حوارات

الأوجلي: تركونا نتشاجر كأطفال في مخزن خزف

للدكتور عطية الأوجلي وزير الثقافة في المجلس الانتقالي السابق مساهمات كثيرة في مجال المجتمع المدني والصحافة والترجمة. عُرف بانتهاجه أسلوبًا هادئًا متسامحًا متنورًا نابذًا للعنف المادي والرمزي، ودخل إلى المعترك السياسي بهدوء وخرج منه أيضًا بهدوء، لكنه لم يتوقّف عن دوره في إثراء المشهد الثقافي والسياسي بكتاباته التحليلية في شتي المجالات.

الدكتور عطية الأوجلي
الدكتور عطية الأوجلي

“بوابة الوسط” أجرت مع الأوجلي مقابلة وسألته عن قضايا مفصلية يعانيها المجتمع الليبي حاليًا، فماذا قال.

بين الظن والحقائق
نعيش في عالم بالغ التعقيد والقسوة. عالم تتقاطع فيه المصالح وتمتزج فيه الهويات وتتداخل فيه الصراعات. عالم لم نصنعه ولم نفهمه. ليبيا لا تعيش على كوكب معزول وإنما هي جزء من نظام دولي له مؤسّساته وطموحاته وصراعاته وتناقضاته، وهي أيضًا جزء من منظومة إقليمية تتأثر بها… وسؤالي هل يمكننا حقًا فهم الصراع في ليبيا بمفردات غارقة في المحلية؟ هل القبيلة أو الجهة أو الحزب هي محرك الصراع في بلادنا؟ وماذا تملك كل منها من أدوات التأثير غير حفنة من الشباب المسلّح بالأوهام وبالسلاح الذي لا تصنعه؟ هل من قبيل المصادفة أنّ أكثر الشخصيات والقنوات المرئية تأثيرًا فيما يجري في ليبيا قابعة خارج البلاد؟ وماذا يملك المثقّف المحلي من أدوات فك شفرة هذه الصراعات غير التخمين والظن وإعادة تدوير الإشاعات؟ نحن لا نملك مراكز بحوث ولا صلة لنا بدوائر صنع القرار ومعظمنا لا يتقن لغات أجنبية ولا يطلع على التقارير والتحليلات ويعيش في عزلة معرفية. هذا عن المثقف، أما السياسي فالحمد لله أنه لا يدرك العلاقة بين المعلومات واتخاذ القرار وبالتالي أراح نفسه من هذا العناء. أمام هذا الشح في الحقائق والوفرة في الحجج والاتهامات والتفسيرات وأنصاف الأكاذيب ستمضي أجيال قبل أن نعرف لماذا تدخّل العالم بشكل مباشر في بلادنا، ولماذا تركونا نتخاصم ونتعارك كالأطفال في مخزن الخزف هذا!

جوهر الأزمة
الانهيار الأخلاقي الذي تشهده مجتمعاتنا ظاهر وواسع وشامل. فالغش والوساطة والمحسوبية ونهب المال العام وإهدار الموارد والتزوير والكذب والتعصب والعنف هي مجرد عينة من مظاهر هذا الفساد الذي ينخر جسدنا، ويعطل عقولنا ويحيلنا إلى مجموعات صغيرة متحاربة أعجز من أن تبني مؤسسة أو تحترم قانونًا أو تحقق إنجازًا. ويتساوى في هذا الجميع.

جوهر الأزمة يكمن في أنّ هذه المجتمعات فقدت قيم المجتمع التقليدي وعجزت عن استيعاب وتبنّي قيم المجتمعات الحديثة. فلا نحن مجتمعات تقليدية بوجهائها وشيوخها وثقافتها وأعرافها وقيمها، ولا نحن مجتمعات حديثة بمؤسساتها وقوانينها وقيمها. فقدنا “الأصالة” ولم نكسب “المعاصرة”، لم تعد لدينا “روح” الشرق ولم نكسب “عقل” الغرب. نحن هجين منقسم بين هذا وذاك. ننتقل وبسرعة البرق ما بين المطالبة بدستور عصري يحمي حقوق الإنسان إلى التنادي بالسلاح لنصرة أبناء القبيلة.

