النقد

اختفاء .. قراءة في رواية (اختفاء) لـ”هشام مطر”

يمكن شرح الاختفاء بأنه صورة لعدم الحضور الفيزياء للشيء المختفي مع العلم بوجوده، وخارج هذه المحاولة –الفاشلة في ظني- للاقتراب فلسفياً من هذا التعبير، فالاختفاء في حد ذاته ظرف، لا يحدده زمن، ولا يمكن الجزم بعدم ظهوره أو انتهاء فترة صلاحيته، فهو حالة قائمة –موجودة-، نتعايش معها، نعايشها، ندرك بالتجربة الطريقة المثلى للتعامل والمعايشة اليومية. هذا التعايش لا يعني تسليمنا ببقاء الشيء مختفياً أو الإقرار بفقده، بل قدرة المختفي على الظهور، وهو الإيمان بأنه لا شيء يمكنه الاختفاء مطلقاً.

 غلاف رواية اختفاء

وفي هذا العمل، لا نقف على اختفاء واحد، أو على مستوى واحد للاختفاء، بقدر ما نقف على أكثر من مستوى للاختفاء، تتوازى جميعها وتتقاطع في شخص بطل الرواية “نوري”. الذي يعايش الاختفاء قبل وجوده، ويعايشه بعد وجوده، ويستمر. وبقدر ما يبدو عليه الأمر من غرائبية، إلا إنه في واقع الحياة أمر يتكرر كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة يولد فيها إنسان اسمه “نوري” أو يوازيه.

اختفاء أول

لا وطن.

يبدأ مستوى الاختفاء الأول من هذه النقطة، لا وطن، أي لا مكان. واختفاء المكان هنا لا يمس أبطال النص بقدر ما يمس “نوري” بطل الرواية. فهو كطفل يعيش حياته في عدم وجود وطنه (اختفاءه) مع وجوده علماً، وهذا العلم لا يعنينا كقراء، بقدر ما تعنينا حالة اختفاء الوطن، لذا لم يهتم الكاتب بذكره مباشرة في متن الرواية، بقدر ما اهتم برصد انعكاس الاختفاء في شخص البطل، على العكس من والديه اللذان يعيشان الفقد، فقد الوطن، كصورة أو معنىً يوازي الاختفاء أو يلتقي معه في زاوية حادة، فالوالدان هما صلة البطل بوطنه المختفي، وهو بنى علاقته على الارتباط بهما أكثر منه، فهو معلوم (معنوياً) وهما معلومان (مادياً). بالتالي لا معنى للوطن أو لا صورة وجدانية له، هو مجرد اسم، تمثله وجدواً العائلة، ومن ينتمي إليه من الأصدقاء، ووجداناً ذكرى في حديث أو خاطر.

اختفاء ثاني

ولأنه بطل، فلابد من معاناة.

وهنا لا يحمل الكاتب بطله أكثر مما يطيقه، بل يجعل القدر يفتح باباً آخر للاختفاء، لتخرج من خلاله الأم. وبالرغم مما تمثله الأم من دلالة ورمزية في العمل الإبداعي. إلا أنها هنا في حضور الاختفاء، تنتهي سريعاً فيه.

مع الأم يعاني البطل معنى الاختفاء، معني الفقد، معنى أن ينتهي وجود شخص ما –شيء ما- فجأة، أو أن تكتشف أن لا وجود للشيء، خاصة في غياب الواعي الذي يمكنه تفسي الاختفاء، أو سببه. وهنا ينقلنا الكاتب للمستوى الثاني، وهو ذلك الألم الذي يسببه الاختفاء، بداية، ثم كيف يبرد لأن وعي اللحظة –لحظة الاختفاء- لا يقدم لنا الكثير من الأجوبة. بعدما كان الاختفاء مقبولاً في عدم حضور الوعي به (مسألة الوطن). التعايش هنا، يعني تعلم مفردات التعامل مع الاختفاء وقبوله فرداً يمكن الإيناس به.

