قصة

اتـــهام

من أعمال المصور الفوتوغرافي طه الجواشي

في طفولتي كنت مزهوة بضفائري الطويلة المسدلة بعناية على جانبي وجهي، والملفوفة بشرائط حمراء فاقعة، شعري الكستنائي اللامع تبهجني رؤيته في المرآة، آخذ وقتا كل صباح في تسريحه بمختلف الطرق، أعمله ضفيرة واحدة ثم أفكه وأتركه منسابا، ثم أعقصه للأعلى على هيئة ذيل الحصان، لأعود وأحرره من جديد، واتركه كشلال أزهو بانهماره على كتفي، كنت قد مهرت في تشكيله رغم صغر سني لشعوري انه شيء جميل حباني الله به..

(أنت بنت) كانت أكثر عبارة تزعجني كلما كررتها أمي لمنعي من القيام ببعض الأشياء التي أحبها، كاللعب مع أخوي اللذين يصغرانني سنا، أو حتى عندما أجلس جلسة لا تعجبها، أو أقول كلمة لا ترضيها، عندما بلغت التاسعة صارت تكررها كثيرا، حتى بدأت اشعر وكأن تلك الكلمة التي أزهو بتفاصيلها اصبحت شيئا يعيبني ويسئ لي.

كنت لا أخرج الا نادرا، ولا أطلب من امي ان اكون بصحبتها في اي مشوار، المكان الوحيد الذي احرص على الذهاب إليه هو مزرعتنا التي كان ابي بعد كل اسبوعين او ثلاثة يذهب إليها من اجلي انا بالذات لقلة خروجي، عشقي للطبيعة والأشجار والعصافير والورود جعل تلك الرحلة بالنسبة لي بوابة للحياة والمتعة انتظرها بفارغ الصبر.

دخل ابي ذلك الصباح يحمل اكياس الخبز والخضروات، وبعض الأشياء الجميلة التي كان يجلبها عادة معه، قال لي جهزي نفسك اليوم للذهاب للمزرعة، تلك الوردة التي زرعتها منذ فترة من الممكن ان تجديها قد تفتحت.

رقصت فرحا لهذا الخبر، وجهزت ملابسي قبل ان نتناول وجبة الغداء. في الوقت المحدد للرحلة سرحت ضفائري بعناية وارتديت فستاني الأخضر الجميل وخرجت وكلي بهجة ومرح، فوجئت بأمي تقول لي:

– لا تذهبي انت بنت وكبرت على المشي معهم، ابقي معي لتساعديني في أعمال البيت!!

شعرت بالحزن! وانهمرت دموعي غزيرة على خدي، نظرت اليها باستجداء الا انها اصرت على عدم ذهابي، نظرت من نافذة غرفتي، رأيت سيارة أبي مازالت موجودة، ومضت في رأسي فكرة، لم ير   عقلي الطفولي حلا سواها.

بعد لحظات كنت انطلق بسرعة البرق، ركبت السيارة بعد ان فقدت نصف فرحتي. انطلقت السيارة ببطء.. لوحت لأمي بحزن بعد ان رأيتها  تخرج من النافذة والدهشة تعلو وجهها!!

 نظرت الى نفسي في المرآة بأسى ،كان شعري  مبعثرا كفزاعة ولا ابدو جميلة في سروال الجينز الذي ارتديته بعد ان قصصت جدائلي الطويلة ونزعت فستاني الاخضر الزاهي  ووضعتها لأمي على مقعدها المعتاد في المطبخ  كي اتمكن من  رؤية  وردتي.

مقالات ذات علاقة

دار الغولة

رشاد علوه

فِي انْتٍظَار لَيْلَة القَدْر

سعد الأريل

اثنان

محمد العنيزي

اترك تعليق