دراسات

الأعياد الدينية في الأدب التباوي

امراجع السحاتي

قبائل التبو (الصورة: عن الشبكة)


دخل الإسلام مناطق التبو في القرن السابع الميلادي ووجدوا فيه ديناً يقارب كثيراً ما تدعو إليه حضارتهم وثقافتهم وآدابهم وعقليتهم حيث وجدوا فيه الكرم فهم ينظرون إلى الشخص الكامل والسوي أول ميزاته هي الكرم وان الصفات الأخرى كالشجاعة وغيرها تأتي بعد ذلك فالتحلي بالكرم شعلة الإنسان السوي نحو الشجاعة والكرم والأمانة وغيرها من صفات الفضيلة.

بعد أن اعتنق التبو الإسلام عدلوا من قانونهم العرفي أو دستورهم الغير مكتوب المسمى عندهم كوتوبو أو ادغا وصار التبو يؤرخون بالتاريخ الهجري القمري وأطلقوا على شهور السنة الهجرية أسماء مثل ” شاغم” وهو الشهر الأول من أشهر السنة الهجرية والشهر الثاني سيدي، والشهر الثالث النبي، والشهر الرابع مذرة الأول، والشهر الخامس مذرة اثنان، والشهر السادس مذرة ثلاثة، والشهر السابع رجب، والشهر الثامن سبان، والشهر التاسع ازو، والشهر العاشر سولى، الشهر الحادي عشر سولكي، الشهر الثاني عشر لأيا .

 يطلق التبو على شهر رمضان اسم (ازو) فبمجرد أن يقبل رجب تستعد النساء بتجهيز عدد من مستحضرات الأكلات المميزة من ضمنها أكلة العبرة حيث تذهب النسوة والأطفال إلى الأودية القريبة من قراهم لجلب ثمار الحنظل التي كانت تظهر على أطراف الأودية بكثرة ولشدة مرارتها كانت الحيوانات تتركها تنبت بكل حرية وهي نبتة زاحفة أوراقها تشبه أوراق الدلاع (البطيخ عربياً ) وثمارها كذلك لكنها صغيرة دائرية في حجم قبضة اليد مرة المذاق إلا أن المرأة التباوية بحنكتها وخبرتها وتراكمات ثقافتها استطاعت أن تكتشف منها أكلة صارت من أهم الأكلات الشعبية للتبو في الزمن الماضي، وليس غريب على المرأة التباوية ذلك فهي منجبة الأبطال الذين قضوا في السابق وكما تقول الحكاية على الطاغي نانا دي الذي لنا معه موضوع بعد هذا الموضوع. عموما تجلب المرأة التباوية الحنظل من أودية قريتهم وتشرع هي واخراوات من النساء في تجهيز محتويات العبرة التي من ضمنها ثمار الحنظل ويصبحن وكأنهن في مهرجان أو عرس. أكلة العبرة يتم تحضيرها من التمر والحنظل حيث يتم إحضار الحنظل وإزالة بذوره وردمها في الرماد وبعد ذلك يتم تنظيفها وطحنها وبعد ذلك توضع في قدر من الفخار به ماء فوق النار ويوضع معه التمر وطحين القصب لكي تجهز. كما تجهز النسوة التباويات أكلة دغي أو الفطاحة حيث يتم عجن دقيق ثم يصنع منه دوائر من العجين على شكل أقراص كبيرة وتوضع في حماس أو ” ذغرو” وهو قطعة من الحديد على شكل دائري ذات قطر عشرين سنتمتر تقريبا حيث يوضع ” ذغرو ” على النار ليتم تجهيز الفطيرة أو الدغي. ومن ضمن المواد الغذائية التي كانت تجهز لشهر رمضان الطحين الذي كانت النسوة التباويات يطحننه في رحى وهي من قطعتين مستطيلتين واحدة كبيرة يطلقون عليها (توقي) وآخر صغيرة يطلقون عليها (توجي) وهي تستخدم بطريقة الحك. حيث يطحنن الحبوب من ذرة وقصب وقمح وشعير وفي هذا تقول المرأة التباوية في الزمن الماضي شعراً عن مصادر جلب هذه الحبوب:-

“يوقا شير دوني برقا قوغو
يوقا تيني دوني تازر قوغو
يوقا نماهيي دوني مورشا قوغو “

أي

عندما زرع الشعير صارت مزرعته كأنها برقة
وعندما زرع النخيل صارت مزرعته كأنها الكفرة
وعندما زرع قصب صارت مزرعته كأنها مورشا

 كما تعد المرأة التباوية التمر حيث تجلب التمر من حقول النخيل القريبة وتنظفه وتجهز منه ليكون من ضمن وجبات رمضان.

