من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني
المقالة

ازمة قيادة ام غياب إرادة

د.أمين الهونى

Maryam_Abani_10

ما علمناه عن شهر رمضان انه شهر مغفرة ورحمة ورضوان، يتضاعف فيه الأجر وتكثر فيه الطاعات والعبادات من صلاة وقيام ونفائس الأعمال. كما لا تخلو اجوائه من روحانيات ومظاهر طيبة تتمثل فى التزاور والتودد والتواصل مع ذوى القربى والأصدقاء والأحبة مما يوطد اواصر المحبة العائلية ويقوى عرى اللحمة الأجتماعية. ومن المظاهر التى تميز هذا الشهر عن سواه من الشهور تنوع اطباق الأطعمة الشهية والحلويات الرمضانية التى يتم إعدادها وتقديمها خصيصاً فى هذه المناسبة. ويضاف إلى مباهجه خروج الناس فى لياليه إلى الأسواق والحدائق العامةً للتبضع والترفيه ولقضاء اوقات طيبة وامسيات سعيدة.

ولاتخلو اجواء هذا الشهر الكريم من الطرائف والنوادر التى تستهوى كثير من الناس ومنها على سبيل المثال شخصية “الحشاش فى رمضان”. ولكى لا يذهب “تفكير” اخواننا المصريين بعيداً فأن “الحشاش” الذى نعنيه هنا ليس ذلك الشخص الذى يتعاطى مادة “الحشيش” المخدرة كما يُفْهم من المصطلح، لكنه مسمى يطلق على إنسان “معكر المزاج” يسهل إستفزازه فى شهر رمضان بسبب اعراض توتر نفسى “مؤقتة” ناجمة عن عدم تناول المنبهات كالقهوة “والشاهى” او بسبب التوقف عن التدخين اثناء ساعات النهار فتدفعه حالة الأضطراب النفسى هذه إلى إرتكاب تصرفات غير طبيعية تثير ضحك المارة، وتجعلهم يتسلون بحماقه “الحشاش”، فتتعالى الصيحات الأستفزازية من حوله: “حشاش فى رمضان”. وهذا الأرتفاع فى الأصوات يزيد من غيظ وحماقة “الحشاش” فيلجاء إلى الضرب والشجار وتكسير ما حوله حتى انه يكاد يرمى “الدلاعة” لمسافات تُحَطَمُ بها تلك الأرقام العالمية التى سجلها ابطال “رمى الجلة والرمح”، يعنى “داير جو ما صارش بكل”.

هذه الشخصية “المتكنطية … المتعفلقة … المطربقة … المتزبكة” تذكرتها وانا اقراء المشهد السياسى الليبى وما يدور فيه من سلبيات وصلت إلى حد “اللبخ … والصفق … والكفخ” بالليبى الفصيح “هتيكة الله لا يروعكم”. وفى وسط هذا الزخم من الكر والفر “ودوارة الحس” حاولت ان افهم كيف ان بلداً بحجم وطننا وبثرواته الوفيرة يعجز “الساسة” فيه عن الأسراع والتعجيل بأعادة تأمينه وتأهيله ومن ثم الأنطلاق به نحو البناء والتطور بعد مرحلة مجيدة قام خلالها الشعب بدور بطولى واسطورى اعاد فيها صياغة تاريخه وحاضره. وقفت حائراً امام هذه التناقضات وحاولت ان افهم هل ازمتنا سببها “فراغ القيادة” ام “غياب الأرادة”. وبما اننى لا احمل اجندة “سياسية او نفعية” غير تحيزى المطلق والكامل لأجندة رجل الشارع الليبى الذى يطمح لرؤية “مستقبل سعيد زاهر” بعد ان ذاق ويلات “ظلم اسود قاهر”. عليه فسوف اكتب بواقعية مختصرة، وسأحاول المساهمة بجزئية متواضعة ربما تساعدنا على معرفة مواقع الخلل فنعمل “معاً” على إصلاحها ونسعى لتفادى تكرارها.

