من أعمال التشكيلية الفلسطينية جهاد (فرح) إسماعيل
المقالة

البساطة

صفحة: في رحاب نجيب الحصادي

من أعمال التشكيلية الفلسطينية جهاد (فرح) إسماعيل
من أعمال التشكيلية الفلسطينية جهاد (فرح) إسماعيل

قد يكون البسيط مفضلا لاعتبارات جمالية. غير أن العلم الذي يركن إلى اعتبارات إبستمولوجية صرفة، لا يعبأ كثير بالأبعاد الاستاطيقية. في نهاية المطاف، يتأسس الحكم الجمالي على الذائقة، والذائقة ليست موضوعية إلى الحد الذي يرضي معايير العلم الموضوعية، أو هكذا يفترض المنهج العلمي القويم.
في السياقات العلمية، مفهوم البساطة أبعد ما يكون عن البساطة. غير أنه لا تناقض في إقرار تعقيد مفهوم البساطة، تماما كما أنه لا تناقض في إقرار وضوح مفهوم الغموض. 

في السياقات الرياضية تحديدا، حيث تتم المفاضلة بين الأنساق القادرة على إثبات الفئة نفسها من المبرهنات، تقوم البساطة بدور رئيس. إذا كان النسق الرياضي س أبسط من النسق الرياضي ص، وكان قادرا على إثبات ما يقدر ص على إثباته، فإن هذا مدعاة لتفضيله عليه. وبوجه عام يتنزل معيار البساطة في العلوم الشكلية منزلة أكثر أهمية منه في العلوم الطبيعية والإنسانية، كما أن مسألة تخيّر النسق الأبسط فيها مسألة أكثر قابلية للحسم. ذلك أن العلوم الشكلية معنية أساسا بتشكيل نظريات صورية تركن إلى مجموعة من المبادئ والتعريفات والمصادرات بغرض اشتقاق مجموعة من المبرهنات. يشترط في مثل هذه النظريات أن تكون لغتها الرمزية وقواعدها الاشتقاقية (التي تحكم عمليات الاستدلال) بسيطة بمعنى أن يكون عددها قليلا قدر الإمكان، وكذا شأن عدد مبادئها ومصادراتها. الالتزام بمثل هذه التوجيهات أيسر في العلوم الشكلية منه في العلوم الطبيعية والإنسانية لأن النظريات التي تحقق وظائف هذه العلوم كيانات يختلقها البشر، ولذا فإن بمقدورهم التحكم في طبيعتها وبناها. أما تحقيق مطلب البساطة في سياق سائر العلوم فأمر أكثر عسرا، لأن هذه العلوم تتعامل مع واقع ليس من صنع البشر، ودورهم في تشكيله ضئيل في أفضل الأحوال.
معيار البساطة في حالة العلوم الإنسانية والطبيعية أقل وضوحا. في هذا السياق، ثمة سؤالان حاسمان: متى يكون الفرض أكثر بساطة من غيره، وما مبرر اعتبار الفرض الأبسط أفضل من الفرض الأقل بساطة؟ ليس هناك إجماع حول الإجابة عن السؤال الأول. قد يبدو أول وهلة أن الأبسط هو الأسهل على الفهم، لكن هذا يجعل من البساطة مسألة ذاتية، فما يسهل فهمه على شخص قد يندّ على آخر، وما يتيسر استيعابه عند أولي الاختصاص قد يصعب على الغرباء عنه. أيضا فإننا لا نستطيع تبني تعريف يقر أن الأبسط هو الذي يتضمن عددا أقل من المفاهيم، إذ ليس هناك ما يحول دون أن يكون الفرض بسيطا رغم كثرة مفاهيمه، وصعبا على قلتها. 
وفق تقدير كارل بوبر، أحد أهم فلاسفة العلم في القرن العشرين، الفرض الأبسط هو الفرض الأسهل على الدحض. الفرض الكلي (مثال “كل الكواكب تدور في مدارات بيضاوية”) أسهل على الدحض من الفرض الجزئي (مثال “بعض الكواكب تدور في مدارات بيضاوية”) لأن كوكبا واحدا لا يدور في مدار بيضاوي كفيل بدحض الأول، في حين لا يكفي لدحض الثاني سوى إثبات أنه لا كوكب يدور في مدار ييضاوي (أي إثبات أن كل الكواكب لا تدور في مثل هذه المدارات). سهولة الدحض عند بوبر معيار العلمية، فعلامة الفرض العلمي الفارقة لا تتعين فيما يتوفر عليه من أدلة بل في إمكان أن يثبت الواقع بطلانه. الماركسية والفرويدية عنده ليست فروضا علمية، ليس لأنه لا أدلة لدينا على صحتها، بل لأنها قادرة على التكيف مع كل الوقائع المناوئة.
غير أن تحليل بوبر للبساطة ليس وجيها بما يكفي، إذ ليست هناك علاقة بدهية تربط بين يسر دحض الفرض وبساطته، كما أن الفروض قد تتفاوت من حيث بساطتها رغم أنها قابلة للدحض على نحو متكافئ.
السؤال الثاني أكثر أهمية. حتى على افتراض عثورنا على معيار للبساطة، نظل في حاجة إلى تبرير الركون إليها بوصفها معيارا في تخيّر الفروض. بتعبير أوضح، يتوجب أن يكون لدينا مسوغ لاعتبار الفرض الأبسط أفضل من الفرض الأقل بساطة. قد يقال إن فرص الفرض الأبسط في الصدق أكثر من فرص الفرض الأقل بساطة، لأن الطبيعة، التي يفترض أن تصورها الفروض العلمية، بسيطة بطبيعتها. غير أنه لا مبرر لدينا لافتراض أن الطبيعية بسيطة. على العكس تماما، فإن العلم يكشف لنا كل يوم أن الظواهر الطبيعية أعقد بكثير مما نعتقد. ثم أنه لا علاقة مباشرة لنا بالطبيعة تسوغ الحكم ببساطتها، بل إن علاقتنا الوحيدة معها إنما تكون عبر الفروض العلمية التي نضطر إلى المفاضلة بينها لأننا لا نعرف أيها ينجح حقيقة في تصوير تلك الطبيعة (أو معرفة أنها بالبساطة التي نفترض).
ومهما يكن من أمر تحليل مفهوم البساطة ومن أمر مبررات الاحتكام إليه في سياق التخير بين الفروض، يفترض بداهة أن الفرض الأبسط لا يكون أفضل من الفرض الأقل بساطة إلا في حال تكافؤ الأدلة. إذا كانت الشواهد التي تدلل على صحة فرض أقوى من تلك التي تدلل على صحة فرض آخر، فإن حقيقة كون الأخير أبسط من الأول لا تعني شيئا. لو لم يكن ذلك كذلك، لتسنى لعلماء الطبيعة الاكتفاء ببساطة الفروض معيارا لصدقها، دونما حاجة إلى البحث عما يعززها من شواهد إمبيريقية.
لهذا السبب ثمة من ينكر كلية أهمية معيار البساطة، وينكر من ثم وجوب اختصاص التفكير العلمي بها، ليس فقط بسبب ذاتية هذا المعيار (كونه يركن إلى اعتبارات يختلف فيها الأفراد) بل أساسا بسبب عدم توفر المناسبة التي تستدعي الركون إليه (وجود فروض تتكافأ الأدلة فعلا على صدقها).