لتبو برتوكول تنظيمي مبني على احترام الغير يحترم الكبير الصغير ويحترم الصغير الكبير خاص بالأكل حيث يقول مثل تباوي:-

“عند حضور المسنين لا تقل نأكل وعند حضور الشباب لا تقل نعمل”

من العادة احترام المسنين فعندما يتم جلب الطعام في مجمع به مسنين وشباب فان المسنين هم من يبدون بالآكل وإذا لم يتقدموا لطعام فان الشباب ينتظرون حتى يسمح لهم المسنين بالآكل احتراماً لهم، وفي حالة وجود عمل فان الشباب هم الذين يبدون به. حيث إذا قدم طعام وكان هناك كبار مسنين وشباب فان الذي يتطلب أن يقدم له الأكل هو الكبير، وإذا ظهر مشروع فيه عمل كبناء مبنى لعريس وكان هناك كبار وشباب صغار فان الشباب هم الذين يتقدمون للعمل.

والأكل عند التبو في الزمن الماضي له احترام وبرتوكول خاص حيث هناك فئات لا تأكل مع أخرى فلا يأكل الصغير مع الكبار مثلاً، وفي العادة كان هذه البرتوكول مستعمل في التقدم للإفطار في رمضان فبمجرد غروب الشمس وغيابها فان ذلك يعتبر إعلان للإفطار نهيك عن القريبين من الزوايا السنوسية الذين كانوا يسمعون الأذان من مؤذني الزوايا معلناً عن صلاة المغرب وانتهاء يوم من أيام رمضان. في رمضان يحلى السهر بين بعض الفئات من التبو خاصة بين الشباب حيث كان البعض منهم يتجمعون في مكان ويتحاورون، وبعضهم يلعبون من ألعابهم الشعبية التي كان بالإمكان لعبها في الليل مثل لعبة ( والي)هي من الألعاب التي كان يلعبها شباب التبو في العديد من المناسبات والاحتفالات وفي أوقات فراغهم في راحة من أي عمل. وهي شبيه بلعبة القيران التي يلعبها الشباب بمنطقة برقة، حيث يتم إحضار ست بعرات من بعر الإبل لكل خصم وهي تلعب بين اثنين أو أكثر. وبعد أن يجلس اللاعبون على الأرض ويتم إحضار أدوات اللعبة وهي البعرات، يتم الشروع في اللعب حيث يتم قذف البعرات الستة إلى أعلى اليد قليلاً ويقوم اللاعب محاولاً التقاطهن قبل أن تتساقط على الأرض، والتي تقف على ظهر يده يكتسبها وهكذا حتى يتحصل على قطعه الستة ثم يدخل على قطع الخصم وهكذا والخاسر يتم لذعه على يده بأصابع اليد. وكذلك هناك من يلعب لعبة (تركي) وتركي تعني بالتباوية الذئب. وتتم هذه اللعبة بإحضار مجموعة من بعر الإبل حيث يتم تشكيل مجموعة من اللاعبين بنفس عدد البعر وفي العادة أربعة أو خمسة لاعبين. ويثبت في أحد البعرات شوكة نخيل (سلة) ويقوم أحد اللاعبين بالإيعاز للباقية للنظر في اتجاه معاكس له بعدها يغرس شوكة النخيل في الرمل بحيث تظهر البعرة مع مجموعة البعر وكأنها بدون شوكة عندها يأمر الباقية بأخذ كل واحد منهم بعرة والذي يلتقط البعرة التي بها الشوكة يصبح هو الخاسر، ويصبح كأنه خسر شاة من ماعزه من قبل الذئب وتسجل عليه نقطة ثم تستمر اللعبة. وكان كبار السن يلعبون لعبة السيزة أو (ارمي) كما يطلق عليها التبو مساءاً وليلاً في رمضان على أضواء فتيل الزيت والمصابيح الكروسنية، وهذه اللعبة هي نوع من أنواع السيزة حيث يتم تخطيط ثلاثون مربعاً في الرمل على شكل ست أعمدة في خمسة صفوف، بعدها يتم إحضار أربعة وعشرون قطعة كل أثنى عشر قطعة مختلفة عن الأخرى لكل لاعب أثنى عشر قطعة، وعادة ما يتم استخدام بعر الإبل والحصى ونواة التمر، يقوم اللعب الأول بوضع قطعه في المربعات التي يختارها بحيث أن لا تكون له ثلاثة قطع متتالية في صف من صفوف اللعبة، ثم يضع اللاعب الثاني قطعه بنفس الطريقة ويتم اللعب من اللاعب الذي وضع قطعه أولاً، وعندما يضع اللاعب ثلاثة قطع من قطعه متتالية فأنه يربح من الخصم قطعة وهكذا، وهي من الألعاب المفضلة للعديد من التبو. كما كان الشباب يلعبون لعبة هوري في المساء قبل الإفطار بساعات وهي من احد الألعاب الشعبية التباوية التي كانت تمارس في الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية التباوية. ولعبة هوري هي قريبة جداً من احد الألعاب الشعبية للعديد من الليبيين الآخرين والتي كانوا يطلقون عليها لعبة الشاش أو الباصة التي كان يلبعها شباب الساحل لبرقة، وهوري هذه لعبة قديمة جداً ورثوها التبو منذ مئات السنين.