المقالة

استحقاقات السبق

قرأت، منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، كتابا مترجما مخصصا لموضوع أصل الحياة على الأرض. من المسلم به، طبعا، أن الحياة تخلقت في الماء، ويقول مؤلف الكتاب أن التربة التي تناثرت وطفت على سطح المياه شكلت ما يسميه “الغرويات” فانتقلت من اللاعضوي إلى العضوي وتولدت عنها “الخلية الأولى”.
في أثناء شرحه لتطور الحياة على سطح الأرض يطرح المؤلف سؤالا مهما جدا، وهو: لماذا لم نعد نشاهد تخلق مواد الحياة الأولية تلك يحدث أمامنا الآن؟.

ويجيب إجابة، أعتبرها، مقنعة جدا، وهي أن عناصر الحياة في البدايات الأولى لم تكن أمامها كائنات حية أرقى منها بحيث تتغذى عليها، وبالتالي أتيحت لها فرصة النمو وفق الظروف والعوامل البيئية الحاضنة. أما بعد ذلك فلقد انعدمت الفرصة أمام هذه المكونات الأولية للنمو والتطور، لأن الكائنات الحية المكتملة الأرقى والأقوى منها سرعان ما تلتهمها وتقضي عليها. رسخت هذه المعلومة، ورسخ هذا التحليل، في ذهني، لأنني رأيت أنه يمكن نقله إلى مجال إنساني مهم هو التطور التاريخي للشعوب والدول وتطبيقه عليه.

فالشعوب التي وجدت “غروياتها” المجال مفتوحا أمامها لتكوين خلاياها الأولى وبناء جسد متكامل، هو الدولة القوية المتطورة اقتصاديا وصناعيا وعسكريا، أصبحت قادرة على إعاقة شعوب ودول أخرى من أن تتخذ نفس مسارها، لأن ذلك مناف لمصلحتها. لقد فاتت الفرصة هذه الشعوب ولات ساعة تطور. فأصبحت دول الطائفة الأولى “تتغذى” بالمعنى الحرفي، على موارد وأسواق دول الطائفة الثانية، وتتحكم في مصيرها ولا تتيح لها من إمكانيات النمو والتطور سوى ما يحسن غذاء تلك الدول. لقد تمكنت دول الطائفة الأولى من أن تصبح سيدة نفسها ومصيرها. أما دول الطائفة الثانية فلا تمتلك، تقريبا، أية سيادة وأعنة مصيرها ليست في يدها، وإنما في يد غيرها.

على هذا الأساس نشأ الاستعمار الحديث وتمكنت دول محدودة العدد من تكييف مصير باقي شعوب العالم ودوله وتوجيهه في المسار المرغوب من طرفها. ولقد استدامت هذه المقدرة واستدام هذا التمكن حتى بعد تصفية الاستعمار في وجوده المباشر. فقد تمكنت هذه الدول المتطورة، وعبر وسائل وأساليب متنوعة، من إجهاض محاولات بعض الأنظمة السياسية في بعض الدول المستقلة لانتهاج سبيل التنمية المستقلة التي تقود إلى بناء دولة مستقلة قادرة على حماية مصالحها كافة وباستطاعتها المنافسة والمزاحمة في المجال الاقتصادي.

_____________

نشلا بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

ديمقراطية الله وديكتاتورية عباد الله

أحمد معيوف

الوجه الآخر للإنسان

زياد العيساوي

المدينة

نجيب الحصادي

اترك تعليق