ولقد استطاع “نوري” أن يطور أدوات تواصله بشكلٍ بطيء، كونه لا زال يملك طرفاً يعيد فيه صورة الفقد وهو والده، وزوجته (زوجة والده). والده كحالة تواصل مادي مع الفقد، متمثلاً في اختفاء الأم، وزوجة الأب كحالة تواصل عاطفي مع الفقد، نتيجة لحالة الفراغ أوجدها اختفاء الأم.

اختفاء ثالث.

لابد للدائرة من أن تكتمل.

يقال (إنّا لا ندرك قيمة الشيء إلا بعد أن نفقده)، وقد يحرف أحدهم المقولة لتكون (إنا لا ندرك قيمة الشيء، إلا بعد اختفائه)، وبالرغم من قرب المعنى إلا أن المفهوم في كليهما يختلف، لأنه يتعلق بالإيمان، الذي ينقطع في مسألة الفقد، انتهاء الشيء، ويظل حاضراً في اختفائه.

ولكي يكون بطلاً حقيقياً، عليه أن يكمل دائرة الاختفاء، فيختار الكاتب لحظة مباغته ليعلن اختفاء الوالد، ليعلق البطل في الفراغ. فالأب بما يمثله من دور مهم في حياة البطل، يختفي في ظروف غريبة ومشبوهة، تجعله يعيد تقييم كل شيء، بالرغم من إيمانه به كأب.

وهكذا يقطع “نوري” بطل الرواية مستويات الاختفاء الثلاثة:

– الاختفاء بمعنى الانقطاع (الوطن).

– الاختفاء بمعنى الفقد (الأم).

– الاختفاء بمعنى العودة (الأب).

وبذات البطء، يبدأ البطل بناء علاقته مع حالة الفقد الجديدة، معيداً بذات البطء تقييم ما توافر من علاقات، بالاعتماد على ما تراكم من خبرات ووعي ومعرفة. ولأن أمل العودة أو الإيمان بعودة الأب، ووجوده ظل قائماً، تحول إلى طاقة بحث، اكتشف فيها بطل النص “الابن” الأب في صورة جديدة، واستطاع في ختام قصته أن يجد وطناً يسكن إليه، كأرض يقف عليها بدل التعلق في الفرغ، وأماً يأخذ من عطفها. وبالتالي يجد البطل شيئاً يمسك به، يتيقن فيه وجوداً.

***

في روايته (اختفاء)* يركز الكاتب “هشام مطر” على الاختفاء في مستوياته الثلاثة كمحور للنص، بحيث تعمل بقية الأحداث لدعم الحكاية وجرنا إلى دائرة الاختفاء، خاصة عندما يتعلق الاختفاء بالأمل، في مستواه الثالث، إذ يعيد الكاتب هنا سير شخصية في “نوري”، خطها الأساس الاختفاء (القسري)، وغايتها الأمل في عودة الغائب.

قد لا تكون هذه القراءة موجهة للرواية كنص، بقدر ما هي مقاربة في جزء منه، رأيته الطاغي على النص فكراً وإبداعاً، والمحور الذي أعاد فيه الكاتب اكتشاف نفسه. وفي ظني أن “هشام مطر” بعد (بلاد الرجال) و(اختفاء) سيكون عمله القادم في ذات المحور وربما تكون روايته القادمة بعنوان (شمس).

_________________________________

* اختفاء (رواية) هشام مطر – ترجمة: محمد عبد النبي – صادرة عن: دار الشروق – القاهرة/2012 .

نشر (الملحق الثقافي – ميادين) العدد: 100 – 9-15/4/2013

مقالات ذات علاقة

حدث ويحــــدث

صلاح عجينة

رواية موشومة بالموروث النسائي الليبي

إنتصار بوراوي

التماسك اللغوي المكون للخطاب الحكائي عند زياد علي (الطائر الذي نسي ريشة) أنموذجا

المشرف العام

اترك تعليق