بين الظن والحقائق
نعيش في عالم بالغ التعقيد والقسوة. عالم تتقاطع فيه المصالح وتمتزج فيه الهويات وتتداخل فيه الصراعات. عالم لم نصنعه ولم نفهمه. ليبيا لا تعيش على كوكب معزول وإنما هي جزء من نظام دولي له مؤسّساته وطموحاته وصراعاته وتناقضاته، وهي أيضًا جزء من منظومة إقليمية تتأثر بها… وسؤالي هل يمكننا حقًا فهم الصراع في ليبيا بمفردات غارقة في المحلية؟ هل القبيلة أو الجهة أو الحزب هي محرك الصراع في بلادنا؟ وماذا تملك كل منها من أدوات التأثير غير حفنة من الشباب المسلّح بالأوهام وبالسلاح الذي لا تصنعه؟ هل من قبيل المصادفة أنّ أكثر الشخصيات والقنوات المرئية تأثيرًا فيما يجري في ليبيا قابعة خارج البلاد؟ وماذا يملك المثقّف المحلي من أدوات فك شفرة هذه الصراعات غير التخمين والظن وإعادة تدوير الإشاعات؟ نحن لا نملك مراكز بحوث ولا صلة لنا بدوائر صنع القرار ومعظمنا لا يتقن لغات أجنبية ولا يطلع على التقارير والتحليلات ويعيش في عزلة معرفية. هذا عن المثقف، أما السياسي فالحمد لله أنه لا يدرك العلاقة بين المعلومات واتخاذ القرار وبالتالي أراح نفسه من هذا العناء. أمام هذا الشح في الحقائق والوفرة في الحجج والاتهامات والتفسيرات وأنصاف الأكاذيب ستمضي أجيال قبل أن نعرف لماذا تدخّل العالم بشكل مباشر في بلادنا، ولماذا تركونا نتخاصم ونتعارك كالأطفال في مخزن الخزف هذا!

ورغم ذلك فالمخرج واضح ولقد سبقتنا إليه العديد من الأمم، فلم تعد هناك أسرار في تنمية وتطوير المجتمعات، ولازال بإمكاننا الخروج من هذا النفق المظلم إذا ما تحلينا بالشجاعة الحقيقية وبالرغبة الصادقة وكففنا عن هذا العبث الانشطاري وانطلقنا من مسلمات وبديهيات أخلاقية واضحة بأن الخطأ لا يمكن إصلاحه بارتكاب الجرائم… وأدركنا أن العدل أهم وأبقى من الثأر والانتقام، وأنّ الصراع السياسي لا مخرج منه إلا بحل سياسي. وأن أي تنازل سياسي هو أشرف وأذكي وأنبل من مقتل بريء واحد.

الازدواجية لها صلة بعهود الاستبداد
لا أدري تحديدًا متى انفصل عندنا القول عن العمل. ولا أدري لماذا وإن كنت أشك في أن عهود الاستبداد لها صلة وثيقة بما حدث. فالاستبداد يقمع الفكر وروح المبادرة ويزرع الخوف ويشجع الفساد والنفاق. ومهما كان السبب فالمرء لا يحتاج إلى طويل تفكير أو تأمل ليرى مدى تغلغل هذه الأفة في حياتنا وسلوكياتنا.

هذه الازدواجية تجعل مجتمعنا يتحدّث عن واقع غير موجود. ويرفع شعارات غير واقعية. ويلهث وراء أهداف غير ممكنة. هذه الازدواجية تجعل الجهد اللفظي يحل محل الجهد الفكري ويكون هو المقياس، فتنتعش سوق الحواة وصانعي الألفاظ وتصبح حلاوة اللسان هي أهم الأسلحة التي يجب على المرء أن يكتسبها لينال أصوات الناس ويسرق جهدهم وعرقهم وأموالهم وهم يهتفون له.

