قصة

الأظـافر المكسورة

(1)

بدأت الصالة تزدحم بالمسافرين، الكل يستنفد لحظات انتظاره في الوداع، حتى آخر قطرة من الزمن،وحدي أنا،هاربة منه،الوداع، لا حزنا،بل مقتا له، من يكون حتى أغتال وقتي في وداعه، وهو اغتال داخلي كل شيء جميل… انتهت المساحة على الورقة الصغيرة، الحقيقة أكتب كلماتي على بطاقة من تلك التي تعطى للمسافرين أثناء دخولهم إلى المطار،نماذج، وأنا أخذت أجمع منها المرمي وأكومه على الطاولة في صالة الترانزيت من الخلف بيضاء،لا بأس تتسع لنثر همومي،لكنها أرق من أن تحملها؟!

(2)

– هل مازالت دماؤه تجري في عروقي ؟ تغذي قلبي؟! وتدخل إلى دماغي فتنهل منها ذاكرتي ماءها، مخيف ؟! سأبدلها! أجل سأغير دمي، أطلب تبرعا بالدماء، وأشتهي أن تكون نظيفة صافية لا تلوثها الأخطاء، مثل دم الأطفال ! إنها فكرة رائعة هل أجد متبرعا ؟

حسمت أمري،واتخذت قراري، وجسدي يرتدي الكرسي في صالة الانتظار،ويدي اليسرى عالقة بأذن الفنجان الخامس ثم ترتاح لتعلق بإهاب السيجارة العاشرة، تمتص شفتي، واليمنى تسود الصفحات البيضاء الصغيرة، كما هو وجود بعض البشر يجعل حياة من حولهم باهتة دون لون..!

صوت المعلن – في المطار – لم يتعب وهو يعلن عن تأخير الطائرة لأسباب طارئة!

وأنا – هل جئت هذه الدنيا بسبب نزوة طارئة ؟اللعنة !هل كنت من صلبه؟ من صلب ذاك الرجل ؟ أم أتيت في غفلة من زمنه وهو لا يدري،ثم أدرك بحدسه ؟؟

واسمه، أجل اسمه مدرج يزيل أسمى ! افتح جواز سفري لأتأكد،يا للخيبة حتى هو سأقدم طلبا للجهات المختصة أغير اسمي أليس هو من اختاره..وبالطبع اسمه أيضا سيمحى من كل أوراقي، ومن ذاكرتي.

(3)

ماذا لو أنه كان مختبئا في حقيبتي، مسافر فيها؟! عندما أصل وأكون مسرورة بالهروب منه يفاجئني موظف التفتيش يقول:

– افتحي الحقيبة ! ويصرخ،من أين جئت بهذا المسخ ؟ مسخ نعم هو كذلك،

يا إلهي، تهزني المبالغة في التصور، لا مستحيل خلفته ورائي،متأكدة اللعنة، قطف الأحلام الحلوة من عمري وزرع بدلاً عنها كوابيسه، تطاردني في كل زاوية ؟؟

(4)

آب اللهاب..!!

انه السبب..؟ الشهور الحارة في الصحراء تغلي الدم في العروق وتغلي معها الشهوة! ومتعب هو ؟ وأمي هجرته ! وما ذنبي أنا ؟ إنها أمي الحقيقية التي حبلت بي وهنا على وهن … حينما أصل،سأرمي بكل أثقالي وهمومي وثورتي في وجهها، هذه المرأة التي اختارت رجلا” ليس أبي، وستقول لي بسكينة وضعف وما ذنبي أنا ؟!

أجل، لا ذنب لها سأرمي بنزقي من نافذة الطائرة، ليتناثر في هواء المدينة، سيلوثها بقذارته.!

– هل تريدين مزيدا من القهوة ؟

– نعم، من فضلك هل لديك قهوة للنسيان ؟

يبتعد النادل وهو يهز رأسه ضاحكا! يظن أنني أمازحه! لا يدرك مدى سعادتي، بأنني حينما أصل، سأتمدد في فراشي أفرد جسدي دون وجل أو خوف، هذا النادل لا يتصور كيف قضيت الليالي الماضية، متكومة داخل جسدي مثنية على وجعي، منكمشة في فراغ الغرفة الضيقة في إحدى زواياها، مختبئة عن عينيه ؟ لكنني كنت ارتعش وأنا أسمع صوت أنفاسه في الغرفة.

