طيوب عربية

الانزياحُ الدّلاليُّ في قصيدة “في مَلاجئ البَراءَة” للشاعرة آمال عوّاد رضوان

بقلم الناقد: عبدالمجيد عامر إطميزة

نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا

مُنْذُ أَنْ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا

أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى

إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟

أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!

أَوْ/ كَأَنَّما ظِلالنا بَعْدُ

ما تدَرَّبَتْ عَلى المَشْيِ حافِيَة ً/ عَلى مَساكِبِ الأَشْواكِ؟

أَما عَرَفَتْ عَثَراتُنا

كَيْفَ تَنْهَلُ الأَلَمَ مِنْ مَنابِعِهِ؟

أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ/ بِالوَجَع ِ.. بِالأَحْزانِ؟

نَمْضي حَزانى في عَياء ِ العَزاءِ

حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بعَذْبِ العَذابِ

وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ

يَرْمَحُ/ عابِثًا برِماح ِ وَجْهِهِ الأَهْوَجَ

صَوْبَ مَرْقَصِ المَوْتِ!

يَ/ سْ/ تَ/ رْ/ سِ/ لُ/ في وَحْشِيَّةِ رَقْصَتِهِ الشَّهِيَّةِ!

أَيَرْقُصُ نَدْبًا/ عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى؟

أَمْ يَطيبُ لَهُ العَزْفُ/ عَلى/ ناياتِ العَذارى؟

عَلى/ هاماتِ اليَتامى والثَّكالى؟

أما حَنَّ الحَديدُ بَعْدُ؟

بلْ وَتبْرَعُ/ تتلهَّى!/ تَتَفَنَّنُ بِبَتْرِ أَعْناقِ القُلوبِ

لِنَنْزِفَنا/ عَلى طُرُقاتِ الهَوامِشِ

تَغْسِلُنا بِمُنْحَدَراتِها القاحِلَةِ

وَفي عُرْيِ العَراءِ المَكْسُوِّ بِدِمائِنا

تُ/ دَ/ حْ/ رِ/ جُ/ نَ/ ا

مِنْ عَلى هاوِياتٍ مَرْهونةٍ/ أَشْلاءَ بَشَر!

أَهُوَ الهَباءُ؟!

تجْمَعُنا المُفارَقاتُ/ تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ

لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!

يوصِدُ الأَسى أَقْفالَهُ/ في مَلاجِئِ عُيونِ البَراءَةِ

يَشيبُ الصُّراخُ الأبْكَمُ

عَلى أَفْواهِ طُفولَةٍ شابَها الهَلَعُ

وَسائِدُ الضَّحايا تَتَشَرَّبُ العَويلَ الأبْكَمَ

تُعانِقُ أرْواحَ أَحْلامٍ هارِبَةٍ

مِنْ نَواقيسَ فِرارٍ/ إلى… كَوابيسَ اسْتِقْرار؟

أُمَّااااااااااهُ

جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ/ يَتَهافَتُ

 عَلى سَحْقي… عَلى تَمْزيقي…

لِمَ نَوافِذُ الرَّهْبَةِ مُشَرَّعَةٌ في مَنافِذِ الصُّمودِ؟

أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ

مِنْ آتِ وَحْشٍ/ يُدَنِّسُ جَسَدي الطَّاهِرَ

يَعْصِفُني.. يَخْتَرِقُني.. / بِفَوْضى الأبالِسَةِ؟!

العَتْمَة ُ/ تَ نْ ثَ ا لُ/ جَريحَةً.. ثَقيلَةً..

عَلى/ أَشْباحِ المَساكين بِالرُّوحِ/ عَلى/ جُثَثِ الأحْياء!

أيا فَجْريَ السَّليبَ/ آآآآآآآآآآآآآآهٍ/ ما أَثْقَلَهُ الحُزْنَ!

دُروبُ المَوْتى تَتَعَثَّرُ بِقَناديلِ الظُّلْم ِالمُظْلِمَةِ

تَحْنو عَلَيْها.. بِقَسْوَتِها الرَّقيقةِ

تَقْتَنِصُ الأجْسادَ الضَّالَّةَ في غَياهِبِ الرُّعْبِ

بِكُتَلٍ مِنْ وَمْضٍ يَسْعُلُ

تُغْمَدُ في صَفْوَةِ صَفائِها سُيوفُ رَحْمَةٍ

اسْتَلَّتْها مِنْ غِمْدِ المَوْتِ/ لِتَنوسَ ذُبالَةُ فَوانيسِ الارْتِياح!

ارْتِياح!؟ بَلْ راحَةٌ أَبَدِيَّةٌ!

الرُّوحُ/ تَتَبَعْثَرُ/ عَلى مُنْحَنى بَشَرِيَّةٍ

غ ا صَ تْ/ بِأَعْماقِ مُحيطِ اللّاشُعور

اسْتِغاثاتٌ تَضِجُّ في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ

حَناجِرُ طُفولَةٍ تُمَزِّقُها سَلاسِلُ مَسْلولَة

وَفي رَنينِ القَوافِلِ اللاّهِثةِ

تتَلَهَّفُ قَبائِلُ القَلَقِ السَّاهِمَةِ/ أَنْ تُوارِيَ أَجْسادَ المَنْهوكينَ

في الهَرَبِ/ في لحْدِ النّوْمِ المُؤَقَّتِ

لِتَبُلَّ ظَمَأَ الجُفونِ المُعَذَّبَةِ بِـ/ قَ طَ رَ ا تٍ/ مِنْ نوْمٍ أَصَمَّ

لا يَسْمَعُ أزيزَ المَوْتِ الكَفيفِ!

