من أعمال الفنان محمد الشريف.
قصة

الأطرش

يقف الأستاذ محمد عند مدخل المدرسة منتفخ الصدر وقفة ديكٍ مترقبٍ للفجر … يمسكُ بعصاه التي احمرّت عليها أيدي أجيالٍ و أجيال ، بطنه المكوّرة تتقدمه بضعُ إنشات في الهواء ، شاربه الأسود يخفي شفته العُليا و وجهه الممتلئ يوحي بحياة سعيدة و إن كانت تحمل في خباياها المشقة و التعب ، رأسه النصف أصلع يلمعُ بعيداً بحيث يمكنك تمييزه و أنتَ على بعدِ عشرات الأمتار ، بذلته عبارة عن قميص مكويٌ على عجل يختبئ جزءه السفلي داخل سروال أسود يقضمه حزام شديد الوثاق كيْ لا يحاول الهروب ، حليق اللحية إلا من قليل يوحي بحياة فوضاوية ترتكز على الشايْ و انجذاب اعتيادي نحو الكارطة ، يقولون أنّ الأستاذ محمد هو مدرس لغة عربية … ينفي البعض بأنّه مدرس رياضيات لكنه كان فاشلاً جداً … يكتفي بعضُ الطلبة فيما منهم بمناداته بالشيخ محمد . يتكئ بعجيزته على البوابة الحديدية الخضراء و التي تبدو و كأنّها قد خرجت من فم حوت يراقب الشياطين الصغيرة الداخلة كسرب من البط بعضها يقتصد في مشيه ، بعضها يسرع ، بعضها يدخل بحركات بهلوانية … و بعضها راقصاً ، و لكن ما إن يستبد شبح الأستاذ أمامهم حتى يغرس الجميع ناظريه إلى الأسفل .

قُبيل رنين الجرس المهترئ و الذي نهشه الزمن حتى ما تبقى منه شيء سوى الصوت الصدِئ يستند الأستاذ على نفسه ، يقبض و بقوة على عصاه و يبدأ طقوسه الخاصة في استعجال التلاميذ ، يبرم شاربيه … يستلقط ما يحتاجه من حبيبات الهواء في رئتيه ، و يؤذن للطابور الصباحي .. ” هرول أنت وياه ” ” هرول ! ” ، و بأوامر عسكرية تُنبي بسنين قضاها في الخدمة العسكرية يحول لحنه إلى ” فيسع يا خرقة ” ” أشحط روحك يا حمار ” ، يرتعد الأطفال الشبه متأخرين مطلقين أرجلهم للريح أو للطريق الترابية الملغمة بالأحجار و أيديهم على شُنطهم مخافة من سقوطها . يتسمر الأستاذ قليلاً . ينتفخ صدره . تمتلئ وجنتيه بالهواء . يصدحُ ” هرول ! ” بقوة . يبتسم بسمة خفية تنعكس غضباً على وجهه . يرن الجرس ، يصمت . يدخل إلى المدرسة مجرجراً عصاه معه متجهاً نحو الطابور ، عندما يستقر في مكانه المعتاد بالقرب من الصاري . يلتفت خلفه و يتابع طقوس استعجال التلاميذ ” أخر خمسة نفار يسخنوا يديهم ” ” أخر عشرة ” ” اللي بعد اللي لابس السورية الحمرا كلهم يوقفوا .. هاني جايكم ” . كل الذكور في عينِ الأستاذ كأسنان المشط … إلا أنّه كان يعامل الفتيات معاملة أفضل أو أكثر رقة خوفاً من أن ينكسر شيء في داخلها … كان رغم صلابته يعلم أين يلين بمعاملته و أين يشتد .

