النقد

الآمال المقموعة في بعض قصص حسين بن قرين درمشاكي في المجموعة القصصية (المرأة التي تزوجت الجني)

داود سلمان الشويلي- العراق

المجموعة القصصية المراة التي تزوجت الجني

لكل شخص آمال عريضة وواسعة في حياته، وله أن يبني حياته لكي يصل الى هدف يرسمه فتتحقق الغاية النهائية التي رسمها في آماله تلك، وهو ما يصل إليها.

من ضمن تلك الآمال، هي التي يبنيها في حياته الاجتماعية، كالزواج من فتاة بعينها، لافتاة أخرى. ومنها الوصول الى من يحب برغبة صادقة، أو ليست صادقة، وغيرها من الآمال المعقودة من حالة واحدة، أو أكثر من حالة، كأن تكون إجتماعية، أو وطنية، أو ثقافية.

تضم المجموعة القصصية (المرأة التي تزوجت الجني) الصادرة من دار فنون للطباعة والنشر/2019، (27) قصة قصيرة، وجاءت المجموعة في 157 صفحة، إذا اعتبرنا الأقسام الخمسة لقصة “مذكرات مسافر” قصة واحدة، وأغلب نصوصها القصصية تزخر بتلك الآمال التي يبنيها البطل. وقد اخترنا عشرة نصوص من تلك النصوص التي تزخر بالآمال التي تنقطع لسبب كان سنبينه أثناء الدراسة.

القاص درمشاكي يمتلك قدرة سردية، ومهارة إبداعية متمكنة في هذا الفن السردي، وقد اعتمد في نصوص قصص هذه المجموعة على البساطة الابداعية التي طرحت أفكارا أصبحت على هامش بعض كتاب القصة القصيرة، فأهملوها، حيث تحمل الهدف الاخلاقي/الديني الواضح.

سندرس في هذه السطور ماهية الآمال المقموعة عند أبطال عشر نصوص قصصيه في المجموعة، تلك الآمال التي يمكن أن تتحقق لولا أسباب خارجة عن إرادة أبطالها فجعلتها مقموعة عندهم.

***

1 – علاقة حب = مفهوم العاطفة:

في نص قصة “شيء مما في القلب” نرى إنه في علاقة الحب بين بطلي القصة يقف مفهوم “العاطفة”، وجديتها، حاجزا بين حبه لها وعدم رغبة الفتاة بذلك الحب. تقول له في نهاية النص: (( يقفز إلى ذاكرتي ما قالته لي ذات مساء، بأنني عاطفي جدًا، جدًا، ولست أفهم حتى الآن، ما معنى أن يكون الإنسان عاطفيًا جدًا جدًا؟!؛ لأن الحب عندي لا يوهب بالتقسيط، وعاطفي أنا؛ لأنني أحببتها، وأحبها، وسأبقى أحبها، بمداد الحب كله، ولن أدخر لغيرها جزءًا من هذا الحب، ولن يبقى بالقلب حب بعدها. )).

***

2 -علاقة حب = فعل الام:

نص قصة “ظمأ الأعماق” يبدأ بالعبارة التالية: ((أحبها لدرجة لا توصف، حتى أيقن أنها صارت كل شيء بالنسبة إليه، وهبها ما امتلك من العواطف: حب، وعشق، ومال، وملذات، ووله، واحتراقات.)). وتنتهي بالعبارة التالية: ((ومهما يكن الأمر فقد ظهر “جهاد” قريبا من مسرح الأحداث مشاهدا، يشكر الله على كشف الحقائق من جهة، ومن جهة أخرى يجمد دماء القلب، عندما تهم بالتحرك لاستعادة لحظات الذكرى مرددا: لقد ماتت “دموع” ماتت إلى الأبد، أيها القلب: ما ضرها لو كانت اشترت السعادة الحقيقية بنقود الإخلاص والتضحية الحقة؟! ما ضرها؟!)).

في هذا النص تسقط “دموع” بأوحال الرذيلة. ونتسائل: من فعل الأسباب المؤدية لهذا السقوط؟ هل هي الأم؟ أم انها دموع نفسها؟ القصة تلمح الى ان الأم هي الفاعلة، ودموع ضحية لذلك. وهكذا يكون الأمل الذي بنى عليه جهاد، في حبه لها وأن تكون دموع له، مقطموعا بما فعلت الأم، ولا يكمل شوطه الى النهاية.

***

3 – علاقة حب = من حبيبته:

في نص قصة “أمواج بالشاطئ”، كان يحبها إلا انها تتزوج من غيره، ويموت زوجها: ((أثناء ذلك، أدار “أحمد” ظهره عائدا إلى حجرته، غارقا في أفكاره، يقص شريط ذكرياته، تذكر “حليمة” ابنة جارهم بائع اللبن، الذي يعرفه كل سكان القرية، ويحبه الأطفال، الذين تعودوا زيارته مع بزوغ شمس كل نهار قبل ذهابهم للمدرسة، يبيعهم الأجبان الطازجة.)).

ويعود لها، فتصده: ((- لكنني أحبك، أحبك؛ فمالنا وكلام الناس؟ ! ثم أنك كنت لي دائما القمر الذي يضيء ليلي المظلم، ورغم طول هذه السنين، حافظت على عهدي، ووفائي لك، أتذكرين يوم كنا نلهو بالحمامة التي اصطدناها تحت جذع شجرة الطلح بالقرب من البئر، حين قلت لك: سأبقى أحبك ما بقي الحمام والطلح على الأرض؟ واليوم تقابلينني بالجفاء، والصد؟! يا إلهي! كأن الحياة كانت تعبث معي، وتتسلى بي!

– كل الحكايات كانت، ولا زالت، تأتي على ذكر اسمك، وتنتهي بي إلى باب قلبك، لكن عاطفتي يا أحمد صدأت، ولم أعد أجرؤ على مقارعة الحب؛ فأنت تطلب مني السعادة، وأنا لا أستطيع منحك حتى أحزاني، كان يسمع صراخ قلبها، وسط لهيب نار شوقها المغلف بالكآبة، تألم كثيرا، ودق آخر مسمار في نعش حبه ، راح يبكي تعاسته، يرثي خيباته، يمنّي نفسه بجرعة حب يطفئ بها رغبته المتوهجة، وجد نفسه كمن تتقاذفه أمواج بلا شاطئ، عاد إلى بيته، اختلى على سطح داره يرسم وجهها على الهواء الطلق، إلى أن جرفه النعاس، استلقى على ظهره ممددا،مصالبا يديه على صدره، وغاب في سبات عميق. )). ص19 – 20

***

القاص حسين بن قرين درمشاكي

4 – علاقة حب = الاخ القامع:

وفي نص “قصة/أسرار” نجد الفتاة التي واعدت الشاب على موعد في اليوم الآخر، إلا ان آمالها قد ضاعت بضرب أخيها للشاب، ومتابعتها هي لكي يكيل لها الضرب. ((وفي الجانب الآخر، كانت الفتاة تركض خوفًا، وفرائصها ترتعد هلعًا، تلقي بين فينة وأخرى، بنظرة خاطفة وراءها، هربًا من الجاني، الذي اتضح أنه شقيقها.)).ص58

***

5 – حالة اجتماعية = بسبب تاجر:

في نص قصة “رجل من نار”ص21، يقول في أول سطر من النص: ((لم يكن “احمد” يطمع سوى بالعيش مستور الحال، وبناء أسرة صغيرة، عمادها الحب، والطمأنينة، لكن القدر كان له بالمرصاد)).

وفي نهاية النص يقول: ((، ابتلع ملمته تاجر مخادع، وقسوة سجن، وزوجة أدارت له ظهرها، ووفاة والدته، التي أصابته بحالة نفسية كان وقعها أشد مضاضة من كل ما ألم به، عاش على أمل القبض على ذلك التاجر الفاجر؛ لرد اعتباره، بعدما صارت دموعه تبلل قيظ عذابه.)).

المعوق الذي يقطع الآمال المبنية هو التاجر.

***

6 -علاقة اجتماعية = بسبب المخدرات:

في نص “بكاء آخر الليل” يقول: ((حاول إقناعها بمرافقته للطبيب، لكنه كان في كل مرة يفشل، حتى أنه هددها بالطلاق إن هي لم تطعه، ضحكت، وهي تتوعده، وتذكره بأنها هي من انتشلته من الشارع لما قبلت أن تتزوجه، وتحملت عناء مصاريف البيت، وأنها باستطاعتها في أي وقت أن تتزوج بأحسن منه، أحس الزوج بالخجل، وهو يردد في سره: أكان يجب علي الزواج من عاقر، فاجرة، مومس؟)).

(( وبعد عدة أيام وجدت “دموع” منتحرة على كرسيها الخشبي، حيث أظهرت التحريات والتحقيقات المكثفة والتحاليل الطبيبة تناولها لجرعة أقراص مخدرة، وبعد تشريح جثتها، وجدت بدمها بقايا مخدر، اتضح أنها كانت تتناوله من حين آلخر، مذ هجرها أصحابها من ذوي الشأن الرفيع، والذين كانوا يغدقون عليها أمواال طائلة، مقابل إشباع لذتهم الشهوانية.)).

كان الأساس الذي بنيت عليه العلاقة غير سوية، فوصلت الى نتائج وخيمة، في تعييره أولا، وفي طلاقه لها ثانيا، وفي موتها ثالثا.

***

7 – علاقة اجتماعية = بسبب منها:

في نص قصة “الموت غيا” نلتقي بالجنس المفضي الى الموت، وبالآمال المفقودة، بينما كان الزوج الذي كان متغربا للعمل، ويأمل أن تلتقيه زوجته بالأحضان، يجدها في موقف جنسي مع حبيبها فيقتلهما سوية ، إذ تنقطع تلك الآمال التي كان قد بناها عند لقائه بها. ((وصرخ، وهو يجوب الشارع الذي عمته فوضى عارمة: لقد قتلتهما، قتلتهما، ثأرت لشرفي. ، ووسط ازدحام الشارع بالناس، امتزج بكاء ونحيب وصراخ وعويل النسوة، وضجيج منبهات سيارات الشرطة، التي طوقت مسرح الجريمة، وألقت القبض على الجاني.)).

***

8 – علاقة اجتماعية = تقمع بوفاة الاب:

في نص قصة”لغز اختفاء “سعدية” نجد سعدية الهاربة من دار اهلها وقد تزوجت بشاب، تأمل أن تلتقي بأبيها، إلّا ان الأقدار كانت ليست بما كانت تتمنى، إذ وجدت والدها قد توفي. ((رأفت “سعدية” لحال والدها، قررت العودة لبيت الأسرة، لكن فرحتها لم تكتمل، إذ لم يتسنَ لوالدها مباركة زواجها من فارس أحلامها، حيث انتقل إلى الرفيق الأعلى، بعد إصابته بجلطة دماغية.)). ص80

***

9 – أمور ثقافية = بسبب امور ثقافية:

في نصه القصصي “مذكرات مسافر/3″، تنقطع آماله في الدراسة لكون خريج المدرسة الفرنسية لا يقبل في المدارس العربية لعدم اجادته اللغة العربية، فيخوض وغى الحياة المهنية. ((خاطبت مصلحة التقويم والقياس؛ لتحديد مستواي التعليمي، والتحقت بمدرسة “سبها” الإعدادية- بنين –بحي “سكرة”، إلا أنني انقطعت عن الدراسة، حيث واجهتني عقبة عدم إلمامي باللغة العربية؛ كوني خريج مدرسة فرنسية، وفضلت خوض وغى الحياة المهنية، فانتقلت إلى مدينة “مصراتة”، للعمل بأحد المخابز.((ص37

***

10 – علاقة وطنية = مفتوحة:

في نص قصة “غدر الزمن” تذكر أمنية، والآمال التي يعقدها شخوص النص في نهايته، فآمال سالم وزوجته، وأخيه مصطفى، وابنهما الطفل ذو الخمس سنوات، هي تحرير أرض فلسطين من المحتلين، وتنقطع بسبب المحتل. ((براءة قذفت بها المواجع إلى عوالم التشرد، والتجشم. قال هامسًا بأذن الطفل: لا تجزع يا بني، سنأخذ بثأرنا، سنطردهم من أرضنا، فلسطين لنا.)). ص54

_________________

نشرت بجريدة كواليس الجزائرية – العدد: 2957 في: 12 / 7 ، والعدد: 2958 في 13 / 7 / 2020.

مقالات ذات علاقة

طريق جهنم … قراءة نقدية (5)

المشرف العام

الفنان الراحل خالد بن سلمه: في وصف صور للذكرى

عدنان بشير معيتيق

ظل المشواشي على الريح

المشرف العام

2 تعليقان

حسين بن قرين درمشاكي 18 سبتمبر, 2020 at 10:06

الطيوب تطيب صباحاتي بنشرها الآمال المقموعة في مجموعتي القصصية (المرأة التي تزوجت الجني) بقلم الروائي والقاص والناقد الأديب العراقي الكبير الأستاذ داود سلمان الشويلي..شكرا بحجم الآمال والأحلام لطيوبنا العريق..وتحايا عطرة وباقة ياسمين لأستاذي الشويلي..

_درمشاكي_

رد
المشرف العام 18 سبتمبر, 2020 at 17:44

التحية والشكر موصول لك ولكلماتك الوارفة

رد

اترك تعليق