أَتَنْهارُ سُدودُ الحَقيقَةِ

لِتنْقَلِبَ الأحْلامُ الخَضْراءُ مَرْتَعَ شِراكٍ؟

أَتُغْتالُ ظِباءُ المَنامِ؟

أَتَفْقِدُ رَحْمًا تَتَناسَلُ فيهِ أَجِنَّةُ الرَّحْمَةِ؟

لوْحَةٌ دَمَويَّةٌ تَجْري وَجَلا

تَصُبُّ/ شَلاّلاتِ المَآسي في مَنابِع  الغُرْبَةِ

وَعَلى.. ضِفافِ المَوْتِ

وحينَ يَجِنُّ اللَّيْلُ/ تَتَجَنّى الصُّوَرُ في مُجونِ الجُنون!

 ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: عنوانُ القصيدةِ: “في مَلاجئِ البَراءَة”(1). القصيدةُ مِن ديوانِ شاعرتِنا آمال عوّاد رضوان “سلامي لك مطرًا”، ويتكوّنُ العنوانُ مِن شِبهِ الجُملةِ؛ الجار والمجرور “في مَلاجئ”، وهو في مَحَلّ رفع خبَر مُقدّم، وقدْ تَقدّمَ على المبتدأ “نَحْنُ” في السطر الشعري التالي، فتقدم ما حقه التأخير وهو الخبر على ما حقه التقديم وهو المبتدأ “نحن”، حيثُ اختلفَ التّرتيبُ المَألوفُ في الجُملة، وهذا ما يُسمّى بالتّحويلِ التّركيبيّ، وهذا مُشوِّقٌ للمُتلقّي ووجدانِهِ، ويُغلّفُ المعنى والفكرةَ بعضُ الغموضِ، وهنا تكمُنُ الّلذةُ العقليّةُ في الاستكشافِ، وهدفُ التّقديم هو إبرازُ أهمّيّةِ الخبَرِ ولفْتِ الانتباه.

في العنوانِ شِعريّةٌ وجَمال، وفي عبارة” في مَلاجئ البَراءَة” يتفاجأ المُتلقّي مِن حصولِ الّلامتوقَّعِ مِن خلالِ المُتوقَّع؛ أي أن يَتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليه يتلاءمُ والمُضاف. فهو يتوقّعُ بَعدَ كلمةِ “مَلاجئ” وجودَ كلمةِ “الأيتام”، لكنّه يَنبهرُ لوجود المضافِ إليه “البراءة”، ويُصبحُ عندَ شاعرتِنا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ خالصٌ، والوظيفةُ الرّئيسةُ للانزياحِ ماثِلةٌ فيما يُحْدِثُهُ مِن مفاجأةٍ، تُؤدّي بالمُتلقّي إلى الغِبطةِ والإمتاعِ، والإحساسِ بالأشياءِ إحساسًا مُتجدِّدًا.. وموضوعُ النّصِّ يَتمثّلُ في مشوارِ الفِلسطينيّ الطّويلِ، والمُكلَّلِ بأكاليلِ الشّقاءِ والغربةِ والضّياع، منذُ النّكبةِ إلى اليوم، وخاصّةً في المخيّماتِ والمَطاراتِ بلا أرض ولا وطنٍ، والوطنُ يَشتاقُ إليه، لكنّهُ مُحرَّمٌ عليه. ولقد نظَمَتْها شاعرتُنا إثْرَ حربِ عام 2006م. وتُعَدُّ ظاهرةُ الانزياحِ مِنَ الظّواهرِ المُهمّةِ، وبخاصّةٍ في الدّراساتِ الأسلوبيّةِ الحديثة، الّتي تُدَرِّسُ النّصَّ الشّعريّ، على أنّهُ لغةٌ مُخالِفةٌ للمألوفِ العاديّ(2).

تقولُ شاعرتُنا آمال عوّاد رضوان: في مَلاجئ البَراءَة/ نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا/ مُنْذُ أَنْ/ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا/ أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟/ أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!/ أَوْ/ كَأَنَّما ظِلالَنا بَعْدُ/ “ما تدَرَّبَتْ عَلى المَشْيِ حافِيَةً”: كنايةً عن أنّ الفلسطينيَّ لم يَشهَدْ نكبةً كهذهِ النّكبة، ولا مذلّةً كتلكَ الّتي يُواجهُها في مخيّماتِ التّيهِ والغربةِ والضّياعِ والّلجوء. ً

(عَلى/ مَساكِبِ الأَشْواكِ؟): كنايةً عن معاناةِ الفلسطينيّ.

“نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا”: كنايةً عن فقْدِ الفلسطينيّ لأرضِهِ، وتَشتُّتِهِ في بقاعِ الأرض.

“مُنْذُ أَنْ/ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا”: كنايةً عن النّكبةِ الّتي حلّت بالفلسطينيّين عام 1948.

(ما تدَرَّبَتْ عَلى المَشْيِ حافِيَةً): كنايةً عن أنّ الفلسطينيَّ كانَ مُعزَّزًا مُكرَّمًا في وطنِهِ قبلَ النّكبة، ولمْ يتعوّدْ حياةَ المَذلّة.

(أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟): الاستفهامُ يُفيدُ التّحسُّرَ والتّوجُّعَ وإظهارَ الأسى والُحزن، وفي عبارة: (غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ): يتفاجأ المُتلقّي مِن حصولِ الّلامتوقَّع مِن خلال المتوقّع؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي بَعدَ كلمةِ “مُلوّثةٍ” وجودَ كلمة: “بالجراثيمِ” مثلًا، لكنّهُ يَنبهِرُ بوجودِ كلمة “بالحرب”، ويُصبحُ عندَ شاعرتِنا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ خالِصٌ.

(أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!): والاستفهامُ يُفيدُ التّقريرَ، وقدْ تقدّمَ المَفعولُ بهِ (النّا)، وهو ما حقّه التّأخير على الفاعل (المعرفة)، كوْنُهُ ضميرًا، وفي الجملةِ انزياحٌ، فالمُتلقّي يتهيّأ بَعدَ سماعِهِ لكلمةِ (عصينا)، أنْ يَتلوها (الله)، لكنّهُ ينبهِرُ؛ ليجدَ كلمة (المعرفة)، وهذهِ الّلفظةُ مُوحِيةٌ، لقد فقدْنا الوطنَ بسببِ جهلِنا وعجْزِنا عن معرفةِ ما يدورُ حولَنا، وبسببِ عدمِ تَسلُّحِنا بسلاحِ العِلم. وفي أربعينيّات القرن المُنصرِم، كانَ خصومُنا يتسلّحونَ بكلِّ أسلحةِ المَعرفةِ والتّطوّر الّتي نحنُ افتقدْناها منذُ زمن.

(أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!): أَوْ لعلّ شاعرتَنا آمال عوّاد رضوان تقصدُ بالمعرفة، كما جاءَ في الفصل الثّاني مِن “سفر التّكوين” من التوراة: “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ، ووَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْن لَيَعْلَمَهَا وَيَحْفَظَهَا. وَأَوْصَى الرَّبُّ الإلهُ آدَمَ قَائِلاً: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ آكْلًا. وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا. لاِنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ”. وجاءَ في الفصلِ الثّالثِ مِنَ التّوراة: “وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ. فَاخْتَبَأَ آدَمُ وامرأتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسْطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ. فَقَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَخَشِيتُ لأنّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأَتُ. فَقَالَ: مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ. هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا. فَقَالَ آدَمُ: الْمَرَأَةُ الَّتي جَعَلْتَها مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ”. وهذا انزياحٌ في توظيفِ التّراثِ الدّينيّ.

(كَأَنَّما ظِلالنا بَعْدُ): ومِن أساليبِ الانزياحِ توظيفُ أدواتِ الرّبطِ، هذه التّقنيّةُ الأسلوبيّةُ ظهرتْ بشكلٍ جَليٍّ في الشّعرِ العربيّ الحديث، وأصبحتْ تشكيلًا أسلوبيًّا فنّيًّا، كما في هذا التّعبير، ويُحقّقُ هذا الأسلوبُ مستوًى جماليًّا فريدًا، وهو ما كان يُعرَفُ في كُتبِ التّراثِ بالوَصْلِ والفَصْلِ، بمعنى؛ أنّ الوَصْلَ هو عطفُ جُملةٍ على أخرى. وعكْسُهُ الفَصلُ، وهذا مألوفٌ ومُتّبَعٌ في الجملةِ النّثريّةِ الإيصاليّة. وأمّا على مستوى الشّعر فيُصبحُ الأمرُ مُختلِفًا، إذ يكتفي الشّاعرُ بربْطِ جزئيّاتِ السّطرِ الشّعريّ، فربَطتْ شاعرتُنا بمهارةٍ بينَ كلٍّ من: (أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!) وبين (كَأَنَّما ظِلالنا بَعْدُ) بحرفِ العطفِ “أو”. وفي تعبيرها: (مُنْذُ أَنْ/ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا)، وظّفتْ الموروثَ الدّينيَّ في نصِّها، وهذا يُذكِّرُنا بهبوطِ آدمَ وحوّاءَ مِنَ الجنّة، بقولِهِ تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى، فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُم يَحْزَنُونَ) البقرة 38.

وهذا تحويلٌ وانزياحٌ في النّصّ، وهو تناصٌّ دينيٌّ (واستخدامُ الشّخصيّاتِ التّراثيّةِ الدّينيّةِ، هي كمُعادِل موضوع للتّجاربِ الذّاتيّةِ للشّعراء العرب المُعاصِرين، مثل الشّاعر عبد الوهاب البيّاتي، حيثُ كان يتّخذُ الشّخصيّاتِ التّراثيّةِ والدّينيّة قناعًا، يبُثُّ مِن خلالِهِ خواطرَهُ وأفكارَهُ(3). والقناعُ كما يقولُ البياتي: “هو الاسمُ الّذي يتحدّثُ مِن خلالِهِ الشّاعرُ نفسُهُ، مُتجَرِّدًا مِن ذاتيّتِهِ”(4). فقدْ تعمّدَتْ شاعرتُنا آمال إلى خلْقِ وجودٍ مُستقلٍّ عن ذاتِها، لتبتعِدَ عن حدودِ الغنائيّةِ والرّومانسيّةِ الّتي سَقطَ أكثرُ الشّعرِ العربيّ فيها. فالانفعالاتُ الأولى لم تَعُدْ هي شكلُ القصيدةِ ومضمونِها، بل هي الوسيلةُ إلى الخلقِ والإبداعِ الفنّيِّ المُستقِلّ.

أَما عَرَفَتْ عَثَراتُنا/ كَيْفَ تَنْهَلُ الأَلَمَ مِنْ مَنابِعِهِ/ أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ/ بِالوَجَع ِ.. بِالأَحْزانِ؟/ أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟/ أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ نَمْضي حَزانى في عَياء ِ العَزاءِ/ حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بالعَذابِ/ وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ/ يَرْمَحُ/ عابِثًا برِماح ِ وَجْهِهِ الأَهْوَجَ/ في وَحْشِيَّةِ رَقْصَتِهِ الشَّهِيَّةِ! لقدِ استهلّتْ شاعرتُنا قصيدتَها بأسلوبٍ خبَريٍّ، لتأكيدِ الذّاتِ، وتِبيانِ صبْرِها على المِحَنِ وجُورِ الزّمانِ رغمَ كلِّ الشّدائدِ. ثمّ انتقلتْ للأسلوبِ الإنشائيّ في: (أَما عَرَفَتْ عَثَراتُنا/ كَيْفَ تَنْهَلُ الأَلَمَ مِنْ مَنابِعِهِ) و (أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ/ بِالوَجَع.. بِالأَحْزانِ؟): فالاستفهامُ في كلٍّ يُفيدُ إظهارَ الأسى والتّحسّر. الشّاعرةُ مُتوتّرةٌ تُسيطِرُ عليها نوباتُ الغضبِ والحزن، وهنا لجأتِ الشّاعرةُ إلى الانزياح بالحذفِ: (أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ)، وتقديرُ المحذوف= (أما اسْتَطاعَتْ عثراتُنا أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ)، وقدْ تمَّ هذا الحذفُ لأسبابٍ فنّيّةٍ عنَتْها الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، فهي تقصدُ حُبَّ المُباغَتةِ والمُفاجَأةِ للمُتلقّي، فهي لا تريدُ أن تُعطِيَهُ فرصةً لمعرفةِ ما تذهبُ إليهِ مباشرة.

