– لمّانكبروا نتفكروا كل حاجة ؟

هذا ما قالته شيراز ليلة العيد،عندما انبطحت تتصفح مجلة الأمل.. بين الحين والآخر يشرق فاهها فتشع عنها غمازتان تحفران خديها.. تتمايل جدائلها وهى تستمع لموسيقا منبعثة عن تلفاز عتيق معلق بارتفاع عن عبث الأطفال.. بالونات متفاوتة الألوان تزين فضاء الغرفة. هي وأخوتها يتحينون فرصة انهماك أمهم في إعداد فطيرة العيد ليقطفوا بالونة من هذا العقد المتأرجحة منه سروب الفل وخيوط الزينة تتدلى بعشوائية.. صرخات فريد تفضحهم

– توا نمشى نخبر أمي

تهدئه أزاهير بتربيتة خفيفة وتمسح على شعره مشيرة بإصبعها على شفتيها المضمومتين.. (أسّ)، يصرخ مجددا فتهرع ملاك وتلبد وراء الباب ويعاود أصغرهم نداءه

– الليميّة( لا.. نبي الكحلة)

تمسك شيراز بيدي

– أتحبين البحر.. دائما أغمض عيني فتأتينى الطيور وأجرى بين الزهور وألعب مع الفراشات خاصة عندما تطفئ أمي الأنوار صائحة

– هيا ناموا الوقت متأخر

وأخذتني من يدي حيث مدخل البيت اللا مسقوف، يسارا ترفرف ملابسهم على المنشر وإلى الأمام سلالم تـُفضى إلى باب خشبي مازال يحتفظ بطارقته على هيئة يد مكموشة ويمينا حوض قديم هيئته تتقعر لدائرية.. مرمر حافته متشقق الزوايا، به جرتان متوسطتان الحجم مثبتتان وسط الحوض بطريقة مائلة تغرى محمد بملئها والذي يجلس على المصطبة يرقب اندلاق المياه منهمكا بقطف وريقات زهور أخته شيراز ورميها في الماء، ضاحكا يردد سفينة صفراء ستغرق الآن طابع الغرفة تقليدي بعض الشيء.. جدارية قماش لناقة وحوارها تلاصق الجدار الجانبي والشليف يتوسط الحصير المغطى لبساط أعجمي حاشيته حرقها كانون البخور.

خزانة عتيقة ليست بالية أعلاها مرصع بالرخام الزاخر بالصور التذكارية المحمية بزجاج عادى يسمح بالرؤية من خلاله.. فوقها مبخرة صغيرة نحاسية وقنينة فضيّة تستعمل لرش ماء الزهر ومكحلة معلقة مثبتة وسط مرآة أهدتها الجدة لابنتها بعد أول زيارة للحج. يجانبها طست نحاسي كان يستعمله الجد للوضوء.. طنافس غاصة بأسماء الجالسين عليها. أكثرهم قد رحلوا وتركونا. هذه الطنافس كانت في مربوعة باباي منذ رجوعه من المنفى التركي إلى أن غادرنا، جلبتها لبيتي رغم عتقها وأرفض تنجيدها سلال سعف فزّانية.. واحدة استعملت للأمشاط ومشابك الشعر وشرائط لعصب الضفائر وبعض أزرار متناثرة والثانية بها نوى تمر وحبيبات زيتون مجففة وملاليم وقروش لعملة ليبية قديمة وأنواع من العملة الأجنبية. أهل هذا البيت يعشقون السفر وقد طافوا أصقاع كثيرة عندما تدخل عليهم ضيفا تشعر أنّ البيت بيتك،لا يخفون عنك شيئا.. الكل يتنافس على راحتك وتعليق ملابسك، بل وإخفاء بعضها لئلا تغادرهم سريعا.. جمال بيتهم يفصح عن بساطتهم. مذ دخولك لهذا المنزل والتلقائية تفرض نفسها، صرخت شيراز في وجه محمد فأجابها

– بوي قالي دير ما تبّي أنت راجل الحوش

– ماما تعالى اشبحي شن دار !

جوانب الحوض بقايا فسيفساءات مغروس به عمود يسمح لفريد وملاك التطاول والتمطي عليه.. مثبت قرب نهايته طبق فخارى         بين هذين الطبقين أنثر حبيبات الأرز وفتات الخبز للعصافير خلسة عن أمي.. ويعتليه بمسافة طبق مثله يصغره حجما وضع مقلوبا طينه مخلوطا بالرمل.. الزهرة الصفراء تسقيها شيراز ومحمد دائم العبث بها.حتى في يوم العيد يرفض تناول إفطاره ليرتدى ملابس العيد سابقا أخواته.. أدخلوني حجرة شرفتها واسعة كبيرة الأبواب.. في النهار للجلوس واستقبال الضيوف وفى الليل للنوم.تذكرت طفولتي.اكره الأسرّة ولا أطيق الاستقلالية التامة.. التي تحرم متعة الغطاء بلحاف مشترك.. فجأة توقفت شيراز عن الحراك لتضع يدها على خديها وأصابعها البيضاء تنفرد ملتصقة بالخدود مستغرقة في جو تأملي ضاج..تعصر جبينها وترمش عينيها البريئتين تستغرق في نظرة غائبة عبر الأفق.. تصر أسنانها.. تمضغ شدقها الأيسر تضع سبابتها في فمها تمتصها خلسة تمسح فمها بطرف فستانها الأصفر تفرك فروة رأسها.

– وين صغارك يا خالتي

– تركتهم يتزلجون على الجليد

– شن معناها

– عندما تكبرين ستفهمين معناها !

