النقد

إِخْفَاءُ المَحَاسِنِ وَإِظْهَارُ العُيُوبِ


إِنَّهُ لَمِنَ المحيِّرِ –حَقًّا– أنَّ كثيرًا منَ النَّاسِ قد دأبوا على إخفاءِ محاسِنِ المرءِ، والتَّكَتُّمِ على أفعالِهِ الطَّيِّبَهِ، وإبرازِ عيوبِهِ وخطايَهُ، والمجاهرَةِ بمساوئِهِ وَزَلَّاتِهِ وَسَقَطَاتِهِ، لا أدري؛ هل هي النَّفِسُّ البشريَّةُ المجبولَةُ بَالحَسَدِ، والنَّزَّاعَةُ إلى الشَّرِّ، والْمُنْجَرَّةُ إِلَى الِإسَاءَةِ وَحُبِّ الإِيذَاءِ، والمائِلَةُ إِلَى اقترافِ الآَثامِ، وارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، أَمْ أَنَّ ثمَّةَ سِرًّا آخرَ لا يعلمُهُ إلا الله وراءَ هذهِ النَّزْعَةِ العُدْوَانِيَّةِ الشَّنِيعَةِ..!؟
يَقُولُ طُرِيحُ بْنُ إِسْمَاعِيلٍ الثَّقَفِيُّ:
إِنْ يَسمَعُوا الخَيْرَ يُخْفُوهُ وَإِنْ سَمِعُوا ** شَرًّا أَذَاعُوا وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا كَذَبُوا
وَالبيتُ مِنْ قَصِيدَتهِ الَّتِي ابْتَدَرَهَا قَائِلًا:
يَا ابْنَ الخَلائِفِ مَا لِي بَعْدَ تَقْرِبَةٍ ** إِلَيْكَ أُقْصَى وَفِي حَالَيْكَ لِي عَجَبُ

وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ الشَّاعِرُ الشَّرِيفُ الشَّارِف الحرنة:
إِنْ كَانَ دِرَتْ زَيْنَه حسدهم يعميهم ** وِإِنْ كَانَّك اِغْلَطِتْ لْغَلَطَتَكْ حَقَّاقَهْ
وَذَلِكَ من قَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ مَطْلَعُهَا:
اَشْحَال خاطرَكْ يا خور بعد افْراقهْ ** فريق فاهقه ما جَتْ عليه اِغْلاقَهْ

كَمَا أَنَّ الْبَيْتَ التَّالي لِلشَّاعِرِ نَفْسِهِ يَحْمِلُ ذَاتَ الْمَعْنَى مِنْ إِشَاعَةِ الأَخْطَاءِ وَالتَّكَتُّمِ عَلَى الحَسَنَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الأَفْعَالِ وَالخِصَالِ:
أَشْقَتْنِي امْعَازَاةْ الرَّفِيق المايع ** يْشيْع فِ الخَطا والطَّيِّبه مطموره
والبيتُ من قصيدتِهِ (ذكرى الشَّبَاب) الَّتِي يَقُولُ مَطْلَعُهَا:
عِلَيّْ شَوَّمَتْ تبهيتي فِ الصُّورَه خطر عهد بَكَّى خَاطْرِي بِخْطوره
أمَّا الْبَيْتُ الْمَقْصُودُ وَرَدَ فقد ضِمْنَ هذا المقْطَعِ الشِّعْرِيِّ الجَمِيلِ:
خطر عهد ماضي ضايع ** تَكَدَّرت جا دمع المواقي طايع
ونا قبلها ناظر نصيب فجايع ** وسيل الكواين شالني طيفوره
وصاحب وَفَاء ماني خبيث طبايع ** بعيد المواجع سَيِّتي امحجوره
وفات وقت وأنا غير شاري بايع ** نتاجر ومَا لَمَّيت لا مْحتوره
أشقتني امعازاةْ الرَّفيق المايع ** يْشيع فِ الخَطَا والطَّيِّبه مطموره
كَمَا أَنَّ لَهُ هَذِهِ الرُّبَاعِيَّةِ الَّتِي حَمَلَتْ مَعْنَى الْبَيْتِ الْمَقْصُودِ نَفَسَهُ:
ما ايريِّح النَّاسْ دَنْوَاهْ ** جار النَّكَدْ والفسالةْ
اللِّي إن قابله خير يكمَاهْ ** وإن كان قابله عيب قاله

وهَذِهِ الرُّبَاعِيَّةُ النَّسَوِيَّةُ تَحَمْلُ الْمَعَانِيَ نَفِسَهَا الَّتِي يُظْهِرُ مِنْ خِلَالِهَا النَّاسُ السُّوءَ، وَيَكْتُمُونَ الخَيْرَ:
احنا يا بنَاتْ الغريباتْ *** ياما لْنَا من غَبَاينْ
إن درنا الخير مجحودْ *** وإن دِرْنا الشَّرّْ بَاينْ
وفي ذَاتِ السِّيَاقِ يَقُولُ الغنَّاي يوسف الدَّريبي:
عَلَل الشَّوْقْ ما يَنْشَال … والمُوجَعَةْ عَلي طول تصلهم..!

وكلُّ هذهِ المعاني حَسَنِهَا وَسَيِّئِهَا تُجْمِلُهَا هَذِهِ الأبياتُ الرَّائعَةُ الَّتي لم َأَقِفْ عَلَى اسْمِ قَائِلِهَا:
اتِّدير العطيبه كِلَّها تحكيبك ** والزَّيْنَه اتدير وفيك ما تنقال
وأوَّل الناس الغايبين قريبك ** يوم الملمّْ اتعوز للعوال
وأوَّل امسيِّب حومتك صاحيبك ** إن كان دنيتك شانت وْرَقّْ الحال
اتعاف السَّوَايَا والزَّمَان ايجيبك بيش ** الزمان ايعرَّفَكْ لنذال
الناس ما اتضمَّك غير في ترحيبك ** وْين اتَّوارى ياكلوك اوكال
توجع صحيح ايمجِّدوه عطيبك ** ويبقى قليل العرف مِ العِقَّال
اليوم البصير ايحادفك ويصيبك ** وخلوةْ النَّجْع اتفرْسِن الذَّلَّال

____________________________________________
* من مخطوط كتابي #مُوَازَنَاتٌ بَيْنَ شِعْرَي الْفُصْحَى وَالْعَامِّيَّةِ.

مقالات ذات علاقة

واقعية ‘الفينيكس’ السحرية

المشرف العام

من أنت أيها الملاك.. قراءة في رواية “إبراهيم الكوني”.. إغواءات لدعوة سرّية

المشرف العام

“ليبي تشيو” بطل رواية (الكلبُ الذهبي)

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق