من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
قصة

الآن حرة

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

كان صراخها عند البوابة الخارجية للمنزل مدويًا منتظمًا؛ حاولت أن أهزها بقوة لأستفهم لكنها لم تستجب لي!؛ آية كعادتها لا تعرف طريقًا اهدأ للتعبير عن وجعها؛ تجاوزتها وركضت مع الوافدين باتجاه المدخل ؛ أصوات الصراخ عالية متداخلة لا أكاد أميز أغلبها يأتيني من بينها “كالنداء!” أنين أمي متموجًا مجروحًا مرتبكًا كأنها تحاول ايقاظ آثر لنهاية مبكرة مرميةً أمامها!

دفنتُ جسمي بعنف وسط الجسوم المتزاحمة صرت أدفعها بقوة لكنهم لم ينزعجوا لا بل لم يلتفتوا لي؛ حتى عمتي شامخة التي يتراجع أمام خطوتها كبار الحي قبل صغاره، وعمتي ميزونة سليطة اللسان لم يلتفتن لقوة قبضتي على أكتافهن!!؛ لكن لم يكن يهمني شيء في تلك اللحظة إلا اختراق الجدار البشري الذي يفصلني عن النهاية المبكرة!

بدأت أقترب، وبدأ نواح أمي يتضح إنها تشكو من فقد ! لا ليس فقدًا عاديًا أحدهم انتزع جزءً من جسدها .. مهلاً أظنه جزءً من روحها؛ أنين أمي مازال بعيدًا لكني أخشى أن يكون أحدهم دخل البيت وحاول قتلها .. أنين مربك حقًا كأنها تريد أن تؤكد لنا بأنه قد قتلها بالفعل، ولم ينجو منها إلا .. أنينها!.

بصورة متقطعة بدا لي وجه أمي بعيدًا منكبًا على .. أقدام ناعمة إصبعيها الثانيين تنازليًا معكوفان قليلًا!! إني أعرف هذه الأقدام جيدًا!؛ “منى” ..إني أحفظ هذه الأقدام، ومنى لم تظهر أمامي إلى الآن إذا هي أقدامها !!؛ في نفس اللحظة التي شعرت بقطعة الثلج تستوطن رأسي استطعت أن أميزها رغم خديها الغارقين في الدم تلطم وجهها بمحاذاة أمي ؛ لطالما كانت منى لا تمانع في تقديم جمالها قربانًا للوجع!

لكن .. لمن هذه الأقدام التي .. أعرفها!؛ صرت أحشر وجهي من خلف كتف عمتي رايقة التي تردد بكائيتها في كل مآتم “يانا يا بوي وعازتك” تحتاج عمتي رايقة على الدوام لاستحضار ذكرى والدها حتى تستطيع مشاركة أهل الميت أحزانهم؛ بيد أن هذه الأقدام قطعًا ليست لوالد عمتي رايقة.

لم اعد أطيق هذا التجاهل المقصود صرخت وسط الزحام: “ابتعدوا عن طريقي هذا بيتنا، هذه أمي، تلك شقيقتي آية، هذه شقيقتي منى؛ من حقي أن أقترب، وأحدد لمن هذه الأقدام ذات الإصبعين المعكوفـ…”؛ قطع صراخي صوت خشن قادم من المدخل يطالب بإفساح الطريق لاستخراج الجثة ! تعالى النحيب، وشق آنين أمي طريقي بين الزحام بدأت أقترب شيئًا فشيئا .. هذه الأقدام أعرفها؛

هذا الــ ..”جينز !” شعرت به مرارًا !!؛

هذاالقميص ..الأبيض ..لي !! لقد ارتديته صباحًا قبل خروجي!!، وفي حركة لا إرادية مررت كفّي فوق جسدي .. إني عارية !! أخذت أرتعش، واستر عورتي، حتى انتبهت أنهم لا يرونني .. لم يعد أحد يراني.. !!

خرجت مسرعة؛ استوقفني استجداء آية لإسمي عند البوابة الخارجية، وهي لم تنتهي من تبديد الحُرقة التي تشتعل في جوفها لأنها لم تستطع اللحاق بساقاي المتدليتان في غرفتي، ورفعهما في الوقت المناسب؛ هكذا سمعتها تخبر النساء الملتفات حولها، وهُنّ يحاولن استرجاعها إلى المدخل، وستر عورتها فيما تمزق صدرية ثوبها، وأنا واقفة أمامهن عارية تمامًا لم يستفزهن ذلك !!؛ عرفت أنني صرت الآن حرة، وبإمكاني البداية من جديد دون أن أطلب المغفرة ممن لن يقبلها؛ استدرت؛ لفتت نظري طفلة تجلس فوق حافة الأصيص الحجري شعرها منكوش إلا من بعض الخصلات الملتفة بشريط أصفر يكاد يقع في حجرها، وهي منهمكة في تمزيق غلاف عود الحلوى؛ ترتدي شبشب كبير ينزلق من مقدمته أصابعها الصغيرة اللذيذة؛ اقتربت منها مذهولة في إصبعي قدميها الثانيين تنازليًا .. معكوفان قليلاً !!؛ رفعت رأسها، وابتسمت لي فقرفصت أمامها؛ وضعت كفي على شمال صدرها؛ ضغطت بقوة حتى اخترقت يدي الكوبي الصغير، وانسحبتُ كلي وراء يدي.

19/9/2017

مقالات ذات علاقة

الوقت ..

منيرة نصيب

حكمة ظالمة

غالية الذرعاني

قصص قصيرة جداً

محمد المسلاتي

اترك تعليق