قراءات

استقلال ليبيا 1951م استجابة النخبة ونضال الشعب

بدأ الاستعمار الإيطالي صفحة تاريخه المشؤومة في ليبيا 1911 م بنفيّ الليبيين عن وطنهم وعزلهم في الجُزر الإيطالية المهجورة والموبوءة بالأمراض في البحر المتوسط مثل: «أوستيكا» و «سردينيا» ، فكان مصير الكثير منهم رجالاً وشيوخاً ، نساء بأطفالهم الموت مرضاً وجوعاً وحنيناً قاسياً مضّنا .وأنهى صفحة إستعماره في برقة المهدأة قهرا وعسفا بنفي عشائر كاملة من قبائل ليبية وصف مقاومتها له تمرداً وعصياناً في وجه سطوته وجبروت فاشيّته في صحارى شبه منعدمة الحياة ومعتقلات قاسية في ليبيا كـ (البريقة ، والعقيلة ، والمقرون) لتواجه مصير الفناء المحتوم . كذلك دأب الدكتاتور الفوضوي معمر القذافي طوال حقبة عسفه بالليبيين نخبا مثقّفة ومواطنين ، إرتاؤوا صورة مختلفة لليبيا عن صورته الهزلية المظلمة التي رسمها له خياله المريض بنفي الليبيين وعزلهم والتنكيل بهم في سجونه الممتدة عبر ليبيا من الكويفية شرقا حتى سجن أبوسليم الرهيب .

المؤرخ الليبي مفتاح السيّد الشريف من منفاه الاختياري في ألمانيا يكتب عن منفى آخر عزل به الدكتاتور القذافي الليبيين طوال أربعة  عقود طوال عن صفحة مشرقة من تاريخ نضال آبائهم واجدادهم هي صفحة إستقلال ليبيا المجيد الذي كان إعلانه يوم 24.ديسمبر 1951 م . تتجلّى في كتاب المؤرخ الأريب «مفتاح السيّد الشريف»: (ليبيا .الصراع من أجل الاستقلال) سمات العمل التاريخي التركيبي بامتياز ،كما تتجلّى فيه أيضاً كفاءة المؤرخ ومهاراته وهو يؤسس للذاكرة الوطنية المستأنفة بانتصار ثورة 17 فبرير المظفّرة والتي دشّنها (الاستقلال المجيد) في عام 1951م . مستفيدين من كتابه نحن الأجيال الراهنة إذ نؤسس لدولة (الاستقلال الثاني) العبرة التي لم يتمثّلها جيّدا جيل (الشريف) نفسه في اختياراته وتعاطيه مع الشأن الوطني ، والتي ماأنفكّ (الملك إدريس) يردّدها أمثولة لإعتبار جيل آبائنا وهي: (المحافظة على الاستقلال أصعب من نيله) ، مدركا بحدسه وهو ماكان غائبا وقتذاك عن جلّ حدوس كثير من الليبيين، أن ليبيا وهي تشرع حتيثا في السير على دروب التنمية والحداثة التي فتّح أكتشاف النفط آفاقها هي هبة هذا الاستقلال وثمرته . كما نستشعر أيضا ونحن نقرأ كتابه أهمية الربط مشهدية الفعل السياسي الديمقراطي المدني الذي أرهصت له الثورة ــ الحرب التحريرية المظّفرة التي خلّصت الشعب الليبي من براثن الدكتاتورية القذّافية الفارقة في التاريخ الحديث بدمويتها وهزليتها وتشويهها لجوهر الإنسان الليبي ، ملهمين في ذلك بالتطلّعات الوطنية في مسعى طلائعها المتجدّد الدؤوب وهي تؤسس لاستقلال ليبيا الثاني إستنادا على المرجعية الوطنية لاستقلال ليبيا الأوّل ، الذي سطرته دماء الأجداد المجاهدين ،ورسّخت أسسه حكمة الآباء المؤسسين ، وألقى به في مهب رياح الفوضى لأربعة عقود عجاف تهوّر العساكر المتآمرين، والغوغاء المستخفين .ألتقيت الشريف بعد ترتيب لايخلو من طرافة في مقهاه المفضّل (إنزل كافيه)،الواقع في ال(التيآتر ــ بـلاتسة)

في اليوم الأوّل لألتئام (سوق عيد الميلاد) في ضاحية (بادغودسبرغ) في العاشر من شهر نوفمبر عام 2011 م والذي في العشرين منه تمّ إلقاء القبض على الدكتاتور المأفون القذافي، وقتله على أيدي ثلّة من الثوار الليبيين الأشاوس في مشهد تاريخي فارق، أزاح عن كاهل أجيال من الليبيين ثقل الأربعين من السنين الغبر البوار ، وأدخلهم مجدّدا في التاريخ الحقيقي، الذي أولجهم فيه عام 1951 م حدث نيل الاستقلال المؤزّر . وأنا أخترق متجّها إلى المقهى خيوط الزينات وروائح الطيب ونكه النبيد الساخن والحلوى ،لمحته جالساً عبر الزجاج يتأمل بشجن شفيف عبور مباهج الناس أمامه .سلّمت عليه فرحّب بي وقد عرفني مما كتبته وقرأه من شطر سيرتي الطفولية الستينية في طرابلس حاضرة الاستقلال التي خبر لذائذها شاباً ، والتي ألقيت أوراقها مع رسالة تعريف بي تتبث عنواني وهاتفي قبل يوم لقائنا بأيام في بريده الذي أطلع عليه بُعيد وصوله من رحلته الى ليبيا التي غادرها في مقتبل الثمانينيات مغتربا وأعاده إليها الأنتصار المظفّر لثورة التحرير التي أنطلقت في فبراير عام 2011 م ضد استعمار القذافي للوطن الليبي وهو ما أضفى على لقائنا سلاسة مفعمة بإحساس من الوّد ، تكشّفت لي فيه مفارقة :أنّني كنت قارئا من قراء مساهماته الفكرية المداومين في المغترب الألماني ودون أن أعلم من هو ولسنوات في المواقع الألكترونية للمعارضة الليبية .كمقالاته وترجماته المتعلّقة بتاريخ ليبيا الحديث التي كان يمهرها بتوقيع (مؤرخ ليبي) ، وترجماته التي كان يوّقعّها باسم (مخضرم)عبر ثلاثة لغات أوربية وتعليقاته على ماينشر من تحليلات ومقالات في الصحف الغربية تتعلّق بالشأن الليبي إبّان الحقبة القذافية الظلامية ، وتداعياتها الكارثية في العشر سنوات السابقة لسقوطها المدوّي في نهايات عام 2011 م ، ، كذلك متابعاته لما ينشر في الصحف الغربية عن موبقات العائلة القذافية ومتعلّقاتها القبلية وحاشية الفساد المرتبطة بها تحت إسم (الراصد السياسي) . يصف الشريف مؤلفه التاريخي الرائد(ليبيا .الصراع من أجل الاستقلال) وهو يقدمه لأبناء وطنه وقد تواقت نشره مع انتصار ثورة السابع عشر من فبراير وتحرير ليبيا من دكتاتورية القذافي : بـ(الكتاب الموثّق) للتاريخ الوطني الليبي الذي زوّر وزيّف ظلماً وإجحافاً ضمن مخطّط تجهيل شرّير لم يحك مثله لأي بلد عربي أو أفريقي أو أي بلد مناظر لليبيا في العالم قاطبة . وهو ماألجأ الشريف الأخذ بالمنهجية التي تنحو منهجيات التزامنية التوثيقية التاريخية وهي مميّز طرائقي أنفرد به في مصنّفاته وبالأخص كتابيه حول مسيرة الحركة الوطنية الليبية:(الأحزاب الليبية الاستقلالية ونضالاتها) و(ليبيا الصراع من أجل الاستقلال) .

أتاحت لي عطلة عيد الميلاد في ديسمبر 2011 م أن أسلخ أياما بلياليها ونهاراتها ، غوصا في تاريخ ذلك المخاض من النشاط الدؤوب والمثابر للحركة الوطنية الليبية، الذي توّجت مساعيه بإعلان الاستقلال في الرابع والعشرين من ديسمبر1951م وقد بنى مفتاح السيّد الشريف بصبر وأناءة سرد أحداث وقائعه الجليلة من خلال الوثائق والتقارير ومحاضر الجلسات التي ضمّت أطرافاً دولية جمع بينها قدر إنتهاء المعارك الضروس للحرب العالمية الثانية في شمال أفريقيا وما أسفرت عنها من نتائج النصر المتوّج للدول الحليفة والهزيمة النكراء لدول المحور المواجهة لها في الحرب. حيث اجتمعت، هذه القوى على مائدة الأطماع والمآرب لتقرّر مصير الحالة المنفردة (ليبيا) من بين المستعمرات السابقة، وقد كادت هذه الأطماع ومصالح القوى الدولية المنتصرة التي أثمرتها نتائج الحرب العالمية الثانية أن تعصف بمصير الليبيين وحقهم أن تكون لهم دولة مستقلّة وذات سيادة تحقّق مطامحهم في حياة حرة كريمة بعد سنين من القهر والإذلال الاستعماري. كل هذه التنافسات والتجاذبات دفعت هذه القوى الدولية إلى عرض المصير الليبي في أروقة الأمم المتحدة . هذا المنعطف التاريخي في المسألة الليبيية ، هو ما أعطى للمؤرخ مفتاح الشريف بحكم إتقانه للغات أوروبية عدة أتاحت له الأطلاع على وثائق وكتب ودراسات جديدة لم تكن متاحة لسابقيه ممّن كتبوا في موضوع الاستقلال الليبي من المؤرخين العرب أمثال محمّد عزيز شكري ،ومجيد خذّوري ، ونقولا زيادة وغيرهم جدارة البحث فيه ، وإضاءة تفاصيله المثيرة ،والتي ستكون أكثر إثارة للسياسيين والمختصين في التاريخ والسياسة الليبية والمثقفين الليبيين المعنيين بالشأن الوطني عموماً ، إذا ماتمّ التأمل فيها في ضوء الأحداث والمنعطفات التي مرّت بها قضية ثورة الشعب الليبي على الحقبة الدكتاتورية القذافية في أروقة الأمم المتحدة في عام الثورة 2011م ومابعده، وتعاطي نفس القوى الدولية والمنتظم الأممي في مسرح جديد مع المسألة الليبية . مايعطي لكتاب الشريف جدارة البحث التاريخي الصميم أيضا هو التناول الموضوعي من خلال الوثائق ، والمراسلات باللغات الثلاث العربية والإنجليزية والإيطالية ، والكتب التي تعرّضت لحدث الاستقلال الليبي ،التعاطي المسؤول للنخب السياسية الليبية كافة بكل خلفياتها الاجتماعية وتوجّهاتها السياسية مع مصير الوطن الذي وضعه مخاض الحدث الاستقلالي على المحّك . كما يقودنا الشريف إلى منعطف مثير في تاريخ المطالبة بحق الليبيين بالاستقلال ، والحرية وهو تشكّل نخبة سياسية إدارية ليبية شّابة كان بروزها المثير في تاريخ ليبيا الحديث نتاجاً للحدث الاستقلالي ، وتعاطياً مدنياً جّاداً وذؤوبا مع تفاصيله ومطالبه العسيرة الشائكة استقلالا ، وبناء لدولة دستورية ملكية ، أدارت مصالح الليبيين بحكمة ورشد حتى وصول العسكر الأنقلابيين في الأوّل من سبتمبر الذي كان فاتحة شؤم ونكد في تاريخ الليبيين الحديث إمتد طوال أربعة عقود عجاف ، إنتفض عليه الليبيون في السابع عشر من فبراير 2011 م في ثورة التحرير المجيدة المظفّرة .

مقالات ذات علاقة

صراخ الطابق السفلي… تفتح باب الماضي على مصراعيه

ليلى المغربي

صدى المتاهة

ناصر سالم المقرحي

قراءة  في رواية “ازاتسي” للكاتب مجاهد البوسيفي

سالم أبوظهير

اترك تعليق