المقالة

اضمحلال دور النخب

 

تعني لفظة “النخبة” المجموعة أو القلة المتميزة أو المختارة من كل شيء، وفي المجال الاجتماعي صاحب ظهورُ النخبة، بمعنى بروز وتميز مجموعة محدودة في ميدان معين، التكويناتِ الاجتماعيةَ منذ البداية. فهناك صيادون يتميزون بمهارة فائقة في المجتمعات القائمة على الصيد، وحرفيون أكثر حذقا من أقرانهم، ومتسلقوا أشجار مدهشون، وفرسان مقاتلون بارعون، وشعراء مفوهون إلخ.

ولعل أفلاطون أول من انتبه إلى الدور الاجتماعي للنخبة، دون أن يعطيها هذا المصطلح، حيث اقترح أن تتولى القيادة والحكم في المجتمع ثلة من الأفراد النابهين، أي الفلاسفة. ومن هنا ينعطف المفهوم نحو المحمول السياسي. لكن جذور “نظرية النخبة Elite theory” تعود إلى كتابات غايتانو موسكا (1858- 1941) Gaetano Mosca وفلفريدو باريتو (1848- 1923) Vilfredo Pareto وروبيرت ميشيلز (1876- 1936) RobertMichels.

طبعا، مثلما ألمحنا أعلاه، تتنوع النخب وتتعدد حسب ميادين السيرورة الاجتماعية، لكننا سنحصر اهتمامنا هنا في ما تمكن تسميته “النخبة الثقافية” المنتمية إلى الحداثة والمعاصرة. ورغم اتساع نطاق هذا المصطلح فإنه يمكن القول إنه يدخل ضمن إطاره الأدباء والكتاب والمشتغلون والمعنيون بالحقول الفكرية في ميادين الفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة.
*
في الوطن العربي أخذت هذه النخب تهن ويتراجع دورها التنويري والقيادي منذ ثمانينيات القرن الماضي تقريبا، مع الأخذ في الاعتبار تفاوت حدة هذا الوهن والتراجع بين قطر وآخر.
ويبدو لي أن مسؤولية هذا الوهن والتراجع تعود إلى عاملين متضافرين. العامل الأول: تسارع وتيرة القمع المنظم من قبل الأنظمة القمعية والأنظمة الاستبدادية التي عملت، إلى جانب القمع، على شق صفوف هذه النخب وتدجين أعداد منها. أما العامل الثاني فهو تنامي التوجهات والحركات الدينية المعادية للحداثة والمعاصرة، دون أن ننسى أن هذه الأنظمة دعمت هذه الحركات واستخدمتها أداة لضرب النخب المعنية، أو على الأقل غضت عنها الطرف.
*
في الحالة الليبية، عمل نظام القذافي، منذ الأشهر الأولى لاستيلائه على السلطة، على ضرب النخب، التي كانت هشة التكوين أصلا، بشكل ممنهج. ففي السنتين الأولايين من الاستيلاء على السلطة، جُرمت الحزبية ووضعت لها عقوبات عالية أبسطها عشر سنوات سجن!. كما عقدت محاكمات للصحفيين بتهمة إفساد الرأي العام، وألغيت الصحف الخاصة، وفي سنة 1973 زج بالكتاب والمثقفين البارزين في السجون في سياق ما سميَّ حينها بـ “الثورة الثقافية”. ومع بداية النصف الثاني من عقد السبعينيات جرت حملات اعتقال في أوساط طلبة الجامعة والأدباء والمثقفين الشباب. هذا، إضافة إلى التضييق على مؤسسات المجتمع المدني من نقابات ونواد رياضية وفرق مسرحية. علاوة على تحديد الصحف والمجلات التي يسمح بدخولها البلاد وفرض رقابة مشددة على نوعية الكتب الواردة. وفي فترة معينة منع الجلوس في المقاهي لأنها يمكن أن تكون عاملا من عوامل نشوء النخب!.
*
لكن “الصبح” الذي أعقب انقشاع ليل نظام القذافي لم يكن أمثل منه!. بل لعله أسوأ بكثير. فقد طورد المثقفون وناشطو المجتمع المدني بالاغتيال والخطف والسجن وكُفِّروا، ودوهمت تجمعات واحتفالات ومناشط شبابية بدعوى مخالفتها للشريعة والأخلاق الإسلامية!.

____________________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

الحرب الليبية الليبية المحتدمة …..من يطفئها ؟

إبراهيم حميدان

ثَقَـافَةُ الجَـوْدَةِ

خالد السحاتي

يا ما في الغابة مظاليم

المشرف العام

اترك تعليق