أسرني عالمها البريء الذي لا يمكنني التلصص عليه

– ماذا رأيتي

– لا شئ

– أحكي لي ألم نصبح أصدقاء

– تخيلتك نائمة وتحضنين طفلا.

استغرقت معها في الحلم وانتبهت لتجول عيناي في هذا المتحف الصغير وتركت شيراز مستغرقة بفكرها.عندها سحبتني أزاهير من يدي واقتربت من كرسيين لصالون عتيق لونهما أحمر قان ملتصقتين بركن الجدار.. رفعت مرتبة الكرسي أخرجت مجموعة من رسائلها المخبأة وطوابع بريدها والبطاقات التي جمعتها من بعض الدول التي زارتها. وضعت يدها على فمها مشيرة لي بالسكوت وعدم التعليق عندما رأيت بريدها المصغر.سمعت شيراز خطى محمد فاقتربت من الغرفة وأنزلت المرتبة بسرعة مغلقة مستودع أسرارها.. عدت إلى أزاهير.وجهت لها نفس السؤال ضحكت واندست في حضني تقول

– تذكرت سقوط أولى أسناني كيف اقتلعتها لي معلمتي وصاحبتني لأغرغر فمي في دورة المياه..كنت احتفظ بها في جيب مريولى المدرسي وطوال الوقت أتحسسها مخافة أن تضيع وفى نهاية الدوام ارجع إلى البيت جريا وأعطيها لأمي فتقبلني إن شاء الله بسلامتك وترميها قبل الغروب مرددة يا شمس يا شموسة خودى سن حمار وعطينى سن غزال. وارفع يديا منادية هاى. محاولة استقبال السن من جديد فتخبرني أمي أن فم الشمس ابتلعتها وغابت شيراز هذه المرة واغمض عينيها تسرد تخيلاتها

– تخيلت أنا وأنت نذرع شوارع بنغازي وأنت تدفعين طفلك في عربة مظللة.نطوف بالألعاب التي وعدتني باللعب فيها عند زيارتي لك.. طوال الليل نتسامر والأم مغروسة بيننا كنقطة ارتكاز ومحور تواصل بين عقلانياتهم. انتفاضة وقت تقطع التحام الدائرة. نطقت ازاهير بعد صمت

– انى انحب اللوّيدة والسلحيبة والدرجيحة هلبة.

و وأخذت تلوى ذقن أمها ذات اليمين وذات الشمال

– مش حق يا يام

تحولقوا حولي يسألون: أين تركت صغارك ياخالتى

– لماذا لم تحضريهم للعب معنا.

فكرة أنى متزوجة حديثا لم يتقبلوها

– كيف يام العروسة ما يجوهاش صغار

وانصرفت شيراز تصنع من الكلس والمكانات الخالية من الطلاء في السقف طيورا وحيوانات.الأطفال خيالهم متقد هذه القشور المزعجة للكبار قد تكون مصدر متعة للصغار. يتخيلونها سحب وبالونات ووجوه لشخصيات شاهدوها في برامج الرسوم المتحركة. وظللت معهم أترقب الشقوق المخددة للسقف والجدران.. جروح عميقة لا تئن..لم تتعفن..لا توجد للرطوبة أية رائحة.. بيتي أيضا مليء بالقشور..غرفتي في بيوت الشباب تتهاطل من سقفها طبقات الطلاء مجيّرة رأسينا.

حتى درجى المدرسي تتساقط عليه القشور ياخالتى وأعود اكثر الأيام بشعر فضي كالعجوز.. أخرجت لهم دمية الأرنوب الوردي الذي اهدانيه زوجي بمناسبة عيد الطفل هو لا يفارقني معي في كل الأسفار.. هذا صغيري..احممه..أهدهده..احضنه وأنام.. قفزوا كلهم..ازاهير لتشرب الماء وفريد ينتش الفطيرة ومحمد يقتنص الذبابة بمسدسه أمّا شيراز فأعتدلت في جلستها وقابلتني.

– تنكدتى وتغششتي كان ما جوكش صغار ؟

– انتوا صغاري..

اشعر أن أطفال العالم كلهم أطفالي. احب معانقتهم وتقبيلهم واللعب معهم وأخبرتها عن أطفال أنجبهم رحم روحي أطفال درستهم في الابتدائي وعن أبناء أختي ود ومنصور وعن أخواتي فجرية وخولة وعن ولاء واروى وأولاد الجيران مفتاح ومها وفرج ومروة.. بعثت معي شيراز سلام لهم وطلبت أن احضر صورهم الزيارة القادمة.

غريب هذا التآلف بين الأرواح.. قد يحدث من نظرة أو ابتسامة في مكان ما.. من شخص تراه لأول مرة وقد تعايش أشخاصا لعشرة أعوام وروحك لا تألف روحهم..

– تخيلتك ترضعين طفلا وانا ابنتك.

– قبلت يديها وجبينها واحتضنتها بحميمية.. بينما صرخ وليد: البالونة الكحلة طارت!

Author: آمال العيادي

الاسم: آمال فرج العيادى دبلوم معلمات- لغة عربية بدأت الكتابة الفعلية والنشر في 2002نشرت في (أخبار الأدب) المصرية، ومجلة (الصدى) الإماراتية، وعدة مواقع إبداعية على الشبكة العالمية.. كذلك في بعض الصحف والمجلات المحلية. لها تجربة تشكيلية مميزة باستخدام برامج الرسم الحاسوبية.إصدارات: - بقعة في حضن ظامئ – قصة.