من أعمال التشكيلي محمد بن لامين
قصة

استرداد لحظة…

من أعمال التشكيلي محمد بن لامين

1

… كان يتكئ مُفترِشاً النَّطْع.. واضِعاً المخدّة تحت إبطه.. يَرْقُب البَرّاد وهو يُحشرِج في طرَف الكانون.
قالت زوجته:
ـــ يا لَه من مطرٍ أبدي.. لم ينقطع منذ أكثر من شهر.
ـــ هل يُضجركِ ذلك؟
ـــ كل شيء لا بُدَّ له من نهاية.. مهما كان مُحَبَّباً.
ـــ هذا يتوقف على النهايات.. خُذي مثلاً حياتنا.. كُنّا قبل الزواج..
قاطعتْه بحِدَّة:
ـــ ها أنت تعود إلى هذا الموضوع مرةً أخرى.
تثاءب:
ـــ إذا لم يكن هناك جديد.. فلا مناص من اجترار الماضي.
حَكَّ أنفه براحته:
ـــ العشق مرحلة اكتشاف.. ذلك ما يجعله رائعاً لا يتسرَّب إليه الملل.
ـــ هل كان من الممكن أن نظلَّ عاشقين إلى الأبد؟ لا بُدَّ للعشق أيضاً من نهاية.
اعتدل.. بسط راحتيه فوق الكانون:
ـــ إذا كنتِ تقصدين الزواج.. فهو نهاية سيئة للعشق.. نهاية لمرحلة الاكتشاف.. يؤسفني أن أقول إنَّ أعظم قصص الحُبّ وأكثرها خلوداً في التاريخ هي تلك التي لم تنتهِ بالزواج.. صدِّقيني.. الزواج عبارة عن تعليب للحُبّ.
ـــ هذا ليس أمراً سيئاً.. حتى لو سَلَّمنا بذلك.. فالتعليب حِفْظ للأشياء من الفساد.
قهقه:
ـــ لكنَّكِ نسيتِ ـــ أو تناسيتِ ـــ أنَّ المعلبات لها مُدَّة صلاحية معيّنة.
ضحكتْ وهي ترفع البَرّاد من فوق الجمر:
ـــ أنتَ تُسمِّي الأشياء دائماً بغير أسمائها.. تعتبر الاستقرار نهاية سيئة.
ـــ استقرار! ها أنتِ قُلْتِها.. الاستقرار أُلفة.. الأُلفة عادة.. العادة نوع من العبودية.
ـــ لكنَّها عبودية باختيارنا.
ـــ ذلك ما يجعلها أسوأ أنواع العبودية.
عاد إلى الاتّكاء.. غرق في لحظة وجُوم.
نظرتْ إلى الفحمة العالقة بالبَرّاد.. قالت مُحاولةً انتشاله من وجُومه:
ـــ انظرْ.. سيأتينا ضيف.
ـــ مَن سيأتينا في ليلةٍ كهذه؟!
أعادت المحاولة مرةً أخرى:
ـــ أتذكر عندما كنتَ تتسلل إليَّ في أواخر الليالي.. مُلتصِقاً بجذوع الأشجار؟
ـــ وهل ذلك شيءٌ يُنسَى؟
ابتسمت:
ـــ مَن يراك على تلك الحال يعتقد أنَّك لِصّ.
ـــ اللصوصية في العشق هي التي تمنحه طَعماً خاصًّا.. تماماً كلَذَّة الصيّادين.. في المطاردة.
ـــ كنتَ دائماً ترتدي ملابس داكنة.. أتذكر تلك الليلة التي أتيتَني مُلطَّخاً بالوحل.. مَقروراً حتى العَظم؟
ـــ تلك الليلة بالذات لا أنساها.. فقد خضتُ السيل.. سبحتُ وسط التيار.. كنتِ أنتِ تتجلَّلين بلِحافٍ أسود.. تحت وابل المطر.. تستندين إلى جِذْع البَلُّوطة.. وتَرقُبين الطريق.
ـــ يئستُ من مجيئك تحت ذلك المطر.
ـــ لكنَّكِ بقيتِ تنتظرين! كان ذلك في نفس هذه الأيام.. في مطرٍ كهذا.. كنتُ أسمع وجِيبَ قلبكِ وأنتِ تقفين بالقرب منِّي.
ـــ وكنتُ أُحسُّ بحرارة جسدكَ تحت البَلل.
ابتسم.. لمع في عينيه بريق:
ـــ ما رأيكِ لو نستعيد تلك الليلة.. لو نستردّ تلك اللحظة؟
ـــ بعد هذه السنين؟
ـــ تقصدين أنني ضعفت.. ولم أعد أستطيع اجتياز السيل.. سترين.
انتصب واقفاً..
تعلَّقت بيده..
ـــ أرجوك.. دع المطر حتى يخِفّ.. ويهدأ السيل.
ـــ لا.. ذلك مُخالف لأصول اللعبة.
الْتفتَ قبل أن يخرج:
ـــ لا تقلقي.. من هنا سأعبر من خلال القَنطرة.. لكنني سأعود من الأسفل.. حيث التيار على أَشدِّه.. هل تخشين ألاّ أسمع دقات قلبكِ؟ أنا أيضاً لست واثقاً من أنكِ ستشعرين بدفء جسدي تحت الملابس المبتلَّة.. لكن لماذا نستبق الأحداث؟
هَزَّت رأسها باسمة.. وهي تُنصت إلى وقع خطواته..
ـــ مجنون!

2

… هدير السيل يطغَى على كل شيء.. في لحظات خاطفة يلمع الزَّبَد تحت بُهرة البَرْق.
اقترب مُتعلِّقاً بالأغصان.. أَحسَّ بقوة التيار.. بحث في القاع بقدميه عن شيءٍ صلب.. انزلق.. قذفه التيار.. تمسَّك بالغصن.
ـــ يا لها من ظُلمة.. سأنتظر حتى يومِض البرق.. صدقت زوجتي.. لم أعد قوياً كما كنت.. الزوجة أول من يعرف ذلك! هذا الغصن لن يصمد كثيراً.. سأقفز قبل أن ينقَصِف.
حاول القفز.. انهار شيء تحت قدميه.. ترنَّح مُلوِّحاً بيديه في الظلمة.. سقط على ظهره.. اصطدم رأسه بصخرة.. فَقَدَ الوعي.. و.. ذهب مع السيل.

3

… وسط الدَّغْل الكثيف.. كانت لا تزال تستند إلى جِذْع البَلُّوطة.. تتجلَّل باللحاف الأسود.. بدأ القلق يُساورها.
زغردت ضفدعة.. فامتلأ قلبها بالفرح.
… من خلال ومضات البرق.. ظلَّت ترقُب الطريق الشاحب.. الْمُقْفِر.. تحت وابل المطر.
***
(1996)

مقالات ذات علاقة

حُلم

المشرف العام

الكلب الراكض على حافّة الطريق

أحمد يوسف عقيلة

مَن يفترس الذئاب؟!

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق