المقالة

الأشرار لا يغنون

تلقيت دعوة كريمة من الصديق، د. فوزي الحداد، لمشاركتي في أمسية شعرية بمعرض القاهرة للكتاب، ووافقت بملاحظات تتعلق باحترام الضيوف الليبيين مثلهم مثل الضيوف الآخرين وطمأنني، مؤكداً أنه من أشرف على المشاركة الليبية في المعرض السابق وحظي جميع المشاركين من ليبيا بالتقدير اللائق.

وحكاية احترام المشاركين الليبيين في معرض القاهرة لاحظتها منذ مشاركتي الأولى في المعرض العام 2010 تقريبا، حيث شاهدت الكتاب والشعراء الليبيين يقطعون تذاكر الدخول ويدخلون ضمن صفوف طويلة مع الباب المخصص للجمهور، بينما الضيوف العرب يدخلون مع باب خاص وباستقبال محترم.

وحتى حين تجاوزت هذه الإهانة التي أعتبر أننا مشاركون فيها بشكل أو آخر، حدث أن اطلعت على الكتيب الذي ينشر جداول الأنشطة، وباعتبار أني كنت ضمن أمسية شعرية، يحييها شعراء مصريون وليبيون، وجدت الإعلان عنها بهذه الكيفية (الأمسية الثامنة، أمسية شعرية مصرية ليبية، محمد التهامي مع الشعراء عبد الرازق الغول، محمد يونس، يسري العزب. مع ثلاثة شعراء من ليبيا). وكتبت الجملة الأخيرة بخط صغير خجول. والمقصود بالشعراء الليبيين الذين لم تذكر أسماؤهم وكانوا “فوق البيعة” كما يقال: الشاعر عبد المولى البغدادي والشاعرة خديجة بسيكري، والشاعر سالم العوكلي. وانفعلت وأحدثت شوشرة في مكتب اللجنة المشرفة، أكملتها الكاتبة المصرية التي كانت مقيمة في درنة لسنوات، ماجدة سيدهم، بعراك كبير مع القائمين على النشاط. وأعلنت انسحابي من الأمسية والمعرض، وتمنيت أن يفعل ذلك الشعراء الآخرون المشاركون من ليبيا حتى لا تتكرر مثل هذه التصرفات. لكن وللأسف كان بعضهم منشغلا بالتقاط الصور مع ضيوف المعرض من نجوم الشعر العربي.

اتصل بي الأستاذ مصطفى السعدني من وزارة الثقافة لمحاولة شرح بعض المشاكل المتعلقة بلجان المعرض وغيرها من الذرائع وقدم اعتذاره مؤكدا أنه سيتصل بالقائمين على النشاط لتلافي هذا الالتباس، وحاولت إفهامه أن الموقف ليس شخصيا، لكنه يتعلق بأخطاء تتكرر عبر دورات المعرض، يتم فيها غالبا تهميش مشاركات المبدعين الليبيين الذين غالبا ما يكون حضورهم فقط كزبائن لشراء الكتب رغم أنهم مدعوون للمشاركة في فعاليات ثقافية.

اتصل بي بعدها السيد: سعيد الصاوي ـ الذي كان وقتها إن لم تخني الذاكرة رئيس لجنة النشاط الثقافي ـ ليشرح لي الالتباس، وقال السبب هو أن الفاكس الذي وصل من ليبيا لم تكن الأسماء واضحة به. وطبعا فاجأني هذا التبرير الغريب لأنه حينها كان التواصل يتم عن طريق النت، وفي جميع الأحوال إذا لم تصل الأسماء واضحة يمكن تبينها، أو يمكن إلغاء المشاركة احتراما لهذه الأسماء.

كنت فترتها رئيسا للجنة الإدارية لبيت درنة الثقافي وطلبت منه أن يسأل الشعراء محمد عفيفي مطر وإبراهيم داود كيف تمت معاملتهم حين استضفناهم، لأن الأخلاق تقول أن من دعوته يجب أن تعامله باحترام سواء كنت تعتبره شاعرا أو لا وسواء كانت دولته مهملة شأنه ولا يعنيها الأمر.

كان مبرر الصاوي ضعيفا ووصل الحديث بيننا إلى نوع من المشادة اللفظية خصوصا حين تطرقت للجانب الأخلاقي في مثل هذه المناسبات، وانتهى الأمر دون تدخل أي جهة رسمية ليبية مشاركة ودون حتى تدخل من أصدقائي المشاركين، مع ملاحظة أن الكثير من المثقفين والشعراء العرب يدعون إلى المعرض بأسمائهم فقط بعد أن قضوا في هذا الحقل أربعة أو خمسة عقود تجعلهم يستحقون الدعوة كمبدعين مستقلين بعيدا عن الوفود الرسمية، وهذا ما تقوم به عادة مهرجانات أوروبية شملت دعواتها الكثير من الشعراء الليبيين كأفراد.