(ويُعلِّلُ باحثٌ آخرُ، بأنّ ما يُسيطرُ على أصحاب النّزعةِ الرّومانسيّةِ مِن قلقٍ نفسيّ، وما يُصاحبُهُ مِن عوارضَ أخرى، مَردُّهُ إلى “عدمِ تَوازنِ القوى النّفسيّةِ عندَ هؤلاءِ الشّعراءِ، الّذين طغى الشّعورُ عليهم بذاتِ أنفسِهم طغيانًا، دفعَهُم إلى النّقمةِ على كلِّ ما هو موجودٌ، والتّطلُّعِ إلى ما لا يَستطيعونَ تحديدَهُ، خاصّةً في عالَمِ السّياسةِ والخلْقِ والأدب”، (كما يرى د. محمّد غنيمي هلال). ومِنَ الانزياحاتِ في السّطورِ السّابقةِ، أنّ العَثراتِ تَعرفُ وتَنهَلُ الألمَ، وتستطيعُ أن تُلوِّنَ المَنافيَ، فلقد شبّهَتِ الشّاعرةُ العثراتِ بإنسانٍ يَعرفُ ويَنهَلُ ويُلوِّنُ، وشبّهتِ الألمَ بنهرٍ يَجري ولهُ مَنابعُ، إنّها انزياحاتٌ مُتتابعةٌ وظّفتْها الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان عن طريقِ المَجازِ والاستعاراتِ.

(حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بالعَذابِ): كنايةً عن التّوجُّعِ، توجُّعِ الفلسطينيّ مِن جرّاءِ ما يُكابدُهُ في غربتِهِ، والحروفُ مجازٌ مُرسل، فذكرتِ الشّاعرةُ الحروفَ “الجزء”، وأرادت بها الكلماتِ “الكُلّ”، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة..

تتوالى الانزياحاتُ، لتُوَلِّدَ في ذِهن المُتلقّي المُفاجآت، والّتي تَحملُ في طيّاتِها الجَمالَ الفنّيّ في خلْقِ صُوَرٍ شِعريّةٍ ذاتِ طابعٍ جَماليّ. (وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ/ يَرْمَحُ): الوقتُ لا يَعدو، بل شبّهتْهُ الشّاعرةُ بإنسانٍ مُسرِعٍ، عَدْوُهُ يُشبهُ عَدْوَ ورَكْض عدُوِّ في السّرعة”.

وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ”: وتتلاعبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ، لخلْقِ الجناسِ وما يُحدِثُهُ مِن إيقاعٍ موسيقيّ، يَشدُّ مِن أزرِهِ تِكرارُ حرفِ الواو في هذا السطرِ خمسَ مرّاتٍ، وتكرارُ الحرفِ انزياحٌ، فقد تَكرَّرَ أربعَ مرّاتٍ، فجاءَ صوْتًا صامتًا، ومرّةً واحدةً جاءَ صوتًا صائتًا في كلمةِ “يعدو”، وفي هذا السّطرِ انزياحٌ تَركيبيٌّ أيضًا، فقد قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملةِ “إلينا”، على المفعولِ المُطلَق “عدْو”، وللمفعولِ المُطلَقِ وظيفةٌ تأكيديّة. وشبّهتِ الوقتَ بلاعبٍ يَمرحُ، وجاءَ الفِعلانِ “يَعدو” وَ “يَمرحُ” على نفس الوزنِ، لتَوليدِ إيقاعٍ مُناسبٍ. وهناكَ تَرادفٌ بينَ الفِعليْنِ.

أَيَرْقُصُ نَدْبًا/ عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى؟/ أَمْ يَطيبُ لَهُ العَزْفُ/ عَلى/ ناياتِ العَذارى؟/ عَلى/ هاماتِ اليَتامى والثَّكالى؟/ أما حَنَّ الحَديدُ بَعْدُ؟/ بلْ وَتبْرَعُ/ تتلهَّى!/ تَتَفَنَّنُ بِبَتْرِ أَعْناقِ القُلوبِ/ لِنَنْزِفَنا/ عَلى/ طُرُقاتِ الهَوامِشِ/ تَغْسِلُنا بِمُنْحَدَراتِها القاحِلَةِ.

فهي تقول: (أَيَرْقُصُ نَدْبًا)، والتقديرُ: (أَيَرْقُصُ الوقتُ نَدْبًا)، فهنا انزياحٌ بالحذف.

(عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى): وقدْ طابقَتِ الشّاعرةُ بينَ كلٍّ مِن “الأحياءِ” و”الموتى”.

