودُّ مُنْفَرِداً فَأَمْـــسَى ثُنَـــائِيّـــاً يَحِفُّ بِهِ الحُبــــَّــــــابُ
فَمَــــا وُدَّانُ إِلاَّ عَــطْــــــــــفُ وُدٍّ عَلى وُدٍّ، وَضَـــــمٌّ مُسْتَطَـــــابُ

خامساً: قصيدة (الهَوَى العُذْرِيُّ مصراتي)

مصْرَاتَه وَالهَوَى العُذْرِيُّ مِصْرَاتِي وَالفَضْلُ وَالكَرَمُ الطَّائِي مِصْــرَاتِي
مِصْرَاتَه يَا مَنَارَ العِزِّ فِي وَطَنِي يَا مَوْرِدَ الخَيْرِ، يَا فَجْرَ البِشَارَاتِ
مُهَابَةٌ لاَ أَرَاهَا اللهُ ضَائِقَــــــــــــــــةً وَلاَ اِحْتَوَاهَا سَرَى لَيْلِ المَسَـــــرَّاتِ
شَهَامَةٌ وَبُطُولاَتٌ وَتَضْحِيــَـــــــــــةٌ مُنْذُ الوَرَى كَانَ أُمِّيَّ البُطُـــــــولاَتِ
مِصْرَاتَه هِيَ مِصْرُ فِي عَرَاقَتِــهَا رَيَّانَةٌ مِنْ يَنَابِيعِ الحَضَـــــــــــــارَاتِ
أَرْسَى المُعِزُ لِدِينِ اللهِ عِـــــــــــزَّهَا بِبَارِقٍ مِنْ سُيُوفٍ فَطِيــــــــــــــمَاتِ
ويختمها متسائلاً:
سَلاَمَ حُبٍّ وَتَقْدِيرٍ لِمَنْ خـَــــلَفُوا وَتَابَعُوا السَّيْرَ فِي نَفْسِ المَسَارَاتِ
وَإِنَّنِي جَدُّ تَوَّاقٍ إِلى غَــــــــــــــدِكُمْ فَهَلْ تَـتُوقُونَ مِثْلِي لِلغَـــــــدِ الآتِي؟

سادساً: قصيدة (مسلاته العِـزُّ وَالسُؤْدَدُ)

مِسَـــــــــــــــــــــــــــــــلاَّتةُ العِـــــــزَّ وَالسـُــــؤْدَدِ مسلاتةُ الطَــــــــــــــــالِعِ الأَسْعَـــــدِ
مِسَـــــــــــــــــــــــــــــــلاَّتةُ العُلَمَــــاءِ الثُــــقَاتِ وَقُــدْوَة مَنْ بِالهُدَى يَقْتَــــــــــــــدِي
مِسَـــــــــــــــــــــــــــــــلاَّتةُ الذِّكْـــــــرُ وَالذَّاكِرِينَ وَمَهْدِ الهِــــــــــــــــــــدَايَةِ لِلمُهْتَدِي
مِسَـــــــــــــــــــــــــــــــلاَّتةُ يَا عَرِينَ الجُـــدُودِ وَمَبْعَثَ فَجْرِ شـَـــــبَـــــــــــابِ الغَـدِ
فَكَــــــــــــــــمْ فِي حِمَاهَـــا مِنَ النَّابِهِــــــــينَ تَقَــلـَّبِ فِي عَيْشِهَــــــــــــــا الأَرْغَــدِ
وَكَمْ فِي الشَّرِيعَـــــــــــةِ مِثْـلُ “القُـــــــرَافِي” وَفِي النَّحْوِ مِثْـلُ أَبِي الأَسْــــــوَدِ
وَفِي الشِّعْرِ مِثْلُ اِمْرِيء القَيْسِ يَشْـدُو بِسُوقِ عُكَـــــــــــــاظَ أَوْ “المِــــرْبِدِ”
أَيَا قَـلْعَــــــــــــةَ النُّـــــــورِ عِلْماً وَحِلْمــــــــــاً وَمَجْداً وَرُشْداً لِمُسْـــــــــــــــتَـرْشِـــدِ
وَأَمْناً إِذَا مَا اسْتَجَــــــارَ الصَّدِيــــــــــــــــقُ وَرُعْباً عَلَى الغَـــاصِبِ المُعْـتَـدِي

سابعاً: قصيدة (إلى بَنِي وَبَنَاتِ غَازِي)