معرض القاهرة يوجه أيضا مثل هذه الدعوات إلى بعض الأسماء العربية ويتكفل بمواصلاتهم وإقامتهم، وهذا ما لا يحدث مع الليبيين الذين أحس أنهم يأتون كجروبات سياحية، أو كضيوف اضطراريين يُختارون ويُمولون من قبل مؤسساتهم الرسمية، وبالتالي يقل احترامهم.

وصلتني رسالة أخرى من الزميل فوزي الحداد بشأن التنسيق مع هيأة الثقافة في طرابلس لإتمام إجراءات المجيء للمشاركة، فاعتذرت برسالة مفادها “صباح الخير أخي فوزي . طالما السفر سيكون عن طريق هيئة الثقافة بطرابلس فإني أعتذر وأنت عارف أخي فوزي أن الهيآت التي باركت مصادرة الكتب وهاجمت كتاب المبدعين الشباب لا يلائمني أن أكون ضمن وفدها. كل الشكر لك على ترشيحي واختياري وأكيد سنلتقي في فرصة أخرى أفضل”.

ورد علي برسالة يقول فيها: “أن الوفد موحد من كل ليبيا.. المشاركون من طبرق والبيضاء وبنغازي ومصراتة وطرابلس وبعلم الجميع والموضوع ثقافي بحت وليس سياسيا على الإطلاق”.

وحقيقة كان هذا نهج الحداد دائما، وكنت أحرص على متابعة مداخلاته الموضوعية في القنوات الفضائية، لأنه داعية أصيل للحوار وللمصالحة ولتوحيد البلاد ومؤسساتها، وأحترم فيه هذا الخطاب كثيرا. فبعثت له برسالة أوضح فيها حقيقة موقفي “وأنا أيضا موقفي ثقافي بحت ولا علاقة له بالسياسة، مثل موقفي السابق مما حدث في معرض القاهرة، ومثل موقفي من هيأة الإعلام والثقافة في بنغازي حين تواطأت في موضوع مصادرة الكتب في المرج . أرجو أن تفهمني أخي فوزي فأنت لك قيمة خاصة عندي، وأعرف خطابك الذي يتجاوز كل العصبيات في ليبيا وموضوعيتك المحببة. ورجائي أن تمنح شخصا آخر فرصة المشاركة، خصوصا من الأصوات الجديدة”.

لم يكن اعتذاري لأسباب تتعلق بهذه الصراعات المجانية في ليبيا، ولكن نتيجة سلوكيات هذه المؤسسات الثقافية الرسمية التي أثبتت أنها من ضمن أجندة سياسية وأيديولوجية تحارب الإبداع والمبدعين، ولعل بيانات مثل بيان الهيأة العامة للثقافة والإعلام التابعة للحكومة المؤقتة بشأن مصادرة وحرق كمية من الكتب في المرج، وبيان هيأة الثقافة بحكومة الوفاق التي يرأسها شخص لا علاقة له بالثقافة (شبه أمي من خلال ما ينشره من منشورات على صفحته) تجاه ما تعرض له كتاب المواهب الليبية “شمس على نوافذ مغلقة”، يؤكد ما ذهبت إليه في كون بعضها مسيسا ومؤدلجا، وبعضها ليس مُسيسا فقط ولكنه مُمليش (نسبة إلى ميبيشيا). إضافة إلى مواقفهم السلبية من مصادرة بعض الفضاءات الإبداعية والثقافية، ومن اعتقال بعض المغنين في حفلات عامة ومفتوحة، بفعل أجندات لا تمت لمجتمعنا بصلة، مجتمعنا الذي يحتاج لتأثيث مكانه بكل ما هو جميل في مواجهة قبح الإرهاب وضراوة القتل الممنهج، فحيث تقفل زوايا الجمال يترعرع الإرهاب ويكثر الأشرار، أو مثلما يقول المثل الغجري: اٍبْقَ حيث الغناء.. فالأشرار لا يغنون.

_______________________________________________-

* أعتذر من أخي د. فوزي الحداد على نشر هذه الرسائل التي وردت على الخاص، لكن ما شجعني كونها رسائل ذات شاغل ثقافي عام ولا شيء خاصا فيها.

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

التجريف الثقافي مؤذن بخراب العمران البشري

المشرف العام

التراثُ يذهبُ مع الريح!

فاطمة غندور

حول ثقافة المسؤولية

أمين مازن

اترك تعليق