دراسات

الأغنية الشعبية الليبية ودورها في إثراء الهوية الثقافية الليبية

من أعمال التشكيلي علي عمر ارميص

يعتبر الغناء أحد الوسائل التي يتم بها التعبير عن المشاعر والأحاسيس داخل الإنسان وهو أحد أدوات التعبير الفعلي التلقائي في حياة الإنسان، والذي ينطلق في بث أفكاره وأحاسيسه خارجيًا، والغناء هو لصيق بالشعر واللحن وهما كذلك تعبير عما في داخل الإنسان من أحاسيس ومشاعر وما تمثله من انعكاسات يترجمها الشعر في كلمات ويترجمها اللحن في نغمات وإيقاعات موسيقية والمجتمعات الإنسانية تختلف في التعبير عن مشاعرها وأحاسيسها كل يعبر بطريقته وفق ما أتيح له من ملكة إبداعية وما في قاموسه من كملات تترجمها لغته ولهجته حسب بيئته وهو بهذا يشكل أحد مقومات هويته الإجتماعية التي تحوي هويته الثقافية، في ليبيا ووفق تركيبتها السكانية وموقعها الجغرافي كان هناك غناء برزت منه أغاني شعبية كل تركيبة عبرت بلغتها ولهجتها وفق ما تفيض به أحاسيسها ومشاعرها ومن خلال النظر إلى التركيبة السكانية لليبيا نجد هناك تنوع في هذه التركيبة ساهم في تنوع الأغنية الشعبية الليبية حيث كانت هناك الأغنية التباوية والأغنية التارقية والأغنية الأمازيغية وكانت هناك الأغنية البرقاوية والأغنية الطرابلسية والفزانية وغيرها وهذا ساهم في التنوع الثقافي الليبي وكان مجمل هذه الأغاني من أحد مقومات الهوية الثقافية الليبية التي تحويها الهوية الإجتماعية الليبية عامة، وعبر هذه الدراسة نحاول توضيح الكم الهائل في تنوع الأغنية الليبية والذي جعل من الصعب تحديد وتعريف الأغنية الليبية بالشكل الصحيح.

الهوية الثقافية – المفهوم والمقومات

تعد الهوية العلامة التي تميز إنسان عن آخر أو شخص عن غيره أو شعب وأمة عن غيرها أو دولة عن أخرى وهي بذلك نوعية وفردية وإجتماعية وسياسية، وكل هوية من هذه الأنواع للهوية يتشكل من عناصر ومقومات تمييزية فالهوية النوعية فيها يتميز الإنسان عن غيره من الكائنات سواء كان في السلوك أو الصفات الشكلية وفي الهوية الفردية يتميز الشهص عن غيره في الصفات الشكلية والسلوكية التي تميزه عن غيره من الأفراد، أما الهوية الإجتماعية فيها يتميز شعب أو أمة عن غيرها بالكثير من المقومات والعناصر كالتراث المشترك والعادات والتقاليد واللغة والتاريخ المشترك والفنون والآداب الشعبية، أما الهوية السياسية هي هوية الدولة الوطنية والتي في عادة مقوماتها الدستور والنشيد الوطني وشعار الدولة وعملتها الوطنية وزي فرفها الوطنية وعلمها ولغتها الرسمية وغيرها من الأشياء التي تميزها عن غيرها من الدول، إذن الهوية هي المكونات التي يتصف بها الإنسان وتميزه عن غيره وما صار مكون له جزءًا منه كالملبس والمأكل والدين واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد والفنون وحتى العلم الوطني للدولة، ونستطيع القول بأن الهوية هي الملامح الظاهرة التي تميز شيء عن آخر هذا بالنسبة لتحديد مفهوم الهوية في أبسط صوره، ولكن بالتدقيق في تكوين الهوية نجد أنها أكبر من ذلك فهي تتفرع إلى فرعين يكونان الهوية وهما فرع مادي من صنع الشيء كالمبادئ والمنسوجات والآلات الموسيقية وغيرع وفرع معنوي يمثله سلوك ومعاملة الشيء كالعادات والتقاليد وغيره، وقد تتعدد الهويات خاصة الإجتماعية في الدولة الواحدة إلا ان هناك هوية أكبر تجمع تلك الهويات تحت مظلة الدولة.