بَني غَازي وهلْ في الحُبِّ غـــــازٍ سِواكُم يا بنِي وبناتِ غـــــــــازِي
غزوْتمْ بالمحبـّـــــــةِ والتآخِــــــــــــي  جموعَ الوافــــــــــدينَ بلا انْحيازِ
فكنتُمْ أنتمُ الأنصــــــــــــــــــارُ جُودا  وإيثارًا بفـــــــــــــــــــــــــخرٍ واعتـزازِ 
بِداياتِي هُنـــــا وُلِدتْ وشــــــــــــبَّتْ بأرضِ الشّعرِ مِنْ أعلى طِــرازِ
رَويتُ الشعرَ منذ صبايَ عَنكم كأنِّي في عُكاظَ وذي المَجـــازِ
فأَنتمْ من أضاءَ الدربَ حَــــــولي  وألْهمنِي نَشيدِي وارتجـــــــازي
وهَا أنّي أعــــــودُ إلى شَبــــــــابي  وأهلي في بَني وبنــاتِ غَازِي
وجَازى اللهُ عَنّي كــــــــــلَّ خـــــــــيرٍ  بَني غـازِي بأحسنَ ما يُجازِي
ولِي في حُضْنِكم أَطيـــافُ ذِكرى  لأصحابٍ وأحبــــــابٍ عِـــــــــــزازِ
سُوَيعاتٌ شَهيّاتٌ نشَـــــــــــــــــاوىٰ قَضَتْ بين الحقيقةِ والمــــجازِ
يُباحُ ببعضِها لكنّ بعضـــــــــــــــاً تُخَبّئهُ الجــــــوانِحَ في احتـــــرازِ
قطَعناها مراحلَ وارفـــــــــــــــــــــاتٍ بريئــــــاتٍ بلا نفــــطٍ وغــــــــــــازِ
ولازالتْ أمانينـــــــا فِساحــــــــــــــاً مساحةَ بين بَرقَةَ والحِــــــــجازِ
بكُم تزهو وتحلو فــــــــــــاذكرُونا بخيرٍ يا بني وبنــــــــاتِ غَازي
سلِمتم يا بني غازي غُـــــــــــزاةً  حِماةً للحِمى مِن كـــــــــــلّ غازِ 

ثامناً: قصيدة (طَرَابُلْسُ)

طرابُـلْسُ يَا مَعْرِضاً حَافِــــــــــــــــــلاً يَضُمُّ هَوَى الغَرْبِ وَالمَشْـــــــرِقِ
طرابُلْسُ يَا نَجْمَةً فِي الثُرَيـَـــــــــــا كَأَجْمَلِ تَاجٍ عَلَى مَفْـــــــــــــرِقِـــي
هِيَ الشَاطِئُ الشَّاعِرِيُّ المُطِـــــلُّ عَلَى بَحْرِهَا الأَبْيَــــضِ الأَزْرَقِ
هِيَ الفَنُّ فِي مَعْــــــرِضٍ دَائِـــــــــمٍ مُقِيــمٍ عَلَى العَهْــــدِ مَهْمَا بَقِـي
سَلاَمٌ عَلَيْهَا سَـــــــلاَمَ مُحِــــــــــــــبٍّ تَرَعْـــرَعَ فِي حُضْنِهَا المُـــــغْــدِقِ
عَلَى رَفْرَفٍ مِنْ بَدِيـــــــــــعِ الخَيَالِ يَتُوقُ إِلَى غَــــدِهَا المُشْـــــــــرِقِ
فَمَهْمَا اِسْتَبَدَّ الظَلاَمُ الكَثِـــــــــــيفُ وَأَنْــذَر بِالخَطَـــــرِ المُحْـــــــــــــــدِقِ
وَمَهْمَا جَثَى البَدْرُ خَلْف الغُــيُومِ فَلاَبُـــــدَّ مِنْ لَحْــــظَــــــةٍ يَرْتَــــــــقِي
فَلاَ خَوفَ مِنْ عَبَثِ العَــــــــابِثِيــنَ وَمِنْ كُـــلِّ مُسْتَــــــرْزَقٍ أَحْمَــــــقِ
طَرابُلُسُ الغَرْبُ مَنـــــــــْشَـــــــــــــــــأَنَا وَمَنْشَأُ كُـــــــلِّ وَفِـــــــــيِّ نَــــــــــــقِي
تَحْيَّـــةَ شُكْــرٍ لِمَنْ حَفَّــــزُونَــــــــــــا بِهَـــــــــذَا المَسَاءِ لِكَي نَلْتَــــــــــقِي

تاسعاً: قصيدة (رَايَةُ الحُبِّ وَالسَّلاَمِ فِي زَوَارَهْ)

