قصة

البرقية

من أعمال التشكيلي الليبي خالد بن سلمه

علي غير العادة، الصمت المريب اطبق علي البلدة إلا من اصوات الحيوانات تتعالى تارتا وتهفت تارتا اخري، لتضفي علي المشهد المزيد من التوتر. من المفترض ان يصل وفد الحكومة الفرنسية هذا المساء ككل سنة، لكن زيارة هذه السنة لم تكن كغيرها من الزيارات.

خلت طرقات البلدة المتعرجة من جلبة الاطفال بقبعاتهم البيضاء وملابسهم الرثة، حتي الجامع بدي مقفلا اذ كان من العادة ان يجلس لفيف من رجال البلدة يتبادلون اطراف الحديث بعد صلاة العصر علي مصطبة اعدت لهدا الغرض، وبقي برميل الماء الملفوف بكيس الخيش المبلول وحيدا تلفحه ريح الشمال ليبرد مائه العذب، حتي العجوز “سالمة” اختفت من مكانها امام سقيفة بيتها حيث اعتادت ان تصنع أطباق السعف المصبوغ او تسحق نوى التمر لاستخدامه كعلف للماشية.

من بين نخيل الحطية تصاعدت عاصفة من الغبار أثارتها أرجل الخيول تنهب الرمال الناعمة نهبا ليلتحم ذلك الغبار مع بضع سحابات تائهة رسمت مع السراب صورة لا تتكرر كثيرا في هذه البلدة.

مع اقتراب الوفد، بدأت الحيرة تتملك الحاج “علي” القادم مع الوفد فلم يكن احدا في استقبالهم كالعادة، ففي السنوات السابقة كان اهل القرية يخرجون لاستقبال الوفد الحكومي بالذبائح. وضع الحاج “علي” يده اليمني علي جبينه الذي نز بالعرق، الذي ترصع بحبيبات الرمل الصفراء حتي يتمكن من الرؤية التي حجبتها خيوط الشمس الصفراء المنحدرة للغروب.

البلدة يلفها صمت غريب، يقاطعه همس بعض النسوة وهن ينهرن الأطفال المتلصصين من بين شقوق الابواب المصنوعة من جدوع النخيل وهمهمة غير مفهومة بين الحين والاخر. واخيرا بان شيخ البلدة الضئيل لافاً جرده بشكل ينم علي ان هناك خطب ما، شابكا يديه خلفه وراسه الاصلع خلا من معرقته التي لا تفارق راسه ابدا.

وصل الوفد الي وسط البلدة، ترجل الجنود الفرنسييس عن جيادهم منتظرين قدوم الشيخ الذي مشي نحوهم ببطئ وريبة ثم قال: احنا شن درنا بيش تطرحونا…

قبل يومين وصلت برقية الي شيخ البلدة في الصباح ولأن الشيخ لا يفك الخط جمع معظم سكان القرية لقراءة المكتوب، لكن لا احد يعرف القراءة في القرية واقترح عليه احدهم ان يبعث في طلب الراعي “يونس الفقيه” الذي كان يرعي أغنامه في غابة النخيل القريبة من البلدة ليقرا لهم المكتوب.

كان “الفقيه يونس” ذو سحنة سوداء، ملابسه لا تكاد تستر جسمه النحيل والمضغة لا تفارق فمه يبصق منها بين الفينة والاخرى مترنما ببعض القصائد الصوفية.

امسك “الفقيه يونس” المكتوب بكلتا يديه شاخصا بصره في الحروف يكاد انفه يلامس الورقة التي طبعت بالالة الكاتبة يتهجي الحروف بطريقة ركيكة:

(نحن حكومة الانتداب الفرنسي قادمون لطرحكم يوم الاحد السابع من اغسطس 1949)

تعالت الاصوات بين ناحب ومتحدي وكثرت التفسيرات لماذا يريد الفرنسيس معاقبة سكان البلدة

قال أحدهم المرة الماضية كان الغداء صامط.

وقال اخر ممكن فيه حد مبلغ عليكم لأنكم تحكوا علي الفرنسيس.

لكن الشيخ قاطعهم قائلا:

كان فيها طريحة ناكلها بروحي، ونتم كلكم امشوا اندسوا في الحطية والنسوان والعويل بس يقعدوا في البلاد.

 وبقي الشيخ وحده ليستقبل الوفد القادم ويواجه مصيره لوحده. 

(غير تعال يا شيخ وحد الله من جاي يطرحكم)، قال الحاج “علي”.

بصوت مخنوق قال الشيخ: انتم دازين مكتوب بتطرحونا.

وبعد نقاش حاد اتفق الجمع علي استدعاء “الفقيه يونس”. جلس “يونس” متقرفصا وامسك بالورقة وهو يقرا البرقية بصوت متلعثم حتي وصل الي قادمون لطرفكم اصطدم بالحاج “علي” ينهره بشده هل هده طرحكم ام طرفكم.

طأطأ “يونس” راسه وفي عقله فكرة واحدة هي كيفية الافلات من قبضة الفرنسيس، وفي غفلة من الجمع الذي انهمك في طمأنة الشيخ اطلق “يونس” ارجله النحيلة للريح مخلفا ورائه حذائه المصنوع من جلد الاغنام  وليختفي بين نخيلات الحطية يحمل غصة في حلقه وحسرة علي ذاك الحذاء الذي كان يقيه شوك العاقول وحبيبات الرمل الساخنة.


26/03/2016

مقالات ذات علاقة

من سيرة الثأر بالمعروف

نجوى بن شتوان

الحرباء..

أحمد يوسف عقيلة

الكسوة البرتقالية

عزة المقهور

اترك تعليق