على أن قائلا قد يقول إن حديثي هذا عن البساطة أبعد ما يكون عن البساطة، وأنني أسهمت في تعقيد مفهوم البساطة عوضا عن تبسيطه. غير أن الأمر ليس بأي حال على هذه الشاكلة. يكفي لإثبات ذلك أن يسأل القارئ نفسه، ما الذي يجعل الفكرة بسيطة، وأي مدعاة لتفضيل الأفكار البسيطة على الأفكار الأقل بساطة، حتى يكتشف أن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ليست بالبساطة التي تبدو عليها.
قد تكون البساطة خصيصة حميدة، لكن الإسراف في البساطة تبسيط، والتبسيط حري بتسطيح ما يتم تبسيطه. يقول آينشتين إنه يتوجب أن نجعل كل شيء بسيطا قدر الإمكان، ولكن ليس أبسط من ذلك. وبطبيعة الحال، ليست هذه دعوة إلى طلسمة الأفكار، بقدر ما هي تحذير مما قد ينجم عن عملية الإمعان في التبسيط من سوء فهم.

مقالات ذات علاقة

مجتمع “عوز المناعة الأخلاقية”

عمر الككلي

إتيكيت ما بعد الحداثة

المشرف العام

المرأة الليبية وسؤال الغياب

أم العز الفارسي

اترك تعليق