في ذاكَ الصباح البارد يستجمعُ أحد الأطفال رباطة جأشه ، ينفخُ في يدهِ المتجمدة كقطعة الجليد ، ينهره الأستاذ بالإسراع في أن يمد يده عالياً في وضع أفقي كيْ لا تصيب مكان أخر من جسده ، يرتجف الفتى و تستعدُ عيناه لكيْ تفيض بالدمع … و الشرر يتطاير من أعين الأستاذ كالوحش الضاري ، ” رد بالك تخواها … الخوية باثنين ” يحذره الأستاذ من أن يفلت من الضربة ، يرفع يده عالياً يقبض على العصا بكامل قواه و يهيم بها على اليدِ الصغيرة التي ما تلبث أن تحمرّ كالرمانة و يكفهر وجه الفتى ليدخل إلى الطابور الصباحي و الألم لا ينفك يشاطره لحظاته الصباحية ، تتوالى الأيدِي على عصا الأستاذ كيوم الحساب … بعد أن ينهي المُحاسبة ، يصعدُ إلى جانب الصاري و يبدأ التمارين الصباحية بصياحه العالي الذي يمتد عشرات الأمتار بحيث يمكنه أن يوقظك من نومك إن كنت بمحيط المدرسة ، ” أمام … فوق … جنب .. تحت ” ” أسرع ” أعلى ” مد يديك فوق .. أشحط عروقك ” .. يطبق الأستاذ تمارين الصباح كمن له خبرة في تأديتها في معسكرات التدريب ، و كأنّ حالة شتم الطلاب و أهانتهم و الضربات القاسية ما هي إلا نتاج الخدمة العسكرية … ربما تكون انتقاما منه أو ربما تكون عادة تأصلت فيه من أيام المعسكرات ، يدخل الجندي إلى العسكرية رطباً غير منضبط خالياً من مبدأ الجريمة و العقاب أو اللانضباط و العقاب ليخرج منه دمثاً ، منضبطاً ، يرى كل الأمور على نحوٍ كامل لا يشوبها نقصان و إن حدث نقص ما يفور و يغضب كالثور .

بعد الانتهاء من الطابور الصباحي و الوقوف إجلالاً للنشيد الوطني ، يأتي بالفلقة و تسلمه إحدى المعلمات كراسة الغياب و يستمر في سردِ أسماء التلاميذ الغائبين ليخرج كل منهم مرعوباً يتخبطه شبحُ ما ، ثم يقوم بمناداة اثنين من جلاميد التلاميذ لكيْ يحضروا الفلقة … في هذه الحالة إن لم يكن لديك سبباً مقنعاً عن غيابك سيتوجب عليك أن تتألم حتى الحصة الثانية أو الثالثة و سيتوجب على غيرك من التلاميذ أن يستمعوا لصياحك الممزوج بالألم و كأنّك في سجنٍ مليء برائحة التعذيب و التحقيق و العقاب ، بعد أن ينتهي الأستاذ محمد الملقب بالأطرش و الذي كنتُ أعتقد بتفكيري الطفولي أنّه ليس إلا اسم ملاصق لعاهة في أذنيه بحيث لا يستطيع السمع جيداً و لكنه خيّب ظنّي عندما كان يميز وشوشات التلاميذ و لربما وقعت كلمة نابية تستحق العصا … كان مبدأ الأستاذ الأساسي هو ” العصا لمن عصى ” . و لهذا انتشرت أسطورته المرعبة بين التلاميذ حتى أنّه ظلّ على أجيال متتالية المحافظ على جلالة المدرسة و نظامها رغم المتاعب التي كانت تحدث من الفينة إلى الأخرى ، كان حازماً بحق . بعد أن يتخلص الأستاذ من متاعب الطابور الصباحي و ما يليه … يجلسُ على الكرسي الخشبي القديم و كوب من الشايْ الشديد السواد ينغرس في يدهِ التي منذ لحظات كانت تأكل الأيدِ أكلاً لماً … يتلطخ شارباه ببعض الشاي ، و ينشرح خاطره ، يبتسم ابتسامته البريئة و يستمر في حديث روتيني مرح مع غيره من المعلمين و المعلمات .

مقالات ذات علاقة

هكذا كسبتُ صديقاً تحت الرصاص

الكيلاني عون

موت مباغت

المشرف العام

الدرجيحة

عزة المقهور

اترك تعليق