عند مزاولتها يتم تشكيل فريقين ولاعبيها ليس محددين وكل فريق يعادل الفريق الآخر عدداً ويتم تخطيط الملعب ويعملون خطين أو حفرتين لكل فريق واحدة لكل فريق حيث يتم رمي الكرة التي كانت تصنع من القماش أو وبر الإبل إلى الأعلى ومن بعد ذلك يتم الشروع في اللعب. وتعتمد هذه اللعبة على القوة البدنية للاعب، ويتم فيها الدفاع والدفع للوصول إلى حفرة أو خط الفريق الخصم لكي يتم تسجيل نقطة. وعندما يتم وضع الكرة في الحفرة أو على الخط الخاصة بالفريق الآخر فان ذلك الفريق لا يتحصل على نقطة بل الذي يتحصل على النقطة الذي وضع الكرة على الخط أو الحفرة هو الذي يتحصل على النقطة وهكذا هي لعبة هوري. كما كان هناك من يتحاورون في أمور الدنيا وهناك من يقومون بالاستعداد لفرح احد أفراد قريتهم الذي سيتم بعد رمضان مباشرة، وكذلك تفعل النسوة إلى يأتي السحور حيث كان السحور في العادة يتمثل في حليب ابل أو ماعز مع حبات من التمر، كان بعضهم بمجرد إفطاره وإنهاء صلاة العشاء يأوي إلى فراشه استعداداً لعمل يبذل فيه جهد كبير كأن يقطع مسافة كبيرة من قريته إلى بئر لجلب ماء أو سقى بعض مواشيه من ماعز وابل. كان شهر رمضان عند التبو من الشهور المحببة لهم لما يمثله من قداسة عندهم فهم يحتفلون فيه بليلة القدر في الأواخر العشرة منه. بعد رمضان كانت القرى التباوية تستقبل شهر شوال الذي يطلق عليه التبو اسم (سولى) حيث يحتفل فيه التبو في الأول منه بعيد الفطر فبعد صلاة العيد تتم المعايدة بين الناس حيث يذهب الصغار للمعايدة على الكبار والعجزة حيث تذهب النسوة الصغيرات إلى النسوة الكبيرات للمعايدة عليهن. كان أبناء الأخوات يسرعون للمعايدة على أخوالهم، وكان الأخوال يفتخرون بهذه المعايدة فهم يعتزون بابناء الأخت اعتزاز كبير وفي هذا يقول مثل تباوي:-

“أنت تحلف تقول بان هذا ابن أختي ولكن لا تستطيع أن تقول بأنه ابنك”.

 بعد انتهاء أيام العيد التي قد تستغرق أسبوع أو أكثر وفي غالب الأحيان كان يتم فيها فرح شاب أو شابة من القرية تنطلق حياة التبو كما كانت قبل رمضان ويرحل من يرغب في الرحيل لجلب ما يحتاجه من المدن الكبيرة البعيدة عن قريته ويظهر الإدلاء لالتحاق بالقوافل للعمل كإدلاء لتلك القوافل، وينطلق من له ابل نحو إبله فحين تمكث النسوة والأطفال في القرية بجانب بيتهن المتمثلات في أكواخ من القصب والجريد، ويرجعن للعمل المنزلي الذي يمتد إلى الخارج لجلب الماء والحطب. وكانت النسوة تتقابل على موارد المياه وفي الوديان حين كانن يجمعن الحطب وروث الإبل لاستعماله كوقود للطهي وبعضهن كنن يرعن الماعز وفي تلك الأثناء كنن يتبادلن أطراف الحديث ويدور الحديث عن جميع أمور الحياة حتى عن قصص أجدادهن وجداتهن في الزمن الغابر خاصة إذا صادف أن كان هناك طفل مشغوف لمعرفة قصص الأولين خاصة حكاية نانا دي مع التبو وحكاية موشي وحكاية انقرى مع موشي. ولهذا استلهم مثل يقول:-

“عندما تنحني المرأة تجد ما تقول ” أي أن المرأة كثيرة الكلام وتستطيع أن تجد أي موضوع تحكي فيه.