(أَمْ يَطيبُ لَهُ العَزْفُ): وهنا تقديمُ ما حقُّه التّأخير، وهو الجار والمجرور “له”، على الفاعل “العزفُ” الّذي حقُّه التّقديم. واختارتِ الشّاعرةُ ألفاظَ مقطوعتِها مِن مُعجَمٍ يوحي بالأسى والحزن والتّوجُّع، ولْنَرْصُدْ كلماتِ هذا المَقطعِ الدّالّةِ على ذلك:

نَدْبًا، آلامِ، المَوْتى، اليَتامى، الثَّكالى، حَنَّ، بَتْرِ، نَنْزِفَ، الهَوامِشِ، مُنْحَدَراتِ، القاحِلَةِ. و”يتحوّلُ الإحساسُ بالغربةِ والضّياعِ في المدينةِ عندَ الشّاعر، إلى شعورٍ بضياعٍ وجوديٍّ أعَمَّ، وأعمَقَ مِن ذلكَ الّذي يَنبُعُ مِنَ العجْزِ عنْ مُواجهةِ الحياةِ والنّاسِ في المدينة،  فهو قلَقُ النّفسِ الرّومانتيكيّةِ المَشدودةِ بينَ أحلامٍ غائمةٍ لا تَدري كُنهَها، ولا  تُدرِكُ مَداها، وهو تَمرُّدٌ على الحياةِ النّمطيّةِ الرّتيبةِ الّتي تَقتُلُ في النّفسِ الانطلاقَ والتّجدُّدَ”(5).

(أَيَرْقُصُ نَدْبًا/ عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى؟): رقَصَ: رَقْصًا: تَنقّلَ وحَرّكَ جسمَهُ على إِيقاعِ موسيقى أَو على الغناء. ويتحوّلُ الطّربُ والرّقصُ والفرحُ في فلسطينَ إلى بكاءٍ وندبٍ وعزاء، والمُتلقّي بَعدما يقرأ كلمة “أيرقصُ؟”، يتوقَعُ أن يتلوَها كلمة “فرحًا”، غيرَ أنّهُ يَتفاجَأ بوجودِ كلمةٍ مُغايِرةٍ تمامًا وهي”ندبًا”، وهنا سِرُّ الانزياحِ وجَمالِهِ ومُتعتِهِ العقليّة.

(طُرُقاتِ الهَوامِشِ): وفيها تحويلٌ إضافيٌّ، والمُتلقّي بعدَما يَقرأ كلمةَ “طرقات”، يتوقّعُ أنْ يَتلوَها كلمةُ (محسوسةً)، غيرَ أنّه يتفاجأ بوجودِ كلمةٍ مَعنويّةٍ، وهي “الهوامش”، فكأنّ للهامشِ طريق.

(وَفي عُرْيِ العَراءِ المَكْسُوِّ بِدِمائِنا): كنايةً عنِ المآسي والفواجِعِ في فلسطين، والكنايةُ انزياحٌ واختراق. وتتوالى الأفعالُ المُضارعة: يرقصُ، يَطيبُ، تبرَعُ، تتلهّى، تتفنّنُ، تغسلُ، تتدحرجُ، وهذه الأفعالُ تدلُّ على استمراريّةِ المأساة، مأساةِ الفلسطينيّ في غربتِهِ وفي المخيّماتِ، وقد تكرّرَ صوتُ التّاءِ ستَّ مرّاتٍ، ليَكشفَ عن الحالةِ النّفسيّةِ للشّاعرةِ وانفعالاتِها، وتوتُّراتِ الغضبِ الّتي تجتاحُها، وفي التّكرارِ بالحرفِ انزياحٌ.

أَهُوَ الهَباءُ؟/ تجْمَعُنا المُفارَقاتُ/ تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ/ لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!  (أَهُوَ الهَباءُ؟!): الاستفهامُ يُفيدُ التّعجُّبَ.

(تجْمَعُنا المُفارَقاتُ): شبّهَتِ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان المُفارقاتِ بشيْءٍ يَجمَعُ، والمُفارقاتُ كلمةٌ مُوحِيةٌ توحي بالتّشتُّتِ، وكأنّي بها تُشيرُ إلى النّكبةِ عام 1948.

(تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ): كنايةً عنِ المآسي التي تَحلُّ بالشّعبِ الفلسطينيّ في الشّتاتِ، وما أصابَهُم مِن ذُلٍّ وقتلٍ وخاصّة في عام 1967، وما تلاهُ، خاصّة عام 1982 في حرب لبنان الأولى..

(رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن): كنايةً عنِ الحَدِّ الأدنى مِنْ أُسُسِ العيش، وهنا حُذِفتْ جُملةٌ كاملةٌ في سطر (تجْمَعُنا المُفارَقاتُ) والتقديرُ: (تجْمَعُنا المُفارَقاتُ/ لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!)  وَ (تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ/ لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!). فإنّ هذا النّوعَ مِنَ الانزياحِ يَتّسِمُ ببعضِ السِّماتِ المُصاحِبةِ له، كالابتكارِ، والجدّة، والنّضارة، والإثارة.

يوصِدُ الأَسى أَقْفالَهُ/ في مَلاجِئِ عُيونِ البَراءَةِ/ يَشيبُ الصُّراخُ الأبْكَمُ/ عَلى أَفْواهِ طُفولَةٍ شابَها الهَلَعُ/ وَسائِدُ الضَّحايا تَتَشَرَّبُ العَويلَ الأبْكَمَ/ تُعانِقُ أرْواحَ أَحْلامٍ هارِبَةٍ/ مِنْ نَواقيسَ فِرارٍ/ إلى..كَوابيسَ اسْتِقْرار؟/ وَفي عُرْيِ العَراءِ المَكْسُوِّ بِدِمائِنا.

(في مَلاجِئِ عُيونِ البَراءَةِ): شبّهتِ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان البراءةَ بإنسانٍ لهُ عيونٌ، وهذهِ استعارةٌ، والاستعارةُ انزياحٌ. (يَشيبُ الصُّراخُ الأبْكَمُ): وهنا الانزياحُ في صِفةِ المَوصوفِ، ويُسمّى بالانزياحِ التّركيبيّ، فالمُتلقّي عندما يَقرأ كلمةَ “الصراخ”، يتوقّعُ أن تكونَ صفتُهُ “العالي” أو “الحزين”، لكنّهُ يتفاجَأ بكلمةِ “الأبكم”.