نبذة عن الأغنية الليبية

الأغنية الليبية هي التي تأتي بكلمات وألفاظ وألحان شعبية ليبية وهي تتنوع في الكلمات والألحان والألفاظ كتنوع اللهجات واللغات المحلية، حقيقة الأغنية الليبية شبكة معقدة من الأغنيات المختلفة في الألفاظ واللهجات واللغات ويصعب فهم بعضها من بعض الليبيين، والأغنية الليبية تنوعت بتنوع مكوناتها وكل مكون قدمها حسب رؤيته وهويته الداخلية وجاءت كلماتها ونغماتها من البيئة فكان للبحر دور في صبغ طبعته عليها وكذلك كانت الصحراء والجبل والسهل والوادي، نجد أغاني البيئة البحرية تغازل البحر والنسمات التي تهب منه كالأغنية الشعبية البنغازية التي تقول (هبت ريح على جليانة) وأغنية( يا ريح هدي مركبي ميالة)، أما في البيئة الجبلية فهي تختلف نغمة وكلمات حيث نجدها تغازل الجبل وما عليه وهي عالية الإرتفاع فكلما أداها مؤدي تحتاج إلى أن يعلو في صوته ليطغى الصوت على الريح، أما أغاني البيئة الصحراوية تتميز عن أغاني البيئة البحرية والبيئة الجبلية من ناحية أن كلماتها ونغماتها تعبرعن الصحراء وما عليها وهي في الغالب تؤدى متواصلة تسير متسلسلة مثل تضاريس بيئتها وهي أقرب إلى الإفريقية، والأمر لا يتوقف عند هذا التصنيف بل إن أغنية اليئة البحرية والبيئة الجبلية قد تكون بطعم وإحساس عربي أو أمازيغي، أما أغنية البيئة الصحراوية قد تكون باحساس تباوي أو تارقي مع تنوعها في المدن الكبيرة، حقيقة الأغنية الليبية تتنوع بتنوع البيئة الليبية ومكوناتها المختلفة ومدنها وقراها منها ما يتماشى مع اللغة الرسمية للدولة الليبية ومنها ما يتماشى مع لجهات ولغات المكونات والمدن الليبية .

أنواع الأغنية الليبية

للأغنية الليبية أنواع متعددة منها الحضري ومنها البدوي ومنها الصحراوي ومنها الجبلي ومنها الساحلي إضافة إلى أن كل من هذه الأنواع تتفرع إلى شُعب وصنوف ومنها الطرابلسي ومنها المزروقي ومنها العربي ومنها التارقي ومنها التباوي ومنها الأمازيغي والأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل أنها تتشعب وتتفرع داخل المدن إلى الأحياء والمناطق وفق اللهجات والألفاظ والمصطلحات في الكلمات، فالأغنية البرقاوية مثلاً تتفرع إلى فروع كثيرة وهي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن حي إلى آخر سواء في النغم أو اللحن أو الأداء أو حتى اللهجة فالأغنية الشعبية البنغازية مثلاً تختلف عن الأغنية الشعبية الدرناوية، ومن خلال ما تقدم نجد إن التنوع الثقافي الليبي ساهم في تنوع الأغنية الشعبية الليبية وأظهر لنا تنوع في الأغنية من حيث اللحن والكلمات والأداء سواء كان بالصوت أو العزف وأيضًا في تنوع الآلات الموسيقية ونغماتها فعازف المقرونة البرقاوي نغمات عزفه ليست كنغمات عزف الطرابلسي كل عازف فيهما يختلف عن الآخر وكذلك المؤددي وحتى الكلمات وهذا أوجد تنوع ساهم في إثراء الثقافة الليبية كما ساهم في إثراء مقومات الهوية الإجتماعية الليبية.

