قصة

إلى متى.. ؟

لبكاء .. البكاء .. البكاء يملاء المكان ..يتردد داخل تلك الغرفة المظلمة المهترئة الجدران .. بكاؤها الحزين يأتي من ذلك الركن بجانب النافذة المكتسية بدبق سميك جعلت نور الشمس يدخل خافتاً ، باهتاً .. جو ينذر بالمطر..جالسة هناك كانت على ذاك الكرسي في انكفئتها الباكية دون أن تتعب.. تعزف نشيج يمزق القلب..بكاؤها ذاك ملاء الأرجاء وانعكس على جدران الغرفة الخالية المظلمة..بدت كالشبح في ملابسها الرمادية وهي تغطي وجهها بكفيها مستمرة في ذرف الدموع ..ملاء بكاؤها سمعي وطغى على عقلي ..راح يتردد..يتردد بعنف..ثم..

ذلك المشهد كان ولا يزال يتكرر في استمرارية لا نهائية منذ وقت طويل.. أقوم من النوم ولا يزال جزءٌ مني في النوم والأخر في اليقظة ويظل صدى البكاء يغمرني وعبق الغبار في تلك الغرفة يملاء أنفي ..يجعلني أشعر بالضيق وطبقة من العرق الثقيل على جبيني تلتصق بي.. تجعلني أشعر بالوهن والاشمئزاز …

   كان المنظر لا يزال في عينيّ ..أراه في غرفتي المظلمة إلا من نور خافت يأتي من شرخ في النافذة أحال اللون إلى رمادية مظلمة مقبضة..بدا أنني لا أزال نائماً ، لم أكن أفرق بين لحظات اليقظة والمنام كنت كمن يأخذه النعاس؛جزء منه هنا والأخر ليس هنا…ثم أستفيق وتراني انتظر أن يكتمل مشهدٌ أخر من تلك المشاهد الني تطلع علىّ كل ليلة بعد معاناة شديدة في طلب النوم.. عندما استفقت أول مرة تساءلت عن ماهيته ..وماهيتها ،ثم نسيت. وعندما تكرر للمرة الثانية استغربت.. لكن الأمر لم يتوقف وأصبح يأتي كل ليلة ..إلى أن وصلت إلى درجة لم أعد أفرق بين إيقاظي ومناماتي ، بين الحقيقة والخيال ، وبقىّ سؤال واحد تمنيت بصدق أن أجد الإجابة عليه دونٌ عن بقية الأسئلة وهو ..إلى متى؟؟.

    بسطت كفيّ على وجهي محاولاً أن أستفيق كلية لأعود إلى الواقع ..جلست على السرير وغلالة من الضباب الرمادي تلفني من الداخل والخارج و صدى إلى متى؟ يتردد في كل الانحاء.فركت وجهي وعزمت على النسيان والاستيقاظ نهائياً ..مددت يدي لزر بجانبي لأضفي النور على المكان لأرى معالم الأشياء التي لا تتغير أبداً ..جلست على حافة السرير وقد بداء الضباب بالاندحار أمام الضياء.

    وقفت مترنحاُ ..سانداً نفسي على الجدار ..فرقعت مفاصلي ومشيت إلى أن وصلت إلى المرآة ونظرت إلى شخص طالما حاولت أن أعرفه وبدا لي على الدوام غريبا عني…

                                              ***   ***    ***

 – سيكون الغد جميلاً ..!!

    برقة خرجت تلك الكلمات من ثغرها الباسم .

 – هل سيكون ؟؟.

      أجبت بلا اكتراث.

 – بالتأكيد مادمنا سوياً سيكون ويكون أجمل وأجمل!!.أليس كذلك..

 – لا أدري ..هل سيأتي الغد الآتي أم…

 – لا تكمل بالتأكيد سيأتي..

     ترجمت عيناها الكلمات بأبلغ مما يقال باللسان.

     نظرت إليها ورأيت رقة روحها ، غضة كالياسمين ..لا تحتمل اللمس أو الصدمات …أنا اللاإنسان ..أنا شبه الشيء، الجالس أمام كل شئ..

    علت ضحكاتها وملاءت مسامعي..أمتدت ألسنة البخار المتصاعد من فنجان القهوة حاجباً معالم وجهها مفرقاً بيني وبينها ..وازداد الشرخ تصدعاً..وبدا أن الصورة ستتحطم .

                                            ***    ***     ***

     تحطمت المرآة ..حطمتها أم حطمها ذلك الذي كان بها ..وتناثرت قطعاً على الأرض وفوق المنضدة.

     غطيت وجهي بكفيّ لأستفيق من حلم اليقظة..كابوس اليقظة..جلست على الأرض متهالكاً مستنداً على نفسي المستندة علىّ .كسيحٌ يحمل كسيح..