رَايَةُ الحُبِّ وَالسـَّــــــــلاَمِ تَجَلَّتْ تُعْلُنُ النَّصْرَ مِنْ هُنَا مِنْ زَوَارَهْ
مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ كَانَتْ مَــــزَاراً يَجِدُ القَّــلْبُ فِي حِـــــــــمَاهَا قَرَارَهْ
إِنَّهَا المَجْدُ وَالتُــــــــــرَاثُ قَدِيماً وَحَدِيثاً أَصَالَــــــة وَحَضَــــــــــــــارَهْ
أَسْفَرَتْ عَنْ وَفَائِهَا بِانْطِلاَقٍ عَفَوِّيٍّ يَقُودُنَا لِلـــــــــــــــــــــــصَدَارَهْ
بَادَرَتْنَا بِعَـزْمِهَا فَاسْتَحَــــــــقَّتْ فِي البُطُولاَتِ فَوْزَهَـــــــــــا بِجَدَارَهْ
وَارْتَدَتْ حُلَّةَ الوَلاَءِ لِتَحْــــمِي لِيبْيَاهـَــــــــا مِنْ حُــلَّــــةٍ مُسْتَعَارَهْ
وَالبَرِيقُ الفِضِيُّ صَارَ شِعَاراً وَاعْتِبَاراً وَنُصـْـــــرَةً وَإِشَــــــــــــــــارَهْ
حَفِـــــــظَ اللهُ لِيـــــــبْيَانَا جَمِيعاً مِنْ سَمَاءِ السَّلُــــومِ حَتْىَ زَوَارَهْ

عاشراً: قصيدة (صُرْمَانُ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الدَائِمِ)

صُرْمَانُ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الــــــــــــدَائِمِ يَا سَاحَةَ الأَبْطَـالِ دُونَ مُزَاحِـمِ
إِنِّي أَتَيْتُـكِ لِلسَّــــــــــــلاَمِ فَسَلِّـــمِي تَسْلِيـــــــمَ حُرٍّ بَعْدَ نَصْرٍ حَـاسِمِ
إِنَّنِي أَتَـيْتُـكِ لِلأَمَـــــــــــــانِ فَأَمِّــنِي حُبِّي، وَضُمْيِّنِي بِشَوْقٍ عـَــارِمِ
مَهْدُ البُطُولَةِ وَالرُّجُـولَةِ مُـْنذُ أَنْ كَانَ الهِلاَلِيُونَ رَهْـــنَ تَمَـــــــــائِمِ
إِنْ صُغْـتُ فِي أَرْيَاضِهَا وَرِيَاضِهَا نَظْماً، فَإِنِّي لَسْتُ أَوَّلَ نَاظِــــــمِ

سيظل صوت الشاعر الراحل عبدالمولى البغدادي صدّاحاً مدوياً على الدوام في كل الربوع والمدن الليبية الحبيبة ليؤكد حقيقة أنَّ الشعر هو نبضُ الحياة الإنسانية، وسجلُ وثائق وشهاداتٍ على العصر، وفيوضُ مشاعر وجدانية ترسخ تلك الرسالة النبيلة التي دأب الشاعر البغدادي الراحل على نشرها وتوطينها فينا عبر نصوص قصائده الجميلة النابضة بالحب للإنسان أينما كان، وعشق الحياة بكل مباهجها، والاعتزاز بهوية الوطن والإنتماء إليه، ونشر قيم الوفاء والمحبة والتسامح والخير كافة بين الجميع.


(*)  ورقة قدمت إلى تأبينية الشاعر الراحل الدكتور عبدالمولى البغدادي التي أقامها مجمع اللغة العربية بطرابلس يوم الإثنين الموافق 21 ديسمبر 2020م
(1)  الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، الدكتور عزالدين اسماعيل، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1994م
(2)  اتجاهات الشعر العربي المعاصر، الدكتور إحسان عباس، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1978م
(3)  صورة المدينة في الشعر العربي الحديث، الدكتور زهير محمود عبيدات، دار الكندي للنشر والتوزيع، بيروت، 2006م
(4)  المدينة في الشعر العربي الحديث، عبدالله رضوان، دار البيروني للنشر والتوزيع، بيروت، 2014م

مقالات ذات علاقة

الطريق إلى الديمقراطية في ليبيا مازال طويلا وشائكا

جمعة بوكليب

جمال الصوت والأداء قبل حُسن المظهر لدى الفنان الليبي محمد السليني

زياد العيساوي

جنان النوار

يوسف الشريف

اترك تعليق