حكم القذافى ليبيا لأكثر من اربعة عقود فرض خلالها حكماً شمولياً إستبدادياً، وترك خلفه بصمات سوداء اثرت فى مناحى كثيرة. نصب نفسه منظراً عالمياً، ومحللاً إستراتيجياً، وقائداً اممياً، كما حرص طوال فترة حكمه على تقزيم وتهميش إرادات وافكار وروئ وخبرات “خدامه” الذين يمتطى “الكثير” منهم اليوم “صهوة الجواد” السياسى الليبى. لقد خلف مقتل القذافى وانهيار منظومة حكمه الهلامى حالة من الفراغ المفاجئ فستغل بعض “المدجنين” فى زمن الطاغوتية هذه الثغرة وتسللوا من خلالها لملئ هذا الفراغ فى القيادة. فراغ اتسعت رقعته بسبب حالة الأرتباك والفوضى التى صاحبت حرب التحرير، مضافاً إلى ذلك إفتقار الساحة الوطنية لقيادات سياسية متمرسة ولأحزاب ذات تأثير فاعل وسط الجماهير.

يتفاوت البشر فى درجات قدراتهم النفسية والعقلية والبدنية، وتتباين انماط شخصايتهم واساليبهم وتصرفاتهم وهو ما يُعَرِفُه علماء النفس ب (الفروق الفردية). فهناك شخصيات متمرسة صاحبة خبرة ومؤهلة للقيادة، بينما توجد اخرى تابعة تتلقى الأومر وتقبل على نفسها بأن تٌقاد، وهولاء يصبحون حجر عثر فى بناء وتطور اوطانهم إن هم قفزوا إلى سدة الحكم والقيادة واصبحوا اصحاب الرأى والمشورة.

فالقائد الناجح هو صاحب تلك الشخصية (الكارزماتية) المكتسبة لثقة الجماهير وحبها. وهى شخصية تمتلك مواهب متميزة تأصلها حزمة من القيم … والثقافات … والحرص … والحنكة … والذكاء … والرعاية … والأهتمام. وعليه يمكن القول ان الشخصية (الكارزماتية) هى محصلة خبرات شخصية تنمو فى بيئة ثقافية معينة. ويفتقد الكثير ممن يتعاطون السياسة فى بلادنا اليوم لهذه المميزات القيادية، ويظهر ذلك جلياً فى عدم قدرة النخب السياسية على التعاطى مع قضايا الرأى العام الوطنى، وعجزها عن إحساس الناس بوجودها “الحقيقى” وليس وجودها “الشكلى”. وعليه فأن غياب القيادة التى تكتسب ثقة الجماهير، وتتحمل اعباء المسؤولية، وتقود المسيرة النضالية خلق “فجوة” واسعة ادت إلى “جفوة” وعدم إلتحام بين الشارع والنخب التى تقوده. والقيادة التى نتوق إليها ليس مطلوب منها العصمة وإمتلاك صفات الرسل والأنبياء وذلك لعلمنا المسبق بأستحالة تحقق هذا الشرط، لكن الناس يتوقون إلى “كارزماتية الحد الأدنى” من امثال: مارثن لوثر كنج … ومهاتما غاندى … وإيفا بيرون. تلك الشخصيات التاريخية التى عاشت الام الناس وتفاعلت مع قضايهم، فنالوا محبة شعوبهم التى تفتخر بهم وتخلد ذكراهم.

الشخصية القيادية لابد ان تمتلك صفات تميزها عمن سواها. ووفقاً للنظريات “الأحتمالية” للقيادة فأن هذه الشخصية قد تكون “متسلطة” او “ديمقراطية”، ويستطيع عامة الناس بحدسهم وذكائهم تشخيص وتحديد نوعية هذه القيادة.

إن لسلوك الشخصية القيادية وطبيعة علاقتها مع العاملين معها دور مهم فى خلق معايير سلوكية تميز القائد الفعال صاحب التأثير فى مجرى الأحداث. وهى شخصية متفهمة لها قدرة متميزة على التعامل مع الكم الهائل من المعلومات وتحليلها للوصول إلى حلول بديلة فى اوقات الأزمات وغيرها. كما ان لها القدرة على سرعة الحركة والأستجابة لمطالب الشارع او المؤسسة التى تديرها. وتؤكد الشواهد ان الثقة المتبادلة والأحترام والمساوة فى بيئة العمل من القيم السامية التى يستطيع القيادى الناجح ان يزرعها وينميها بمهارته بين افراد الفريق العامل معه. وستظل القيادة سمة “مميزة للفرد” والقليلون هم من يمتلكون سمات الشخصية القيادية. ما نعانى منه اليوم سببه عقدة “انا” الذى افهم، “وانا” الذى استطيع ان اقود، “وانا” الذى يُنَظِرُ ويخطط، اما كلمة “نحن” فعظم الله اجرنا فيها، واحسن عزائنا، والهمنا على فقدانها الصبر والسلوان.

