من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
قصة

ابنة النور

خيرية فتحي عبد الجليل

Fathia_Jeroshi (2)

لا مفردات أسد بها ثقوب القلب أمام تيارات الحنين هذه الليلة . أقلّب محبرتي ، أهزها ، أنظر من خلالها ، لا حبر يكفي لكل هذا الوجع . كنتُ مسلوبة من الكتابة وممنوعة من البوح . بهت القلم ، جف وانزوى في ركن قصي من طاولتي ، توارى خجلاً تحت أكداس الأوراق التي ظلت بيضاء من غير سوء،. حاسوبي صامت ، ساكن ، مركون في زاوية من زوايا غرفتي ، لا كهرباء ، لا شحن يسري في جسد بطاريته القديمة ، لا حياة ، لا قناديل ، لا فرح ، لا نار ولا نور . شمعتي ترتعش وحيدة ، تعاند كي تصمد أمام ظلام القلب والروح والذاكرة والمكان ، وأنا أرتعش كلما شعرتْ بالنار ، وكلما بكتْ ، وأرتعش تحت سماء بنغازي التي تمزقها أصوات طائرة حربية مجهولة الانتماء ، مجهولة العلم والوطن والهوية. أصوات ، طيف رصاصة وأقدام ثقيلة تخترق الصمت القاتل ، ربما حالة اقتحام ما في الشقة المجاورة ، تعلو صرخة طفل و يخفق قلبي بشدة، يخفق كلما بكتْ المسكينة ، وأبكي كلما أكلتْ الثواني من جسدها وارتعشتْ في ثوبها الأبيض الذي يبدو كالكفن .. صديقتي التي مسحتْ بدموعها ظلام غرفتي هذه الليلة ، تتآكل وتذوي ، تتلاشى ، تذوب شيئاً فشيئاً .
نظرتُ من النافذة ، السماء ملبدة بالغيوم ، هربتْ النجوم أمام هدير الطائرة المجهولة ، من مكانٍ ما ندتْ آهة مرعوبة ، استغاثة راجفة مزقت ليل المدينة ، القمر سقط في بركة راكدة ، اهتزتْ دوائر دوائر، ذاب الفضي في اللون الأحمر المتدفق من الجسد المتهالك ، لعله جندي ، أو مواطن أو طفل أو قط ، قلبي ملبد بدخان المعارك والطائرات والقذائف العشوائية، وحصاد الرقاب في المدينة .
بكتْ صديقتي ، اهتزتْ ظلال الأشياء على الجدار المقابل، تراقصتْ الأشباح في الفراغ المتروك بين ستائر النافذة القاتمة، وقفز الخوف والرعب إلىّ ، ملأتْ الفجيعة قلبي. أخاف أن تموت صديقتي قبل أن تعود الكهرباء وقبل أن تهدأ سماء المدينة ، بكتْ ثم بكت، إختنقتْ الكلمات في حلقي وبكتْ ، سقطت دموعها الحارة على طرف ورقتي وتجمدتْ ، ألتحم جسدها بالإناء الصغير، ذابت، ارتعشتْ ذبالتها، بكتْ ثم أنطفأ القلب وسكنت الروح وهاجت الذاكرة، بكتْ، لفظتْ آخر دمعة فاشتعلتْ المدينة، وعمَّ الظلام أرجاء غرفتي الصغيرة .

البيضاء – ليبيا

مقالات ذات علاقة

الخروج من الغابة

أحمد يوسف عقيلة

خُـفُّ

محمد الأصفر

خَطّ أَحْمَر..!

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق