طيوب المراجعات

الأدب النسائي الليبي بين رهن الذات والمجتمع المحافظ

كتاب الأدب النسائي الليبي


يستعرض الباحث بوشوشة بن جمعة في كتابه “الأدب النسائي الليبي: رهانات الكتابة ومعجم الكاتبات”، الطبعة الأولى_2007 ، التنوع الذي حدث في تجارب الكاتبات الليبيات وذلك بعد انقضاء نحو نصف قرن على ميلاده حيث يقول الدكتور بوشوشة بن جمعة : ” بداية تشكل معالمه الأولى من خلال تحسس كاتباته الرائدات، في الخمسينات من القرن الماضي عددا من أجناس الإبداع الأدبي المستحدثة كالخاطرة والمقال والقصة القصيرة ولاحقا الرواية مع مطلع السبعينات، والتقليدية كالشعر منذ الستينات”، ويضيف بن جمعة: ” إلا أن تاريخ هذا الأدب النسائي وما تميز به من جهود وحفل به من إسهامات وجدت في المجال الإعلامي صحفا ومجلات، فضاءها المتميز لطرح قضية المرأة الليبية واقعا وآفاقا بالأساس، وبعض القضايا القومية كالقضية الفلسطينية بشكل خاص والمسائل الحضارية كالتقدم والفلسفة والكيان والمصير. وهي الكتابات التي شكلت مقومات الحركة الأدبية النسائية الليبية”، موضحا أن هذا الأدب لم يحظى بالعناية اللازمة من قبل القراء والنقاد بل ظل على سيرورته التاريخية بسبب إمعان الأغلبية المثقفة في إنكار وجوده والانتقاص من قيمته بالتحامل على نصوصه وكاتباته في آن، بتأثير من المنظور الذكوري السائد والمهيمن على المجتمع الليبي حتى الفئات المثقفة منه، والذي يسعى إلى تكريس الإبداع الأدبي للرجل وتأكيد تفوقه ومن ثم تميزهابل تهميش إبداع المرأة، والعمل على تغييبه، وتجريده مما قد يتوفر عليه من سمات إيجابية تضفي القيمة على البعض من نصوصه وتجاربه إلى جانب اعتباره إبداع “قلة”، لم يدرك بعد مرتبة النضج.

الدكتور بوشوشة بن جمعة مهتم بالأدب النسائي المغاربي ومن جاءت فكرة الكتاب الذي قال في مقدمته:” ننصف بذلك حركة هذا الابداع الأدبي النسائي الليبي مما لحقها من غبن حكم عليها بأن تبقى في الهامش، ومن إجحاف التحامل عليها، والانتقاص مما قد تتوفر عليه من علامات دالة على قيمتها الفكرية والجمالية وعلى تميزها عن الابداع الأدبي السائد في شتى تشكلاته الأجناسية، وذلك لإيماننا بأن هذه الحركة الأدبية قد توصلت عبر مختلف مراحل مسيرتها التاريخية في النصف الثاني من القرن العشرين إلى أن تحقق منجزات نوعية، شكلت روافد إغناء وتنويع للأدب الليبي الحديث والمعاصر، وظاهرة أدبية تحمل العلامات الدالة على اختلافها ومن ثم خصوصيتها”.

يتناول الكتاب في فصله الأول: الكتابة النسائية الليبية بدايات التشكل والبحث عن الأفق ويقول بوشوشة بن جمعة عن ذلك:” تكتسب الكتابة لدى المرأة الليبية تميزها، منذ بدايات تشكلها في الاربعينات من القرن العشرين، بأنها فعل مشتق من الوجود، مضاد لتاريخ طويل من الاستعباد والاستلاب في مجتمع ليبي يحتكم إلى السلطة الذكورية، ويذكر بن جمعة بان هناك قضيتين جوهريتين أسهمتا على مدى تاريخ طويل في تحديد السمات المفيدة لكينونتها، وتوجيه مسار حياتها في الوجود وهما الحجاب الذي كان حائلا أمام تحررها والجهل الذي كان عائقا أمام تقدمها، في ظل مجتمع ليبي محافظ ومتزمت يرى في سفور المرأة كما في تعليمها سبيلا إلى انحرافها. وقد مثل افتتاح أول مدرسة للبنات بمدينة طرابلس في العقد الرابع من القرن العشرين أشرفت عليها سيدة شامية تدعى سميرة البستاني علامة تحول في تصدع الهياكل التقليدية للمجتمع الليبي الحديث وقد اقتصر هذا التعليم على مواد القراءة والكتابة لعدم توفر العدد الكافي من المعلمات وهذا بدورها دعا إلى إنشاء مدرسة لإعداد المعلمات.

وهكذا أكتسب عقد الاربعينات من القرن العشرين قيمته في السيرورة التاريخية للحركة الأدبية النسائية الليبية هذه القيمة فتحت الطريق امام المزيد من الحضور والانتشار فشهدت الخمسينات تنامي عدد الكاتبات الليبيات في مجالات الابداع كافة من المقال إلى القصة القصيرة والخاطرة ويعود ذلك كما يقول بن جمعة إلى تنامي عدد الفتيات الليبيات اللاتي انخرطن في المنظومة التعليمية بعد إنشاء وزارة المعارف الليبية عام 1951، معهدا ثانويا للبنات بمدينة طرابلس أسهم عدد من خريجاته كخديجة عبد القادر ومنوبية عكاشة وغيرهما في تنشيط الحركة الفكرية والأدبية النسائية الليبية، مما يكشف مجددا عن العلاقة العضوية بين تعليم المرأة وإسهامها الفكري والأدبي الذي يتخذ من الكتابة نشاطا ومن الصحافة فضاء.

ويتناول هذا الفصل أيضا اسهام بعض المثقفات المصريات والشاميات اللاتي وفدن إلى ليبيا في الخمسينات في نهضة المرأة الليبية ومن هذه الأسماء سعاد نجيب وكوثر نجم وجاءت بعد ذلك الأسماء الليبية التي عدت من الرواد كخديجة الجهمي رائدة المجال الإذاعي ومرضية النعاس ولطفية القبائلي وخديجة عبد القادر ومنوبية عكاشة وآسيا عبدالعال وفوزية بوريون وصبرية العويتي وزعيمة الباروني التي عدت أول قاصة ليبية.

سيرورة التحولات
ويرى الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب والذي عنونه بـــ” مسالك الأدب النسائي الليبي: أسئلة الإبداع وسيرورة التحولات”، إذا كانت الخمسينات من القرن العشرين مثلت المرحلة التأسيسية للأدب النسائي الليبي فإن الستينات تمثل مرحلة التحول في مسيرة هذا الأدب الذي بدأت نصوص كاتباته تمتلك قدرا من النضج وإن بشكل متفاوت.

ويذكر الكاتب إن “الخمسينات والستينات شهدت المرحلة التأسيسية للقصة القصيرة النسائية الليبية، أما السبعينات فتعد بداية مرحلة نضجها الفني، حيث أخذت القصة القصيرة تؤكد حضورها كجنس أدبي من خلال تزايد عدد الكاتبات المقبلات على ممارستها مما أسهم في تواتر نصوصها في الصحف والمجلات الليبية وصدور البعض من مجاميعها التي لم تخل من علامات دالة على بداية تحرر هذا الجنس الأدبي من الخاطرة الصحفية والمقال الاجتماعي إن بقيت أسئلة متنه الحكائي يدور أغلبها في فلك قضية المرأة”، ويضيف:” لو تحدثنا عن الرواية النسائية الليبية فتجريب هذا المسلك جاء متأخرا مقارنة بغيره من أجناس الابداع الأخرى وذلك لعدم تفرغ الكاتبة الليبية لممارسة الابداع الادبي عامة والروائي خاصة بسببالتزاماتها المهنية والعائلية، فيكون انتاجها في شتى تنويعاته نتاج هواية لا وليد احتراف وتفرغ، والسبب الأخر قصر نفس الكاتبة الليبية التي سرعان ما تتوقف عن الكتابة الروائية لتواصل الكتابة في فن أدبي أخر، وهذا ما يعلل عدم تبلور تجارب روائية نسائية ليبية تمتلك العلامات الدالة على خصوصيتها ممل يمثل عائقا أمام الناقد وذلك بسبب عدم تبلور تجارب كاتباته اللاتي لم يتجاوز أغلبهن الرواية الواحدة”.
 

مقالات ذات علاقة

جديد نجوى (زرايب العبيد)‎

سالم الكبتي

صدور العدد الأول من مجلة تاموسني الأمازيغية

المشرف العام

«شمس على نوافذ مغلقة». أنثولوجيا تمنع القطيعة بين الأجيال

سعاد سالم

اترك تعليق