الوزارة
في الدول التي تفتقر للمؤسسات فإن الوزير يصبح هو ملك الوزارة، فهو الذي يخطط ويأمر ويمنح ويعاقب وبالتالي يصبغ وزارته برؤيته وتمتزج مع مصالحه وتطلعاته وطموحه. وتصبح الوزارة بكل ما فيها وزارة “فلان”. وكثيرًا ما نجد الوزير يحمل أطقمًا جديدة معه من الموظفين لديوان الوزارة ليغادروها بمغادرته. لا توجد قوانين أو لوائح تنظم عمل الوزير ولا سلطان عليه سوى ضميره (إن وجد)، ولا حدود لعمله سوى رغباته أو خياله، يسانده في ذلك جهاز إداري مخضرم تربى في مناخ الفساد والوساطة والمحسوبية، وتعلم أن الطريق السريع للارتقاء الوظيفي هو تلبية رغبات المسؤولين بدقة وحرفية وأحيانًا بحماس متدفق. باختصار شخصية الوزير أو نواياه لن تغير من الأمر الكثير. الاتجاه الصحيح هو في تبني سياسة الإصلاح الوظيفي الشامل والمتدرج الذي بدونه لن نفلح سوى في خلق ممالك صغيرة نسميها الوزارات.

إعلامنا لازال يعيش التحريض
شبابنا بأمس الحاجة إلى المعرفة وإلى تنمية قدراته ومهاراته وكنا نأمل أن يلعب الإعلام دورًا رئيسيًا في تلبية هذه الاحتياجات المشروعة والضرورية، غير أن إعلامنا لم يخرج من جلباب التحريض بعد. والإعلام التحريضي كما تعلم لا يبحث عن الحقيقة ولا تهمه من قريب أو بعيد. كل ما يهمه ويتقنه هو استغلال الأزمات لتأجيج عواطف الناس ودفعها إلى استنتاجات وغايات محددة سلفًا. فقضية مثل قضية عدادات النفط، على سبيل المثال، تصبح قضية مقدّسة ومسألة شرف لا يسلم حتى يراق على جوانبه الدم (بالطبع دم الناس). القضية نفسها تتلاشى وتختفي ولا يذكرها أحد بعد أن استنفدت أغراضها، فالنفط الآن يتم تصديره بنفس الطريقة السابقة دونما احتجاج أو غضب من أحد. والأمثلة كثيرة على مثل هذه السلوكيات. السؤال لدي إلى متى سيبقى الناس يتتبعون ويكررون ترهات هذه القنوات؟ ومتى سيدركون أنهم ضحايا وأن مثل هذه القنوات (لا استثني أحدًا) تعبث بمشاعرهم وتستغلهم؟

المجتمع المدني في ليبيا
المجتمع الليبي ليس بغريب عن مؤسسات العمل التطوعي والخيري، فلو نظرنا في تاريخنا لوجدنا الكثير من صوره، ومن أبرزها الاهتمام بالفقير واليتيم ورعاية الملاجئ، بل حتى الجهاد ضد الطليان كان تطوعيًا، وكذلك كانت الزوايا السنوسية، وفي العصر الحديث كانت هناك جمعية الكفيف، الأندية الرياضية، مدرسة العمال في بنغازي، جمعية عمر المختار، الحركة الكشفية، وجمعية الأمل، وكذلك لا ننسى جمعية المرأة ودورها البارز في تلك المرحلة.

إذا نحن نتكلّم عن تراث جميل ورائع عن مؤسسات المجتمع المدني المبنية على ثقافة العمل التطوعي، يجب أن نعتز بها ونذكر أهلها بالخير. مؤسسات المجتمع المدني ستعلب دورًا إيجابيًا إذا ما ابتعدت عن صراع السلطة وعن مال الدولة.