يطفئ النور في الصالة، ويتقدم، اسمع دعساته على الأرض تدب، تدب، دب، دب، دب، يرفع الغطاء الثقيل عني –ونحن في عز الصيف ويسألني ببراءة:

– هل تشعرين بالبرد ؟

– ابتعد عني،أرجوك؟ أصرخ، آي، يخرسني. تمتد يده القوية تلجم صرختي الثانية وتبقى عيناي تحدقان به للوهلة، أخجل؟! نعم أغمض عينيّ، ثم …،

هو لا يعنيه الأمر..لا يهتم،حينما يتضرج وجهه وتلهث أنفاسه قريبا من وجهي واسمع نبض قلبه.تك بم..تك بم..تك بم..لا،انه قلبي..أنا خائفـــــــة ماذا يحدث..؟

(5)

هكذا صرخت في المرة الأولى ؟ ماذا يحدث ……….أتذكر جيدا:

– ماذا يحدث؟ ما …با …،أمسكت بزجاجة المياه الباردة ورميتها على البلاط، تناثرت قطع الزجاج حولنا،لم يهتم، تقدم بشراسة أكبر، طرحني على الفراش من جديد، وارتفع ثوبي، كان يكابد داخله وحشا نهما! يهوى افتراس اللحم البشري؟ كان شبقا لأنثى! أي أنثى!

لا يهم إن كانت دماؤنا واحدة! وانه أبى؟ الذي افترش قبل نصف ساعة سجادة الصلاة !ورتل آيات الذكر الحكيم! ؟

لكنني لم أرحمه،.غرزت أظافري الطويلة والحادة في لحمه، وسال دمه! وأنا أيضا، نسيت انه أبي، الحاجز انكسر؟؟ هذه العبارة قالتها صديقتي!

(6)

أنا لم أعترف لها، جرجرتني، رأتني متعبة ومنهارة، أمضيت ليلة كاملة دون نوم! لا أعرف مع من أتحدث، هنا في هذا البلد ليس لي أقرباء لدي صديقة، وهي أخذت تستجوبني:

– أنت، لست التي أعرفها! في عينيك ألمح فزعا، وأنت تداريه عني، مم تخافين ؟

– أخاف! أخاف، من أن أتأخر، أريد أن أسافر إلى أمي و إخوتي !

– لا بأس، لو أمضيت أياما أخرى معنا سوف نفتقدك ؟

لكن، دموعي سبقتني، وهذه المرأة لديها قدرة فائقة على التخمينّ ! إنها تستشعر الحدث! أم لربما، ما حدث معي مازالت صوره ترتسم على أحداقي، يا إلهي؟ هل ستعرف أمي؟ لا، حرام، صرخت آه..

– ما لك يا حبيبتي ؟ يبدو أن وجع يسكنك، يكاد يقسمك إلى نصفين؟

– نعم، في الحقيقة أنا نصفان، النصف الأعلى يعذبني بالتفكير في ما جرى، والنصف الآخر لا أريده، كرهت نفسي، لماذا خلقت أنثى ؟

–    الأنثى جميلة، أنت فتاة رائعة، حلوة، ظروفك صعبة، أعرف أن والدك يبدو غريبا أحيانا، وشرس الطباع، وفي مرات أرى في نظرة عينيه، كيف أصفها ؟ نظرة، أم نظرات رجل لأنثى و ليس لابنة؟!

أطرقت، خجلت، الصمت أبلغ، وربما أجعلها تائهة عن حقيقة الأمر، لكنها تصر على انتزاع الحقيقة، وأصر على التمويه، إلى متى؟ أنا منهارة !

(7)

اعترفت …!

في البداية، تقبلت الأمر، وعانقتني، احتضنت حزني وألمي كدت انتفض حين لامستني أصبحت أخشى العواطف! إنها تخيفني! حتى النبيلة منها، وهل هناك أنبل من عاطفة الأبوة؟

أراها تتحول إلى شيء آخر غريب، هل صديقتي هذه المرأة ستتحول عواطفها نحوي إلى شيء آخر أيضا؟ لكنها بعد قليل لم تتمالك نفسها جلست تبكي، لم تحتمل ما استعطت احتماله!

في اليوم الثاني لاعترافي لها، أخذت تنتظر مكالمتي بالهاتف، وحين سمعت صوتي، تنهدت بارتياح قالت:

– لم يعد يعنيني إلا أن اسمع صوتك وأنك بخير، هل كنت قوية ليلة البارحة ؟

– كنت ضعيفة وقوية في آن.

– أفهم، قصتك، مثل ضربة على الرأس، إذا لم تطح به، آلمته وطار صوابه..؟!

(8)

صرت أحب الخروج من البيت،أريد أن أمضي الوقت بعيدا عنه، وعن مكان يضمنا، أخافه أخاف الوحش النائم داخله. لا أعرف متى يستيقظ؟ ويثور..؟؟

– هل أعاد الكرة؟ كيف،كم مرة حاول ذلك..؟

– لا، أقصد ثلاث مرات ؟!

– ابقي معي حتى يحين موعد سفرك …؟

– لن يقبل !

– كيف أطمئن عليك؟

– لا تخافي، أصبحت أقوى، ثم انظري أمتلك أظافر طويلة وحادة، لها فائدة ؟؟

(9)

– القهوة..؟

– شكرا، كم الحساب؟ ينظر إلي بعينين ذابلتين ويبتسم، ماله هذا الآخر يريد مغازلتي؟

وقح، هل يتشابه الرجال؟ أكره نذالتهم ؟!