من المُسَلَم به أن العلاقات الإنسانية قد يعتريها شيء من التقصير والتفريط، ومجتمعنا الليبى كأى مجتمع اخر غير معصوم من مثل هذه الظواهر السلبية. إن مسلسل إطلاق الأتهامات والأتهامات المضادة بين النخب السياسية عادة ما يثير حفيظة الناس ويكون سبباً فى غضبهم خصوصاً إذا تطور الأمر إلى التلاسن والتراشق بالكلمات الجارحة ثم توج المشهد الدرامى بجولات الركل واللكم من غير “قوانتيات”. امام هذه “التريجيديا” يتسأل المواطن الكادح: هل احسنا نحن العوام إختيار ممثلينا وقياداتنا، وتجاوزنا عقدة التكتلات الحزبية والمناطقية والقبلية؟ وهل مصيرنا اليوم ترعاه ايدى امينة؟

احسب ان تقليد سلوكيات “ثيران” اوكرانيا وعنتريات “كباش” كوريا الجنوبية اساليب بالية وغير حضارية، وهى لا تساهم فى قضاء حوائج الناس وحل مشاكلهم، بل هو سلوك شاذ وغريب يعكر صفو الحياة السياسية فى ليبيا. ومن دون شك ان الشعب الليبى يستهجن السلوكيات التى تسئ للمشهد الديمقرطى الليبى الوليد. لذا نهيب بالقيادات والنخب السياسية الليبية ان تصغى جيداً إلى مطالب الشارع الليبى، وان تسارع بالبث فيها، والتعامل معها بروح المسؤولية. ما نخاف منه هو زيادة إحتقان الشارع حتى يصل إلى درجة يصعب معها السيطرة عليه. مطالب الناس واضحة ومشروعة ولا يحتاج من لا يتفق معها إلى البحث عن فتاوى “مسيسة” تخدم اجندة شخصية او حزبية. إن تصنيف المطالبين بحقوقهم بأنهم “عصاة ومشبوهين” إتهام مشين ولا مسؤول، وله نتائج سلبية قد تقلب الطاولة رأساً على عقب فتتحقق بذلك مقولة: “يا حافر حفرة السو يا واقع فيها”.

ما يغفل عنه “كثير” من هواة السياسة فى بلادنا ان الغرض من إنتخابهم لتولى مناصب عامة هو لتحقيق امانى وطموحات الأمة، والسعى لتنفيذ برامج تنموية وإصلاحية كانوا قد وعدوا الشعب بها. كما ينبغى عليهم إدراك ان القسائم التى وضعت فى صناديق الأقتراع ليست طلبات إنضمام لكيانات سياسية لأن حملاتهم الأنتخابية تمت على خلفية برامج ووعود للتنمية والتطوير وليس على اساس طلبات تزكية لأحزاب وتحالفات.

فى تقديرى ان “الأرادة” فى ليبيا “محررة” وهى ليست غائبة كما يتصور البعض لأن الشباب قد قاموا بدفع إستحقاق “الفاتورة” مع اول قطرات دم زكية روت الأرض الليبية يوم فجروا ثورة 17 فبراير المباركة ثم انطلقوا يزمجرون كالأسود: “قد تحررنا وحررنا الوطن”. نعم لقد سطر الشباب بدمائهم الزكية واشلائهم المقطعة ملحمة قل مثيلها فى هذا الزمان. ما نراه غائباً اليوم ليس “إرادة الشعب” بل “إرادة القرار السياسى” الذى يطمئن الشعب بأن “القيادة السياسية” فى “حالة إنتعاش” وليست فى “غرفة إنعاش”. وحتى يتحقق ذلك سنظل نسير للأمام ونحن نردد: “وين حوش بو سعدية”؟ وما نأمله ان لا يطول سماعنا لصدى اصواتنا “المبحوحة” ونحن نجيب انفسنا بأنفسنا : “قدم لقدام شويه”.

___________________________________________________________

اسجل هنا إمتنانى لوزارة الداخلية الليبية التى وضعت لنفسها برامج عمل انية واخرى بعيدة المدى من اجل إعادة الأمن لربوع بلادنا الحبيبة والتى باشرت فعلياً فى تطبيقها.

مقالات ذات علاقة

خلجات حول الشعر

المهدي الحمروني

حدث فى يوم السبت 7 مارس 1964

المشرف العام

هل يمكن للرجل الشرق أوسطي أن يكون “فيمنست”؟

محمد النعاس

اترك تعليق