التطرف صنيعة تآكل القيم الأخلاقية والإنسانية
تآكل منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية هو ما يدفع الناس إلى التصرف بوحشية وفجاجة ورعونة عند الأزمات. ويدفعها إلى التشنج في المواقف وإلى تغليب الثأر على العدالة وإلى ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين. إلى نقل الأخبار الكاذبة وترديد الشائعات. إلى الفجور في الخصومة. إلى تبني التعميمات ومعاملة الناس على أساس الهوية الجهوية أو القبلية أو الحزبية. إلى شيطنة الخصوم وتجريدهم من كل إنسانية… كل هذه صور من التطرف. يتبقى القول بإننا لم ندرك بعد أننا بفعلنا هذا أنما نعاقب ذواتنا ونفتت ما تبقى من إنسانيتنا ونحكم على أجيالنا القادمة بالبؤس والشقاء والألم والعيش بقانون الغاب.

وماذا عن الإرهاب؟
الإرهاب واحد سواء كان على شكل اغتيال أو تفجير أو قصف بالطائرات أو الراجمات أو التهديد بإغلاق الموانئ. الإرهاب هو نوع من العقاب الجماعي الذي تحرمه الأديان والشرائع والقوانين الدولية. والإرهاب واحد سواء صدر من صديق أو حليف أو خصم أو عدو ويجب على أصحاب الضمائر الحية عدم التردد في إدانته والكف عن رؤيته من ثقب المصالح الآنية أو الانحياز العاطفي. الإرهاب جريمة بغض النظر عن فاعلها.

يعطي الإرهاب المشروعية لنفسه بالتستر وراء شعارات براقة ومبهمة تثير غرائز العوام وتستجدي تعاطفهم، قد يلبس الإرهاب عباءة الدين أو الوطنية أو الديمقراطية وحتى القبيلة أو الجهة، لكنه كمشروع فاشل لم ولن ينجح في إقامة دولة أوفي تحقيق شعاراته لأنه لا يسعى في حقيقة الأمر لتحقيقها.

أنت تحاور إذًا أنت إنسان
الحوار ليس بمباراة ملاكمة تنتهي بسحق خصم لآخر، وليست حربًا تجر الدمار والآلام وتحصد الأرواح، الحوار هو الوسيلة الإنسانية الوحيدة لفض الاشتباكات وإنهاء الخصومات التي لم تسجل بها خسارة بشرية واحدة. الحوار يحتاج إلى الجرأة والخيال والشجاعة والسيطرة على النفس، وهو يرتقي بالسلوك ويزرع الثقة ويمنح السلام. الحوار هو اعتراف الإنسان بآدميته وتأكيد تفوقه النوعي على بقية المخلوقات.

ولنتذكر أنّ الإنسان لا يصنع السلام مع أصدقائه وحلفائه، وإنما مع خصومه وأعدائه. وأنّ السلام يحتاج إلى حكمة وشجاعة وجرأة أكثر مما تحتاجها الحروب. فأعطوا السلام الفرص وامنحوه التضحيات التي يستحق قبل أن تضيع الفرص والسلام والوطن وتبكوا كالأطفال على سلام لم تغتنموه كالرجال.

___________________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

الروائي الليبي صلاح الحداد: يكفّر المتطرفون الفن لأنه يهدد إمبراطورتيهم

المشرف العام

العارف يتحدث عن «السجن» والغناء لتمجيد النظام (3/2)

المشرف العام

المهدي جاتو: لا أرضى إلا بالعمل المتقن

رامز النويصري

2 تعليقان

عادل بن يوسف 5 فبراير, 2015 at 07:37

الحوار قمة العقلانية واحترام الآخر

رد
نوجا شوشو 5 أغسطس, 2015 at 18:15

اين الدستور الذي نعرف من خلاله حقوقنا وواجبتنا حتى نبداء بممارسته على ارض الواقع فان كان الدستور يكفل لي الحق ان ابلغ عن فاسد ويحميني القانون سوف افعل وكل شريف يفعل لابد ان يظهر الشرفاء نظفي الايدي فهم موجودون وبكثرة لكن من يحميهم لابد اننعيد ميزة عصر المردوم الجوسسه ولكن نأخد الطرف الايجابي منها لاجل الوطن وليس من اجل الحفاظ على كراسي الطاغية

رد

اترك تعليق