    خرج ذلك السائل من مقلتيّ دون أن اُعلِمه بأن يخرج ..خرج ليفضحني ..مسحته بأطراف أكمامي. وقفت متثاقلاً . توجهت خارجاً من الحجرة إلى الحمام ..وقفت إمام حوض الماء في الظلام..اشعلت الضوء ..وأمامي وجدته يقف من جديد ، ذلك الغريب أم أنا الغريب..بدا وجهي متغضناً وشعري متهدلاً وغزا الشيب معظمه وتساءلت عن عمري يا ترى كم مضى منه وماذا حلّ بتلك السنون التي داس عليها الزمان بعنف فحطمها ولم يبقِ منها سوى رماداً علا شعري..انطفاء النور الذي كان في عينيّ وغاب الفرح من على شفتيّ ولم يبقَ مني إلا هذا الذي أجهله وأنكره واتبراء منه ولا مهرب..

     فتحت صنبور الماء  وانساب خيط قوي منه إلى الحوض..إلى البالوعة التي فتحت فاهها لتبتلعه دون أن تتعب من الشرب ..بدت وكأنها تكبر وتكبر وشعرت أنني أغرق فيها ..غمرتني ظلمتها ..مددت يدي لأغلق فمها وأمنعها من بلعي أنا أيضاً ..ورجعت لمكاني وبداء السائل يتجمع في الحوض ..رويداً على مهلٍ يرتفع ..وضعت رأسي تحت الماء المنساب علي بذلك اطرد النوم وأغسل ما علق بي من أشياء لا أعلم كيف وصلت وتشبثت بي.

      فركت شعري بهدؤ..ثم بقوة وقوة ..خدشت فروته دون أن أشعر بالألم ..حتى تعبت ووجدتني أعبّ الماء المتجمع في الحوض.

   توقفت وأنا ألهث تعباً..أغلقت الصنبور .. انزلقت قطرات الماء من وجهي والخصلات متساقطة في الحوض كالمطر الخفيف…

                                              ***   ***    ***

     ينهمر المطر خفيفاً رقيقاً على المكان.. وهي بجانبي نجلس على هذا الكرسي ..تنظر إلى المدى وإلى الأعلى ، ثم تلقى النظر إلىّ بعينين دفيئتين، تنتظر مني أن أقول شيئاً، وأنا لا أقول..

  – تكلم أرجوك ..لا تبق صامتاً هكذا..

 – ماذا تريدينني أن أقول ..

 – لا شئ فقط اجعلني استمع لصوتك الذي يسحرني :

” صوتك يهمي عليّ

  دفيئاً ..مليئاً .. قوىّ

   كصوت نبيّ.

   كصوت ارتطام النجوم

  كصوت سقوط الحليّ ” *

  – كفى ..أنت تحبين هذا الشاعر الذي لا يروق للكثيرين .

 – أنا لا أحبه ولكن لديه أبيات رائعة أحبها لمعانيها الفريدة .

 – حسناً يكفي ذلك ..أرجوك ليست لديّ الرغبة في الحديث ،اتركيني في صمتي..

 – ماذا جرى لك .هل أنت محموم ؟؟..

 – لست كذلك …اتركيني …

     صرخت بصوت عالٍ ..أرعدت السماء وتحول المطر الخفيف من حولنا إلى عاصفة مفاجأة واشتدت الريح وتشرخت الصورة أمامي أو ما تبقى منها وانتثرت متحطمة إلى قطع دقيقة حملها الريح معه ..وألفيتني وحيداً أجلس، يبللني المطر..

                                              ***   ***   ***

       تساقطت القطرات منسابة من خصلات الشعر على وجهي بهدوء في الحوض صانعةً تموجات ..تتكبر..لتنتهي.

    انعكست صورتي على صفحة الماء ووجدتني أبدو أكثر غرابة عن نفسي.. بدت عيناي جاحظة واسناني مدببة وشعري…كنت مقرفاً .

    “كلا هذا ليس أنا ” صرخت بهستيرية ..مددت يدي لأجعل الماء ينساب في البالوعة وراحت صورتي معه تتميع وتدور في دوامة كبيرة لتغرق في ذلك الذي فغر فاهه الأسود الكئيب ليبتلعني ..رحت أغوص في الماء لا أجد مخرجاً ..غارقاً في الظلام السرمدي اللانهائي..

12/12/1996

مقطع من قصيدة (شؤون صغيرة) للشاعر الكبير (نزار قباني)..ديوان حبيبتي 1961

مقالات ذات علاقة

لحد الحب..

حسين بن قرين درمشاكي

مدينة بلا آخرة

نجوى بن شتوان

عـربة أحـلام

محمد العنيزي

اترك تعليق