هذا الابتكارُ الّذي صنَعتْهُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان كانَ غايةً في الرّوعةِ والجَمال، بحيثُ زاوَجَتْ بينَ كلٍّ مِن “يَشيبُ” و”الصّراخ” مِن جهة، ومِن جهةٍ أخرى زاوَجَتْ بينَ كلٍّ مِن “الصّراخ” و”الأبكم”، وحرّكتْ على نحوٍ ما المَجالَ التّقريريّ، ساعِيةً إلى دائرةِ الشّعر، رغمَ كوْنِهما لا يتّفقانِ “إضافة” في بينَهُما، فـ”يشيبُ” شيءٌ و”الصّراخُ” شيءٌ، كما أنّ “الصّراخَ” شيءٌ و”الأبكم” شيءٌ آخرُ. وفي المُحصّلةِ، فقد جعَلتْ مِن هذا التّزاوُجِ المُتتالي قيمةً شعريّةً وفنّيّةً مميّزةً، وهذا الابتكارُ الّذي صنعَتْهُ الشّاعرةُ كانَ غايةً في الرّوعةِ والجَمال.

ومثلُ ذلك قولُ شاعرتِنا آمال عوّاد رضوان: (وَسائِدُ الضَّحايا تَتَشَرَّبُ العَويلَ الأبْكَمَ): ثلاثةُ انزياحاتٍ إضافيّةٍ متتابعة، فالمُتلقّي عندما يَقرأ أو يَسمعُ كلمةَ “وسائد”، يتوقّعُ أن تكونَ مُضافةً إلى كلمةِ “النّائمين” مثلًا، لكنّهُ يَتفاجأ بكلمةِ “الضحايا”، وعندما يَقرأ أو يَسمعُ كلمةَ “تتشرَّبُّ”، يتوقّعُ أن تكونَ مُضافةً إلى كلمة “الماء” مثلًا، لكنّه يتفاجأ بكلمةِ “العويل”، وعندما يقرأ أو يَسمعُ كلمة “العويل”، يتوقّعُ أن تكونَ مُضافةً إلى كلمة “المُحزن” مثلًا، لكنّهُ يتفاجأ بكلمةِ “الأبكم”.

أُمَّااااااهُ/ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ/ يَتَهافَتُ/ عَلى سَحْقي../ عَلى تَمْزيقي: تقولُ: “أمّاه”، وهنا اختراقٌ، أو تحويلٌ، أو انزياحٌ بالحذف، وهو حذفُ حرفِ النّداء، وتقديرُه يا أمّاه، ويَليهِ اختراقٌ بحذْفِ جُمَلٍ كاملة، والتّقدير: يا أُمَّااااااااااهُ/ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ/ يَتَهافَتُ/ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ يَتَهافَتُ عَلى سَحْقي../ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ يَتَهافَتُ عَلى تَمْزيقي..

وتقول: لِمَ نَوافِذُ الرَّهْبَةِ مُشَرَّعَةٌ في مَنافِذِ الصُّمودِ؟/ أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ/ مِنْ آتِ وَحْشٍ/ يُدَنِّسُ جَسَدي الطَّاهِرَ/ يَعْصِفُني.. وتقول: (لمِ نَوافِذُ الرَّهْبَةِ مُشَرَّعَةٌ في مَنافِذِ الصُّمودِ؟)، وَ (أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ)، ففي هذيْنِ السّطريْنِ يَتكرّرُ الانزياحُ الإضافيُّ ثلاثَ مرّاتٍ، وفيهِ تحويلٌ إضافيٌّ، والمُتلقّي بَعدما يَقرأ كلمةَ “نوافذ”، يتوقّعُ أن يَتلُوَها كلمةٌ محسوسةٌ “البيت” مثلًا، غيرَ أنّه يتفاجأ بوجودِ كلمةٍ مَعنويّةٍ، وهي”الرّهبة”، وعندما يَسمعُ كلمةَ “مَنافذَ”، يتوقّعُ أن يَتلُوَها كلمةٌ محسوسةٌ، “المدينة” مثلًا، غيرَ أنّه يَتفاجأ بوجودِ كلمةٍ معنويّةٍ، وهي”الصمود”، وعندما يَقرأ كلمةُ “رياح”، يتوقّعُ أنْ يَتلُوَها كلمةُ “الشتاء” مثلًا، غيرَ أنّهُ يَتفاجأ بوجودِ كلمةٍ مَعنويّةٍ، وهي”الرّعب”. وهناكَ انزياحٌ جَماليٌّ رابعٌ، يتمثّلُ في التّقديمِ والتّأخيرِ في سطر: (أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ)، حيثُ تَقدّمَ الجارُّ والمجرور “بي”، وحقُّهُ التّأخيرُ على الفاعلِ “رياح الرّعب”، والّذي حقُّهُ التّقديم. وفي أسلوبِ الاستفهامِ “لِم…….؟” انزياحٌ خامسٌ يتمثّلُ في الحذف “لماذا……..؟”. وهناكَ انزياحاتٌ كثيرةٌ في نصِّ شاعرتِنا آمال، والمجالُ لا يتّسِعُ هنا لتوضيحِها كلّها، لكنْ سأقفُ عندَ بعضِها.

أيا فَجْريَ السَّليبَ/ آآآآآآآآآآآآآآهٍ/ ما أَثْقَلَهُ الحُزْنَ!/ دُروبُ المَوْتى تَتَعَثَّرُ بِقَناديلِ الظُّلْم ِالمُظْلِمَةِ/ تَحْنو عَلَيْها.. بِقَسْوَتِها الرَّقيقةِ/ تَقْتَنِصُ الأجْسادَ الضَّالَّةَ في غَياهِبِ الرُّعْبِ/ بِكُتَلٍ مِنْ وَمْضٍ يَسْعُلُ/ تُغْمَدُ في صَفْوَةِ صَفائِها سُيوفُ رَحْمَةٍ/ اسْتَلَّتْها مِنْ غِمْدِ المَوْتِ/ لِتَنوسَ ذُبالَةُ فَوانيسِ الارْتِياح!/ ارْتِياح!؟/ بَلْ راحَةٌ أَبَدِيَّةٌ!

