المقالة

إلا حبيبي.. إلا سلام قدّري

لقد أصدر في الأيام القليلة الماضية (عمرو دياب) – هكذا من غير ألقاب، وأجرده حتى من تسمية (فنـّان) بالأساس، لأني منذ أنْ استمعت إلى صوته في مطلع الثمانينيات، إبان ظهور الموجة الهابطة والساقطة، أو بالأحرى، المُسقِطة للذوق العام، التي تهافت عليها الشباب من أبناء جيلي أنذاك، لم أقتنع بأنه يستحق أيِّ لقب من هذا القبيل، الذي قد يُرمى به أيِّ شخص له علاقة بعالم الفنِّ ومجال الغناء، فهو لا يعلو حتى إلى مصاف (المونولوجست) لأنه يذكّرني، كلما أستمعت إلى ما يطرحه في السوق من أشياء، كالتي تقدمها فرق غربان الملاهي، التي كان وما يزال – هذا المدعو – يتزعمها في علب الليل والحانات، و لست أعلم ماهيتها، فهي بظني، لا ترتقي إلى مُسمى الأغنيات، إنْ هي إلا محض صراخ ونعيق وخوار، إلى ما عداها مما تصدره الـ(…) من أصوات غير آدمية أخرى منكرة – ألبومه الأخير، الذي أسماه (إلا حبيبي) وقد أنصتُ إلى هذا العمل رغماً عني، في إحدى وسائل النقل العامة – لأني كنت منذ منتصف الثمانينيات، يائساً منه، وقد أخذت قراراً حاسماً بعدم إضاعة وقتي في الاستماع إلى هذا الصوت، لعلمي بأنه سوف لن يتحسن، ولن يتعلم أصول الغناء، لا العربي ولا الإفرنجي، فهو صوتٌ، ممسوح النبرات ومخنوق العبرات، مهزوز ومرتعش، ولا ملامح له، ولاينفع حتى أنْ يكون صاحبه، ضمن مجموعة الأصوات (الكورال) في أية فرقة موسيقية – غير أنني منذ أنْ دار الشريط داخل المسجل (نوع قاريونس ليبي التجميع) استمعت إلى مقدمة موسيقية لأغنية ليبية معروفة، حاولت تذكر كلماتها قبل أنْ يهمَّ المُغني بالغناء، وجئت لأختبر ذاكرتي، التي يحسدني عليها بعض الأصدقاء القريبين مني، فقلت في نفسي مسرعاً، قبل أن يبدأ صوت الغناء في التناهي إلى مسامعي: (عرفتها هي أغنية ” مكتوب للفنان الكبير “سلام قدري”) غير أنّ تخميني، لم يكـُن في محله، مع إنّ ذاكرتي والحمد لله، قد أصابت، ولم تُصب بأفة النسيان بعد، فاللحن كان هو نفسه، لحن الأغنية التي خمّنت بها (مكتوب) لكن الكلمات، غير كلماتها الأصلية، المدرجة أسفله، بل كانت كلمات مصرية صرفة، قام هذا المدعو بسلب لحنها ونسبه إلى شخص آخر، وأطلق عليها اسم (إلا حبيبي) ضمها ألبومه الأخير، فيا أسفي على شعبٍ أُستبيح تراثه، وأُغتصب هكذا أمام مرأى عينيه وأسماعه، من دون حتى أنْ يصرخ من وطأة الجور، الذي مورس عليه في وضح النهار، ولمرارة الاغتصاب والمهانة.

الغريب أنْ يشتري بعضنا هذا الألبوم، فيكافئ لصوص الفنّ على ما اقترفوه في حقه من جُرمٍ أدبي، فعلى أقل تقدير، يجب على الشاب الليبي، ألا يقتني هذا الشريط، أقول هذا، مع حدسي بأنّه، قد يستهزئ البعض ويستخفُّ من هكذا إجراء يسير، أراه لازماً وفي مقدور أيّ منا فعله، لكن ألا يعلم هذا البعض بأنّ ” عمرو دياب ” نفسه، كان قد فعل فعلته هذه، مع أغنية، هي للفنان “عادل عبد المجيد” ومن كلمات الشاعر “فرج المذبل” ومن ألحان المُلحِّن الكبير “إبراهيم أشرف” هي أغنية (يصعب علينا) ؟ وترقب ما قد يحصل من الجهات المختصة (الفنية والقانونية) في بلادنا، لكنه استشعر مدى السلبية والعجز وعدم الاكتراث منها في هكذا مسائل، تعني المجتمع كله بالدرجة الأولى، قبل الفنان نفسه، فذاق حلاوة ما زيّن له الشيطان من سرقات فنية، وها هو يعود لما فعله سابقاً، وكله ثقة بأنّ الأمر، سيمضي مرور الكرام على الليبيين، ولن يساءله أحدٌ، مستغلاً غياب الفنان “سلام قدري” حيث إنه كان في رحلة علاج إلى الخارج، فما سرُّ سرقة هذه الأغنية يا تـُرى ؟ غير أنها أغنية جميلة، جاءت على الأسلوب الذي ناديت به سابقاً، وأهبت بفنانينا، مراراً وتكراراً، أنْ يعتمدوه، تلحيناً وأداءً في أعمالهم، بيد أنها، نـُظمت كما أغنية (يصعب علينا) وفقاً للمقامات العربية المتقنة، التي يصاغ عليها الغناء العربي الحديث، المتحرر من إسر الغناء التقليدي – تعرضت للإهمال، وركنت في متحف الأغنية الليبية، لفترة طويلة، حتى طمع فيها الآخر، وسوّلت له نفسه المساس بها، لكأنه لا يدري، بأنها تعني وصاحبها الحقيقي – لليببين – الشيء الكثير، فقولوا معاً: (إلا سلام قدري) وأعماله، فهي محفورة في ذاكرتنا جميعاً، كي تكون هذه السرقة الأخيرة، أخر السرقات، فليس مكتوباً أنْ يُسرق موروثنا.

ليتني كنت أستطيع أن أكتب لكم لحن الأغنية، لأذكركم بها، لكني سأكتفي بصياغة مفرداتها – لعلها تفي بالغرض – التي نظمها الشاعر الكبير ” أحمد الحريري ” ولحنها وأداها ” سلام قدّري ” بنفسه، مترنماً:

سوى باعدك مكتوب واللا قرّب

واخذ على سوق الرحيل امغرب

لو جاب رجلك تاني.. تلقي في صبري ليه أحلى معاني

تلقي محبة مالية وجداني.. لا قدرت ننساها ولا نتغرب

لو باعدك واتدارى.. واخذ عليه البعد ذايق ناره

ياما وحلت في نظرتي المحتارة.. وياما القلب معاك عاش وجرّب

واخذ عليك اتجافي.. واخذ عليك اتعود قلبك صافي

هالحال معادش عليا خافي.. من كثر قلبي ما شبح واتغرّب

بنغازي _ ليبيا: 12 / 4 / 2009

مقالات ذات علاقة

حيّرتني يا (دوت كوم)

سكينة بن عامر

الفنان وهوية الفن

سعود سالم

تطور النكتة السياسية في ليبيا

عمر الككلي

اترك تعليق