 بعد انتهاء شهر شوال أو سولي يهل شهر ذو القعدة حينها يستعد التبو لعيد الأضحى بتوفير أضاحي العيد من ماعز وضان وابل، ويكون الحديث في القرى التباوية عن هذه الأعياد وعن أفضلها كما يسهر البعض سواء كان شباب مع شباب أو نسوة مع نسوة ويكون الحديث عن بعض الحجيج من قراهم الذين ذهبوا مع قوافل الحجيج خاصة الإدلاء للقوافل التي كانت تأتي من وسط وغرب إفريقيا قاصدة الأراضي الحجازية منذ شهور. لقد كان لعيد الأضحى طقوس خاصة عند التبو تختلف طقوس الاحتفال به عن بعض الثقافات الإسلامية الأخرى، فالتباوي عندما يذبح الأضحية فان تلك الأضحية يقسمها على أفراد آخرين من أقاربه حيث أن أب الزوجة يأخذ جزء كبير من لحم الهبر، والأخت الكبرى تأخذ القلب، وإذا لم تكن له أخت يتم منحه لأحد بنات عمه الكبار أو بنات أخواله إذا لم تكن له بنات عم، وصدر الضحية يتم منحه لأبن الأخت الأكبر وأحياناً يتم منحه للأفضل خاصة بعد أن يحضر أولاً حيث حينها يستطيع صاحب الأضحية أن يعلل سبب منحه وهذا له معنى لما يمثله الصدر فهو السد المنيع والقوة الثانية بعد قوة صاحب الضحية، فالتباوي له علاقة كبيرة بابن أخته حيث يعتبره الحليف والمناصر له في وقت الحوادث والحروب، وقد خلد ذلك في المثل التباوي الذي يقول:-

” أنت تحلف وتقول بان هذا ابن أختي، ولكن لا تستطيع أن تقول بأنه ابنك “.

 أما فخذ الأضحية فيتم منحه لام الزوجة، أما الكتف تصبح لصاحب الأضحية. وفي نفس الوقت يتم منح صاحب الأضحية أجزاء من أضاحي أقاربه وتتكون عنده أضحية جديدة كاملة. وهذا التقسيم له معنى بمكانة كل من تم التقسيم عليه وما أخذه فهو يكون في نفس المكان. وبعد انتهاء فترة عيد الأضحى يصبح الأطفال في انتظار قدوم القوافل الحجيج التي كانت تمر بالقرب من قراهم ويصرون على هذا الحال أيام وشهور وهم في انتظار قوافل الحجيج التي قد يكون من ضمنها بعض من حجاج قريتهم. في أوقات الحر الشديد كان الأطفال يرون بعر الإبل من بعيد كأنها جمال قادمة نحوهم فيهرعون إليها إلا أنهم يجدون بعر إبل وبان ذلك كان نتيجة السراب، ولهذا فقد أطلق شباب وأطفال التبو على أحد المناطق اسم موزي أي السراب وهي الآن تسمى ربيانة في المنتصف الجنوب الشرقي لليبيا.

 هذه لمحة بسيطة عن جزء من الأدب التباوي أحد المكونات الأدبية الليبية التي تمثل الأدب والثقافة الليبية والذي يتطلب من الباحث والكتاب الاهتمام به لأنه غني بالمعلومات الأدبية التي لا مثيل لها في عالم الأدب.


نشر بمجلة الفصول الأربعة – العدد: 121 – السنة 31 – أبريــل – ربـيـــع 2019

مقالات ذات علاقة

إِهَــــابُ العَــــولَمَةِ المُـمَزَّقِ!.. تَـأَمـُّـلاَتٌ وَرُؤَى فِيمَا وَرَاءَ العَــوْلَـمَةِ الثَّـقَافِيَّةِ

خالد السحاتي

[..التحصن بالذات..]

رامز النويصري

مفهوم الموت في النص الشعري الليبي المعاصر

سالم أبوظهير

اترك تعليق