تقولُ: (أيا فَجْريَ السَّليبَ): يتفاجأ المُتلقّي مِن حصولِ الّلامتوقّع مِن خلال المُتوقَّع؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يتلاءَمُ والمضاف. فهو يتوقّعُ بَعدَ كلمةِ “فجري” وجودَ كلمةِ “المضيء”، لكنّهُ يَنبهِرُ لوجودِ صفةٍ، وهي كلمة “السّليب”، ويُصبحُ عندَ شاعرتِنا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ خالِصٌ، ومثلُ ذلكَ كثيرٌ، كما في قولِها: تَحْنو عَلَيْها.. بِقَسْوَتِها الرَّقيقةِ، وفي قولها: تَقْتَنِصُ الأجْسادَ الضَّالَّةَ في غَياهِبِ الرُّعْبِ / بِكُتَلٍ مِنْ وَمْضٍ يَسْعُلُ/ تُغْمَدُ في صَفْوَةِ صَفائِها سُيوفُ رَحْمَةٍ/ اسْتَلَّتْها مِنْ غِمْدِ المَوْتِ.

الوظيفةُ الرّئيسةُ للانزياحِ ماثلةٌ فيما يُحدِثُهُ مِنْ مُفاجأةٍ، تُؤدّي بالمُتلقّي إلى الغِبطةِ الذّهنيّةِ، والإمتاعِ الوجدانيّ، والإحساسِ العذب بالأشياءِ إحساسًا مُتجدّدًا. والغايةُ مِن لجوءِ شاعرتِنا لأسلوبِ الانزياح، أنّها ارتأتْ في عصْرِنا الحاليِّ، أنّ الشِّعرَ لمْ يَعُدْ وسيلةً رئيسةً في حِفظِ الموروثِ القبَليِّ والدّينيّ والاجتماعيّ، معَ دخول وسائلَ أخرى وأساليبَ أكثرَ مُرونةً وقبولًا لدى النّاس، فاتّجهَتِ الشّاعرةُ لقضايا أكثرَ حميمةً وقُربًا مِن نبْضِ الشّارعِ وضميرِ الأمّة، كالقضايا الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ والسّياسيّة، إضافةً لتأثُّرِ شاعرتِنا الجبرانيّةِ الكبير بالطّبيعة، ومُحاولتِها خرْق سُننِها العاديّةِ، والتّحليق في فضائِها الرّحب، وكلُّ هذا يَحتاجُ لفنونٍ أخرى غيرِ الدّارجةِ والمُتعارَفِ عليها، فاعتمدَتْ أساليبَ الانزياحاتِ؛ لتُلبّي رَغبتَها، وتُشبعَ روحَها وغريزتَها، بابتكارِ لغةٍ شِعريّةٍ عذبة المَذاق.

اسْتِغاثاتٌ تَضِجُّ في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ/ حَناجِرُ طُفولَةٍ تُمَزِّقُها سَلاسِلُ مَسْلولَة/ وَفي رَنينِ القَوافِلِ اللاّهِثةِ/ تتَلَهَّفُ قَبائِلُ القَلَقِ السَّاهِمَةِ/ أَنْ تُوارِيَ أَجْسادَ المَنْهوكينَ/ في الهَرَبِ/ في لحْدِ النّوْمِ المُؤَقَّتِ/ لِتَبُلَّ ظَمَأَ الجُفونِ لمُعَذَّبَةِ بِـــ/ قَ/ طَ/ رَ/ ا/ تٍ/ مِنْ نوْمٍ أَصَمَّ. ففي قولِها: (اسْتِغاثاتٌ تَضِجُّ في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ/ حَناجِرُ طُفولَةٍ تُمَزِّقُها سَلاسِلُ مَسْلولَة): وهنا يبدو الانزياحُ التّركيبيُّ، وهو مَخالَفةُ التّراتبيّةِ المألوفةِ في النّظام الجُمَليّ. مِن خلالِ بعضِ الانزياحاتِ المسموح بها في الإطارِ الّلغويّ، كالتّقديمِ والتّأخيرِ في بعضِ بُنى النّصّ، فقدْ تقدّمَ الجارُّ والمجرور “في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ”، وهو ما حقُّهُ التّأخير، على الفاعلِ الّذي حقُّه التّقديم؛ “حَناجِرُ طُفولَةٍ”. وفي قولِها (مِنْ نوْمٍ أَصَمَّ) انزياحٌ إضافيّ، فالمُتلقّي عندما يَسمعُ كلمةَ “نوم”، يتوقّعُ بأن تكونَ صفتُهُ “هادئ” مثلًا، لكنّهُ يَتفاجأ بوجودِ كلمةِ “أصمّ”. إنّ البكاءَ شعورٌ إنسانيٌّ وووجدانيّ يقعُ في نفس الشّاعر، فيَعتلِجُ لسانُهُ بالقوْلِ وينطلِقُ بمكنونِ صدرِهِ، فيُعبِّرُ عن ذلك بما اصْطُلِحَ عليهِ (فنُّ الرّثاء). فالرّثاءُ ليسَ صورةً أدبيّةً لعصرٍ ما فحسْب، بلْ وثيقةٌ تاريخيّةٌ واجتماعيّةٌ وفكريّةٌ، فوقَ ما هو نابعٌ مِنَ الرّوحِ والذّات. لهذا لم يَكُنِ الرّثاءُ مُنغلِقًا في دائرةِ البُكاءِ والأحزانِ والتّهويلِ والوعيدِ، أو في دائرةِ تَعدُّدِ الصّفاتِ على اشتهارِ الجاهليّينَ بهذا؛ وإنّما كانَ تجربةً حيّةً كاملةَ الأبعادِ للحياةِ والموتِ والبحث عن المصير(6).

