المقالة

الاختلاف الطبيعي وغير الطبيعي

كتابة
كتابة

الاختلاف الطبيعي وغير الطبيعي لهُمَا أثرٌ كبيرٌ على أساساتِ وثوابت أيِّ دولة لا سيما أمنها واستقرارها ونماء ورخاء شعبها وأرضها، فالاختلاف الطبيعي أثرُهُ إيجابي وبَنَّاء، والاختلاف غير الطبيعي أثرُهُ سلبيٌّ وهَدَّام على الدولة وأساسات وثوابت بنائها والنهوض بها.

تساؤُلٌ مُهِم علَّنا نبدأ به المقال لِمَا لهُ من علاقةٍ وطيدة بموضوع الاختلاف الطبيعي والاختلاف غير الطبيعي وأثرهما على الدَّولة وشعبها وأساسات وثوابت بِنَائها: (هل يُوجد بُنيانٌ قوي بدون أساسات ثابتة؟)،الحقيقة والبداهة تقول: (لا يوجد بُنيانٌ قوي بدون أساسات ثابتة)، هذه حقيقة ومُسَلَّمَة مِن المُسَلَّمَات التي لا يختلف عليها اثنين، حيث نجد هذه الحقيقة في الدِّين قبل أن نجدها في العلم أيضًا، فالدِّين يُعلِّمنا بأنَّ ما بُنِيَ على باطل فهو باطل، وعلم الهندسة أيضًا يعِي تمامًا هذه المُسَلَّمة ويُقِرُّ أيضًا بأنَّهُ لا يوجد بنيانٌ قوي بدون أساسات ثابتة، ومن هُنا نقولُ إذًا وبطريقة التَّساؤُل أيضًا: ما الأمور التي لا يختلف عليها اثنين؟. الحقيقة والبداهة أيضًا تقول: (إنَّ الأمور التي لا يختلف عليها اثنين هي المُسَلَّمَات والثَّوابت).

من هنا نبدأ موضوع الاختلاف الطبيعي والاختلاف غير الطبيعي، وبطريقة التَّساؤل أيضًا نقول: هل كلُّ الاختِلاف يُطلَق عليهِ (اختلافٌ طبيعي)؟. بالطَّبعِ لا، فهُناك مُسَلَّمَاتٌ وثوابت لا يختلف عليها اثنين، وبِنَاءً على ما أسلفنا في المثال السَّابق نقول: (ليسَ كلُّ الاختِلافِ طبيعي)، فالاختلافُ في المُسَلَّمَات والثَّوابت هو اختلافٌ غير طبيعي، ذلك أنَّ الأمور التي لا يختلف عليها اثنين هي المُسَلَّمَات والثَّوابت.

أستغرب حقيقةً أنَّ بعض وجهات النَّظر في بعض دول العالم اليوم تُسَوِّق لِشُعُوبِنَا العربيَّة والمُسْلِمة ثقافة أدب الاختلاف بطريقة جِدًّا مُغالِطة وليست على حقيقَتِها!، بتسويقِ أنَّ كُل الاختلاف طبيعي!، وذلك بدمج الاختلاف الطبيعي في وجهات النَّظر والرُّؤى والآراء والأفكار مع الاختلاف غير الطبيعي في المُسَلَّمَات والثَّوابت – على أنَّهُمَا هما الاثنان اختِلافٌ طبيعي! – وللأسف أيضًا أنَّ هُناك العديد من وجهات النَّظر والرُّؤى والآراء في دُوَلِنا انقادت ناحية هذا الاختراق الفكري! حتَّى أصبحت تعتبر الاختلاف بالكُلِّيَّة أمرٌ طبيعي!، ومن هُنا أقول: ما هي أهداف هذا الاختراق الفكري الذي باتَ يُسَوَّق لهُ كثيرًا في دُولنا اليوم، برفع سقفِ الاختلاف وبِدعوى أنَّ كُل الاختلاف طبيعي! حتَّى الاختلاف مع المُسَلَّمات والثَّوابت أيضًا؟!، بات يسوق له على أنه اختلاف طبيعي!.

فلنُحاول أن نُمِيطَ الغُبار عن هذا المزج والاختراق الفكري، لِنُمِطَ الغُبار ونوضِّح ما الاختلاف الطبيعي؟، وما الاختلاف غير الطبيعي؟، فليسَ كُل الاختلاف طبيعي كما يُسَوِّق إليه البعض، ولنُوضِّح كيف يُمكِن التَّفريق بينهما؟، وإلى ما يهدُف كُلا مِنهُمَا؟، ولنُبيِّن أيضا أثرهما – الاختلاف الطبيعي والاختلاف غير الطبيعي – على أساسات وثوابت أي دولة لاسيما أمنها واستقرارها ورخاء ونماء شعبها وأرضها.

إنَّ الاختلاف الطبيعي آية من آيات الله للعالمين، كاختلاف الَّيل والنَّهار واختلاف ألوان البشر – هذا أبيضٌ وذاكَ أسود وذاك أحمر وغيرها مِن ألوان البشر – واختلاف الألسِنة – اللغات واللهجات – هذا عربي وذاكَ أعجمي وغيرها من لُغاتِ البشر ولهجاتهم، واختلاف الزَّرع والنِّعم التي أنعم الله بها على العالمين، ثُمَّ إنَّ اخِتِلاف وجهات النَّظر والرُّؤى والآراء والأفكار أمرٌ طبيعي – في ظلِّ عدم اختلافِهَا في المُسَلَّمات والثَّوابت – فليس كُلُّ الاختلافِ طبيعي.

يستطيع الإنسان أن يُفَرِّق بين الاختلاف الطبيعي والاختلاف غير الطبيعي بإجابتِهِ على هذا التَّساؤل الذي أسلفنا ذكره في بداية المقال: ما الأمور التي لا يختلف عليها اثنين؟، فالفرق بين الاختلاف الطبيعي والاختلاف غير الطبيعي يكمُنُ في الإجابة: إنَّ الاختلاف فِي الْمُسَلَّمَات والثَّوابت هُوَ اختلافٌ غير طبيعي، ذلك أنَّ الأمور التي لا يختلف عليها اثنين هي المُسَلَّمَات والثَّوابت التي يَتَّفق عليها الجميع، إنَّ للأساسات الثَّابتة أهمِّيَّة بالغة وأثر إيجابي في بُنيانِ أيِّ دولة، ذلك أنَّهُ: (لا يوجد بُنيانٌ قوي بدونِ أساساتٍ ثابتة)، فهذه مِنَ المُسَلَّمَات القطعِيَّة التي يعلمها الجميع وهي مُسَلَّمة لا يختلف عليها اثنين.

– الاختلاف الطبيعي:

إنَّ اختلاف وجهات النَّظر والرُّؤى والآراء والأفكار – في ظلِّ عدم اختلافها في المُسَلَّمَات والثَّوابت – هو اختلافٌ طبيعي يصل به أصحابه بتعزيز النِّقاش والتَّحاور والتَّشاور والتَّقابُل بالأفكار ووجهات النَّظر والرُّؤى والآراء المختلفة إلى التَّوافق والتَّآلف والاتِّحاد، وهذا الاختلاف الطبيعي أثره إيجابي وبَنَّاء فهو يُعطي تَنَوُّعًا للحلُول في الأزمات أيضًا بِتَنَوُّع الرُّؤى واتِّزانِها بالتَّوافُق، كما يعطي مجالا للابتكار والإبداع في شتَّى مناحي حياة الدولة وشعبها.

– الاختلاف غير الطبيعي:

إنَّ اختلاف وجهات النَّظر والرُّؤى والآراء والأفكار – مع اختلافِها أيضًا في المُسَلَّمَات والثَّوابت – هو اختلافٌ غير طبيعي، ذلك أنَّ الأمور التي لا يختلف عليها اثنين هي المُسَلَّمَات والثَّوابت، ثُمَّ إنَّ هذا النَّوع من الاختلاف – غير الطبيعي – أثرُه سلبي وهدَّام على أساسات وثوابت أيِّ دولة لأنَّهُ مَدْعَاةٌ لنشر انعدام التَّوافق بانعدام وجُود مُسَلَّمَات وثوابت بَيْنَ المُختلفين، فَرَفْعُ سَقْف الاختلاف لا يدعُو إلا لِنَشر الخلافات والتَّفرقة والنِّزاعات والانشقاق والكراهيَّة والبغضاء وانعدام التَّوافق.

ليْسَ كُلُّ الاختلاف طبيعي، بل هُناك اختلافٌ طبيعي واختلافٌ غيرُ طبيعِي، الاختلاف الطبيعي أثره إيجابيٌّ وبَنَّاء، والاختلاف غير الطبيعي أثره سلبيٌّ وهَدَّام، فَكُلَّمَا تَهَدَّدَت ثوابت الشُّعوب وأساساتها كَثُرت فيها الخلافات والنِّزاعات وانعدام التَّوافق والانشقاق والكراهيَّة والبغضاء، فلا يُوجد بُنيانٌ قوي بدون أساسات ثابتة، فلتحذر الشُّعُوب العربيَّة والمُسْلِمَة من مِثلِ هذه الاختراقات الفِكريَّة والأفكار الهدَّامة التي يُسَوِّق إليها الكثيرُون، فَرَفْعُ سَقْفِ الاختلاف مُرَادٌ به هدم الأساسات أو الغياب عن أهمِّيَّة تحديدها قبل البناء، وإلا فَكَيْفَ يرتفع بِنَاءٌ قويٌّ بدونِ أساساتٍ ثابتة؟!.

 أكتوبر / 2015

مقالات ذات علاقة

مجتمع “عوز المناعة الأخلاقية”

عمر الككلي

أين ليبيا التي عرفت؟ (25)

المشرف العام

القفة… بازين، شربة وكفتة.

حواء القمودي

اترك تعليق