أغاني المكونات الليبية

حقيقة في ليبيا تتعد المكونات التي تكون ليبيا المصاحبة بلغات مختلفة إضافة إلى تعدد اللهجات حتى داخل المدينة الواحدة، وهذا أبرز عديد الأغاني والألحان والكلمات بأحاسيس تلك المكونات، والحقيقة إن اللهجات في ليبيا تعبر عن كل ليبيا خاصة في المدن الكبيرة فهي يعرفها كل من في المدينة سواء كان عربي أو أمازيغي أو تارقي أو تباوي وغيره وحتى مكونات أخرى، عاشت وولدت في هذه المدن كالأقلية اليهودية التي عاشت في ليبيا حيث كان لها دور في بروز فن الأغنية الشعبية في بنغازي المعروف بالمرسكاوي، ومع إختلاف البيئة والطقس تتنوع الأغاني والكلمات والألحان والأداء والكل يعبر عن بيئته وما يشعر به في تلك البيئة فهناك بيئة تحتاج إلى غناء عال كالبيئة الجبلية وغيرها وهناك أغاني شعبية تفرضها البيئة كذلك مثل أغنية العلم أو غناوة العلم فهي تحتاج إلى صوت عال ليسمعها البعيد والقريب خاصة عندما يكون مضمونها في الغزل ليسمعها من يتغزل به وهي من الأغاني البرقاوية الخالصة، قد يتفنن في أدائها أشخاص من عدة مكونات شريطة أن يكونوا قد عاشوا في البيئة البرقاوية خاصة الجبلية، ولم يقف الحد عند الغناء أو الكلمات فالآلات الموسيقية هي الأخرى قد تكون متلائمة مع البيئة مثل الزمارة أو المقرونة التي تحتاج إلى بيئة مفتوحة كالبيئة الجبلية وفضاء فسيح لكي يعزف عليها الشخص بكل حرية ويرن صوت آلته في مساحة كبيرة.

وخلاصة القول نلاحظ بأن للبيئة دور في إبراز الأشعار والكلمات والألحان، فلحن الجنوب ليس مثل لحن الشمال وكلمات الأشعار في طرابلس ليست كما في بنغازي وكل منها بلهجته ووفق ما في بيئته من أشياء، وإن الأغنية الليبية تتنوع حسب المكونات التي تكّون ليبيا وتتفرع إلى أغاني مناطق حيث هناك أغنية ليبية بالنكهة التبواية وهناك أغنية ليبية بالنكهة التارقية وأغنية ليبية بالنكهة البرقاوية وأغنية ليبية أمازيغية وطرابلسية وفزانية وغدامسية ودرناوية وبنغازية وجفراوية وما نحو ذلك، كما نجد إن الأغنية الليبية قد تنوعت في ألحانها وكلماتها وأدائها وفي الآلات الموسيقية التي تؤدى على أنغامها وبهذا أثرت مقومات الهوية الثقافية الليبية وساهمت في التنوع الثقافي كما إن تعريف الأغنية الليبية يعد صعبًا فكل ما تم ذكره من دراسات سابقة لم نجد فيه توضيح للأغنية الليبية حيث اعتمدت على أغاني وألحان وموسيقى لبعض المكونات وبعض المناطق رغم الكم الهائل من الأغاني التي تشكل مجمل الأغنية الليبية، ونطالب من المؤسسات التي تعنى بالثقافة والفن خاصة مؤسسة الثقافة المتمثلة في وزارة الإعلام والثقافة أن توثق هذه الفنون وتجمعها في كتاب وتسجيلها محليًا وإقليميًا ودوليًا في المظمات ذات العلافة بالفنون والثقافة مثل اليونسكو والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة وذلك للحيلولة دون ضياع مثل هذه الفنون.

مقالات ذات علاقة

المراكز الثقافية في ليبيا… المسؤولية والإشكاليات والدور المنوط من أجل التنمية الثقافية المكانية المُستدامة

حسن أبوقباعة

ليبيا واسعة – 13 (تراس)

عبدالرحمن جماعة

مفردات سريانية في العاميّة الليبية (6/ 8)

عبدالمنعم المحجوب

اترك تعليق