المقالة

إنه زمنُ الصورة

 

ما تزال الكلمة المقرونة بالصورة والضوء, تحقق الانتصار تلو الانتصار على تلك المكتفية بالكتابة, حتى لقد انحسرت وظيفة الكتابة إلى أقل من الحد الأدنى.

على أن الازورار عن الكلمة المكتوبة والاستسلام للأخرى المقرونة بالصورة والضوء يبدو في الشعوب المتخلفة أشد أثراً. وعلة ذلك أن الآخرين وبحكم أسبقيتهم وقدراتهم على الاستفادة من كل جديد. استطاعوا أن يوظفوا هذه الوسيلة الخطيرة الممثلة في الصورة والضوء لما يفيد أجيالهم وقطاعات مجتمعاتهم أكثر فأكثر. سواء من حيث أساليب التعليم على الوسائل السمعية البصرية أو من حيث تقنية المعلومات في طرق البحث وحفظ الوثائق وتسهيل سبل الاطلاع وحسن تخزين المعلومات وتيسير العودة إليها عند الحاجة.

والأمر هنا لا يحتاج إلى الكثير من العناء, فمن يفلح في اختراع الآلة يستطيع قبل غيره أن يحدد المبتغى من وجودها, ابتداء من مصطلح الاسم ووصولاً إلى طرائق الاستعمال وحسن المردود, وكثيراً ما يهدر بعض المستهلكين وقتهم في الأمور الشكلية وفي مقدمة ذلك الانشغال المبالغ فيه بمسألة المصطلح, تحت مبرر الحرص على صون الهوية وما في حكم ذلك من المحاذير.

كثر هم الذين أزعجهم التأثير غير العادي للكلمة المصورة. وما يشكله هذا التأثير من خطر على التكوين المعرفي للصغار ومتابعة التحصيل للكبار, الأمر الذي لا يتأتى بدون الإقبال على الكلمة المكتوبة ومجالستها الساعات الطوال, وقد يمكنني شخصياً أن أشير هنا إلى أنني من بين الذين استشعروا مثل هذا التأثير, فعمدت في أحيان كثيرة إلى التقليل من الجلوس أمام الشاشة الصغيرة, وحاولت أن أعود عدداً من الذين حملت مسئولية تنشئتهم على مثل هذا الخيار, لكن ذلك لم يدم طويلاً, فسرعان ما تلاش أثر التوجيه ولاسيما عقب تدفق البرامج الوثائقية والصور الملونة وما دأبت عليه الفضائيات من التنافس القوي إزاء كل ما يبث ويتصل على نحو ما باهتمام المشاهد.. انطلاقاً من الخبر الغريب والحدث العاجل، ومروراً بالتحليل المعبر والمقابلة والعرض الفني والإعلان المتقن, ففي هذه المناحي مجتمعة صار للصورة أثرها الذي لا يضاهى ومفعولها الذي لا يجاريه أي مفعول آخر، لقد غدا واضحاً أن العالم في مجمله قد أصبح قرية صغيرة وفضاء يمكن للعبة أن تشهد كل أحداثه في عدد محدود من الساعات، سواء تلك الأحداث المتصلة بالسياسة وما ينتج عنها من صراع يصل في أحيانٍ كثيرة إلى حد الغزو بالسلاح وأحدث أنواع الصواريخ الفتاكة، أو من حيث التطورات العلمية المذهلة وما يجري في ميادين من أدق العمليات وأخطرها، وأجد الاكتشافات وأعمقها، وما تحرص على نشره كبريات الصحف والمجلات وما تقدمه كذلك من أجد الكتب أشهر المكتبات.

بل لعل هذه الوسيلة الفعالة في دنيا الاتصال والتبليغ, استطاعت في مجال الثقافة على سبيل المثال أن تستولي على دور الكثير من المؤسسات التي اعتادت أن تقوم بتنظيم الموسم تلو الموسم, فقط بالإمكان أن يتم كل شيء بواسطة الشاشة الصغيرة وفي حلقات لا يزيد عدد المشاركين فيها عن ثلاثة أشخاص وعلى الأكثر خمسة, حيث بات ميسراً كل التيسير أن نطرح بواسطة هذه الوسيلة الفعالة أشد القضايا الفكرية و بالجملة المعرفية تعقيداً، ولم يعد صعباً على أي كان أن يسهم في المناقشة عبر هذه الفضائية أو تلك ليدلي برأيه في مختلف الشئون ويعلن عن موقفه في أي مجال يشاء، وصار من رابع المستحيلات أن يزعم كائن من يكون أن يفلح في الحجر على هذا الرأي أو ذاك أو يحجب هذه المعلومة أو تلك، فكل المعلومات متاحة وكل الأخبار منشورة ومذاعة وكل الآراء تعرض, وهيهات لأحد أن يحجر على غيره ما يريد أن يحجر, وهكذا وجدتنا لا نتابع عروض فضائية من الفضائيات إلا وننتقل إلى الأخرى, بالرغم من أن الكثير منها قد ربط بخيط واحد ووظف لغاية شبه موحدة، وما ذلك إلا لما توفر لهذه الوسائل من الإتقان والمرونة والإدراك الواعي لطبيعة المرحلة وما تفرضه من ضرورة نقل المعلومة، واليقين باستحالة التفكير في حجبها أو إثقالها بالتوجه العقائدي.

إن زمن الصورة فيما يبدو, ساد ولا رجعة عنه ولا مخرج كذلك, ولكن الملح الآن هو كيفية مواكبة ما لدينا لما ينتج الغير, والتمثل الجيد لحجم المتغيرات, وما طرأ على هذه الوسائل من تطور مذهل, وما تحقق له من استقلالية غير مسبوقة.

مقالات ذات علاقة

شارع

فريال الدالي

تشويشهُن

فاطمة غندور

الموضوعية و«الثقوب السوداء»

عمر الككلي

اترك تعليق