الطائرة متأخرة، لا يهم لكنني غادرت وانتهى الآمر، سيبقى في غربته يقتات الندم ولعناتي حتى آخر يوم في حياته، وأنا حينما أصل، وأحط بسلام سأخلع ذاكرتي! وربما تركتها في هذه المدينة التي تبعد عنا أميالا !

لربما، يموت ذاك الوحش داخله، ليلة البارحة اعتذر مني! هكذا ببساطة، ركع أمامي، الأب يركع ؟

– سامحيني، فقط أسمعها منك؟ من لسانك، ليس من قلبك! لا تسألي كيف فعلت هذا شأن من الصعب تقديره لك الآن ؟

– كلا، لن تسمعها، الله لن يسامحك! كيف أفعل أنا ؟

معتوه، كيف لا أفهم؟ ما حدث بيننا، خمسة وعشرون عاما ومتعلمة ولا أفهم، فظيع جدا! لكنه يعرف أنني لن أبوح لأحد، صديقتي محقة، قالت لي:

– جبان، كان يعلم أنك أقوى من أن تنهاري، وأضعف من أن تفشي سره!

(10)

استرق النظر للركاب المسافرين وهم في الصالة، يتململ البعض من الانتظار،وهناك من استغرق في ثرثرة يقطع بها الوقت خير من أن يقطعه الحزن على أحباء تركهم وراءه، وآخرون نائمون على الكراسي لا تشغلهم لهفة إلى لقاء ولا يقلقهم وداع! فجأة،ينتابني هاجس، ماذا لو أنهم قرروا إلغاء الرحلة ؟ وأخبرونا بضرورة العودة إلى المدينة.. حتى يحين موعد الرحلة الثانية …؟؟

هل أعود ؟ وارتمي في أحضان الرعب من جديد؟ الرحلة الثانية بعد يومين إذا لو حدث ! لن أعود سأمشط الطرقات والأزقة ليلا” نهارا، ومم أخاف ؟ من الكلاب الضالة لن تفترسني بأشد مما فعل بي هو في بيتنا، بيتي، بيته الذي رميت مفتاحه ؟

ما أجمل الزحام والناس! هنا أشعر بالأمان، سأطلب من إدارة المطار السماح لي بافتراش هذا البلاط البارد، لن يكون أبرد من صقيع فراشي في الغرفة الضيقة، في بيته؟

(11)

لو أن عقارب الساعة تتدحرج بسرعة قصوى تتخطى عقاربها؟ ساعة، ساعتين؟ لو أن الزمن ينكص على عقبيه؟ هذه المرة فقط، من أجلي، لأمسح عنه ملح الأيام الماضية وأضع بدلا منها نقطا وفواصل، هكذا، فواصل، فواصل، وأنسى! أنسى تماما ما حدث.

– تفضلي، كوب ماء مثلج؟.

– شكرا”، احتاجه الماء نقي، لو أغطس في هذه الكأس، أغسل وجعي؟ وصدأ الزمن الذي تكلس على جدران عمري، أصبح الكلس أقسى من الرخام، لن ينكسر، لن يذوب، صديقتي قالت بالأمس:

– افتحي صفحة جديدة

– صعب، هذا الوجع عالق بثنايا الروح، عالق على جدران ذاكرتي متكلس.هل تفهمين؟

– إذا إطلي جدرانها بألوان الحياة الزاهية، اضحكي عليها! إذا لم نستطع مسح الزمن المر من قلوبنا، نطليه، نزوقه، نجمله ؟

(12)

– تعلن الخطوط الجوية عن قيام رحلتها المتوجهة إلى.. على المغادرين التوجه عبر البوابة الأخيرة..أحمل فرحي واركض،الجميع يمشي بتكاسل وملل تعبوا من الانتظار..كلهم يتجهون نحو البوابة وأنا وحدي اركض نحو الحمام، أين المياه ؟ المغاسل؟ المرآة تصفعني بوجه مرهق وعينين مخضبتين بالدموع أضع رأسي تحت صنبور المياه الباردة.أنفض شعري، هكذا أطفئ الحريق! اعتدت فعل ذلك قبل أيام، كل مساء حينما يشتعل لهيبه ويستعر،

يطفئه بجسدي، وأطفئ حريقي بالماء البارد! هذه آخر مرة!

كنت أجري في الصالة، اعبر الممر، أدخل البوابة وشعري يقطر، الركاب يجمعون البطاقات المتساقطة باستغراب! دعوها، لا أريدها إنها عمري الممسوح من الذاكرة، لتسقط،اركلها أركل الهواء الذي تلوث بأنفاسه، أصل باب الطائرة، وأفرد يداي أمام وجهي أتملهما، أصابعي العشرة النحيلة الطرية كورق الخس، أظافري.أظافري مقصوصة! مكسورة، لم يعد لها لزوم بعد الآن؟!

3-12-2000

مقالات ذات علاقة

المرابط

إبراهيم دنقو

ليبوفوبيا ( الخوف من الليبيين)

محمد النعاس

دُرُوسٌ

خالد السحاتي

اترك تعليق