قصة

الأمن لا يأتي من البحر

من أعمال التشكيلية مريم عيسى بازينة
من أعمال التشكيلية مريم عيسى بازينة


قفل حكيم هاتفه، وأعد عدة الصيد، ووضع حقيبته على كتفه، وارتدى قبعته المكسيكية على رأسه، وذهب الى البحر يتنسم الهواء العليل، وأخذ شهيقا وزفيرا وأنزل الحقيبة من على كتفه، وضع الطعم ورمى الصنارة، جلس على الكرسي يتأمل الجو الجميل.

الشمس تشع بنورها الذهبي الخلاب تداعب أمواج البحر التي ترتطم بهدوء على الصخور السوداء، ينظر بشغف الى المركب التي تحملها المياه تسير يمينا ويسارا، وهم يرمون الشباك. فإذا بالصنارة تهتز، وجد الصنارة خالية من الطعم وضع آخر ورمى بالسنارة من جديد، وشغل المذياع الصغير وجد اغنية تقول: الحياة حلوه بس نفهمها.

فأزداد تفاؤلا وأنشرح صدره، وأثناء انسجامه شعر بالصنارة ة تهتز بشده، فامسك العصى بقوة، ولف السلك بسرعة، وهي تشد ويرخبي وتشد، وعلى الحالة بقى نصف ساعة، ويقول في ذهنه لابد وأنها سمكه كبيرة، وبعد تعب ومشقه استطاع أن يخرجها فإذا بها غريبه الشكل، بعين واحدة مضلعة لا ذيل فيها وتزن كيلو ونصف، لونها ذهبي مخطط بأسود، وفمها كفم الأسد، اشمئز منها قليلا وأراد ان يخلصها ويضعها في سلته فإذا بها تقول له: لا تأذيني لا تأذيني.

– ما هذا الصوت؟ ملتفتا يمينا ويسارا فوقه وتحته فلم يجد أحدا، ارتعشت فرائسه وتحاشي النظر إليها.

ربااه!!! حاول الهروب الى الوراء فإذا به يقفز في الماء ولسان حاله يقول: بسم الله السمكة تتكلم، السمكة تتكلم!!

قالت: لا تخف، أرجوك، سنارتك تؤذيني.

ألتفت حوله فلم يجد أحد يعينه على مصيبته.. أستجمع قوته مرددا: ربما خيال! هذا غير معقول! لا تخف يا حكيم أخرج من الماء وارمي هذه السمكة الملعونة (هكذا كان يحدث نفسه).

أقترب منها شيئا فشيئا يخبط رجله في الأرض ليتأكد هي التي تتحدث ام لا؟ ذهب عنه الفزع قليلا، وفي قرارة نفسه يقول ربما هذا خيال آخفتك سمكه، ثم جلس على كرسيه وملابسه تقطر ماء، أشعل سيجارة واسترخى محركا راسه ويقول: أخفت من سمكه يا حكيم؟! اخفت من سمكه يا حكيم؟!

إذ بها تعاود الكره مرة اخرى: خلصني أرجوك!!

أنتابه الفزع من جديد وتغير لون وجهه، وتسارعت دقات قلبه حتى كاد أن ينخلع من بين ضلوعه، وهو ينظر حوله. قالت: لا تخف ارجوك أنا سمكة.

نظر مندهشا، وجحظت عيناه، وتقدم نحوها رويدا رويد قائلا بصوت خافت مرتعش: أأنت من تتكلمين؟

– نعم، نعم أطلب ما شئت لكن أخرج هذا الشيء من فمي.

بعد أن ذهب عنه الفزع قليلا قال حكيم: وما أدراني ربما تأذيني.

– أنا صغيره وأنت كبير. وماذا بوسعك ان تحققي لي من طلب.

– أي شيء تريده.

– أي شيء.

– أي شيء!!

– لا تتحركي.

وبدأ حكيم في تخليصها من الصنارة متسائلا باستغراب: أي نوع من الأسماك أنت؟

– لا، لا أنا جن سخطني ساحر؛ لأنني عصيت كلامه فجعلني على هذه الحالة، أربعون عاما من بحر إلى بحر، واليوم قد مات الساحر.

– أنا لا أصدق ما تقولين، ولكن سأجربك.. هل يمكن ان أطلب شيء؟

– نعم لك الحق في طلبين فقط.

– أريد سيارة (همر) زرقاء أنظر أمامك ها هيا.

التفت حكيم مذهولا وغير مصدق بالفعل السيارة أمامه، فرقص من الفرح وقبل السمكة وهو يقول: شكر أيها العفريت المبدع، ووضع امتعته في السيارة، وأدخل السمكة في السلة ورفعها على كرسي وانطلق عائدا الى البيت. وفي الطريق استوقفته بوابة الثوار فقال أحدهم من أين لك هذه السيارة؟

– هي سيارتي.

– أين أوراقها؟

بهت حكيم أشاروا إليه بالنزول من السيارة وقال أحدهم: خذ أغراضك معك يا (زلم).

بحزن وقهر قال حكيم: هي سيارتي.

وجه أحدهم فوهة الكلاشنكوف اليه وقال: السيارة أو رأسك.

تمتم حكيم بين نفسه: رأسي أهم ومعي العفريت سأطلب منه الكثير والكثير.

رد عليه الجن: لك عندي طلب واحد فقط.

بدا حكيم في التفكير.. هل اطلب ملايين الدينارات، أم قصور وخدم وحشم، أو معرض سيارات، وفي قرارة نفسه يقول: إن طلبت كل هذا سيأخذه الثوار أيض! قال: أفضل شي أطلب الأمن والأمان فباستطاعتي أن أحقق كل ذلك إذ توفر الامن. فقال للجن: أريد الأمن والأمان.

رد الجن قائلا: انتقض العهد الذي بيني وبينك، أنا ما اتيت للدنيا إلا للدمار.

حكايات حكيم 2013

مقالات ذات علاقة

الحذاء (الشْلاكة)*      

المشرف العام

الشيء.. الذي حدث

فتحي نصيب

ﻫﻨﺎﻭﺓ

منى بن هيبة

اترك تعليق