لا يَسْمَعُ أزيزَ المَوْتِ الكَفيفِ!/ أَتَنْهارُ سُدودُ الحَقيقَةِ/ لِتنْقَلِبَ الأحْلامُ الخَضْراءُ مَرْتَعَ شِراكٍ؟/ أَتُغْتالُ ظِباءُ المَنامِ؟/ أَتَفْقِدُ رَحْمًا تَتَناسَلُ فيهِ أَجِنَّةُ الرَّحْمَةِ؟/ لوْحَةٌ دَمَويَّةٌ تَجْري وَجَلا/ تَصُبُّ/ شَلاّلاتِ المَآسي في مَنابِعِ الغُرْبَةِ/ وَعَلى/ ضِفافِ المَوْتِ/ وحينَ يَجِنُّ اللَّيْلُ/ تَتَجَنّى الصُّوَرُ في مُجونِ الجُنون!

لقد قامتْ شاعرتُنا آمال عوّاد رضوان بالانزياحِ التّركيبيّ، فقدّمَتْ كُلًّا مِن شِبهِ الجُملةِ الجارّ والمجرور؛ “وعلى ضِفافِ المَوْتِ”، وكذلك شِبه الجملة الظّرفيّة؛ “وحينَ يَجِنُّ اللَّيْلُ”، وهُما ما حقُّهُما التّأخير، على الفِعل والفاعل “تَتَجَنّى الصُّوَرُ في مُجونِ الجُنون!” وهو ما حقُّهُ التّقديم. هذهِ جَماليّةٌ في الأسلوبِ، وهذا لمْ يَرِدْ عندَ شاعرتِنا اعتباطًا، بلْ لهُ جُملةٌ مِنَ المَقاصدِ، بلْ أرادَتْ أنْ تُؤكِّدَ على المآسي وتُلقي عليها الضّوءَ؛ ليتِمَّ الوقوفُ عليها والاهتمامُ بها، ولفت الانتباه، فالتّقديمُ والتّأخيرُ ظاهرةٌ لا تَكسِرُ قوانينَ الّلغةِ المِعياريّةِ، لتبحثَ عن قوانينَ بديلةٍ، لكنّها تَخرقُ القانونَ بعنايةٍ فائقةٍ، بما يُعَدُّ استثناءً نادرًا. وفكرةُ الانحرافِ deflection تُعتبَرُ خرقًا مُنظَّمًا لشِفرةِ الّلغة، يُحاولُ بناءَ نمَطٍ شُعوريٍّ آخرَ بنظامٍ جديد، وجُملةُ الأمرِ، أنَّ تَجاوُزَ نمَطِيّةِ الّلغةِ أصبحَ مِن أهمِّ المُرتكَزاتِ الأساسيّة المُحدَثة في الخطابِ الشّعريّ المُعاصِر، الّذي يتغيَّا استحداثَ لغةٍ شِعريّةٍ جديدة، تتمرّدُ على القوالبِ الجامدةِ.

الألفاظُ هي أوّلُ ما يَلقانا في نصوصِ الشّعر، لكنْ يجبُ أنْ نأخذَ في الاعتبار، أنّ “الّلغةَ إنّما تحدّدتْ ألفاظُها بالقياسِ إلى عالمِ الأشياءِ الحِسِّيّ، أمّا عالَمُ النّفِس المَعنويّ، فلا تزالُ ألفاظُ الّلغةِ قاصرةً عن أنْ تُحدِّدَ معانيهِ، ولا تزالُ تضربُ في تيهٍ من ماهيّاتِهِ، وهي ماهيّاتٌ غيرُ مُتناهيةٍ، وما لا تَناهٍ لهُ لا يُدرَكُ إدراكًا دقيقًا، بحيثُ يُوضَعُ لفظٌ مُحدَّدٌ بإزائه”(7).

لقد اتّسمَتِ المقطوعةُ بالوحدةِ العضويّةِ والوحدةِ الموضوعيّة، وتوفّرَ فيها الصِّدقُ الفنّيّ، وجَمالُ الصّورِ الفنّيّة.

 __________________________________________

الهوامش:

1. اُنظر: ديوان “سلامي لكَ مطرًا”، آمال عوّاد رضوان ص97- 105، دار الزاهرة للنشر والتوزيع، المركز الثقافيّ الفلسطينيّ- بيت الشعر، رام الله– فلسطين 2007.

2. ظاهرة الانزياح الأسلوبيّ، صالح شتيوي ص83، مجلّة جامعة دمشق، المجلد 21، العدد (3+4) 2005.

3. استدعاء الشّخصيّات التراثيّة في الشّعر العربيّ المعاصر، عشري زايد، علي؛ ص 20 ، 21.دار غريب للطباعة والنشر، 2006 .

4. تجربتي الشّعريّة، عبد الوهاب البياتي، ص35، دار العودة، بيروت، 1971.

5. الاتّجاه الوجدانيّ في الشّعر العربيّ المعاصر، د. عبد القادر القط،       ص 466.

6. اُنظر: الرّثاء في الجاهليّة والإسلام، حسين جمعة ص 19، دار العلم  1991م، ط 1  دمشق.

في النقد الأدبيّ، شوقي ضيف، دار المعارف، (ص: 129).‏

من كتاب (أعماق القول) في شعر آمال عوّاد رضوان

مقالات ذات علاقة

صدور كتاب “حوارات مع شمس الأدب العربيّ سناء شعلان”

المشرف العام

فلسفة ُالجمالِ والقبح ِ.. من محض خيالى

المشرف العام

أصيلة تختار أسامة الزكاري شخصية العام

المشرف العام

اترك تعليق