قراءات

إطلالة

بحنكة وبذكاء وقاد وبسعة خيال تلتقط القاصة نادرة عويتي في كل قصة من قصص مجموعتها “لعنة الرواية” وبحساسية بالغة تيمة أو موضوعة وجزئية من الواقع الأجتماعي المحيط الذي تعيش وسطه لِتنسج على منوالها قصتها وتبني وقائع مروياتها الطفيفة التي تتجه تلقائياً إلى طرح مفارقة خفيفة وإنتاج حبكة يسيرة بلغة مبسطة ومتاحة للجميع تقريباً ولا مجال معها للتأمل والذهاب بعيداً ولا ضرورة لتحميلها أكثر مما تحتمل، فهي في الأغلب لا تقصد إلا ما تقوله لا لقصور أو خلل فيها ولكن لطبيعتها المبسطة ولخفتها ولا مواربتها والتي تعكس بالضرورة أسلوب الكاتبة الراحلة وحتى شخصيتها.

غلاف كتاب_لعنة الرواية

هذه القصص عبارة عن وقائع تتعلق في العموم بعالم المرأة ويتم تداولها شفوياً والتندر بها في الملتقيات النسائية والجلسات الأنثوية وتتكرر هنا وهناك، كلها أو بعضها، غير أنَ الكاتبة لا تكتفي بالتداول الشفهي وتلتقطها من لا مصداقية الأفواه التي قد تزيد أو تُنقص من تفاصيلها، لتؤسس عليها قصة قصيرة مكتملة الشروط الفنية.

في القصة الأفتتاحية الموسومة بـ “العين” تتناول القاصة قضية الحسد من زاوية نظر نسائية، إذ تقص علينا ما يحدث داخل إحدى صالات الأفراح، حين وبعد تألق وتوهج تسقط المرأة التي تجيد الرقص بعد انفصال كعبها العالي عن الحذاء ليلتوي مفصل قدمها وتنكفئ إلى الأرض متألمة، وبدلا من وضع اللوم على وزن المرأة الزائد أو سوء جودة الحذاء أو حتى الإعياء الذي انتابها جراء مواصلة الرقص لوقت طويل، تُفسر الحالة على أنها عين حاسد غير معلوم، أو حاسدة بالأحرى، أدت إلى سقوط المرأة وإصابتها في كاحلها، والكاتبة إذ تسرد هذا، تغوص في عالم المرأة وتفض بعض مغاليقه ولتطلعنا على ما لا يستطيع الرجل مهما أوتيَ من سعة خيال أن يحيط به في عمل أدبي، أي أن الكاتبة تكتب من وسط الحدث ومن قلب الواقعة، وهذا هو الشيء الغير مُتاح للرجل، وهذا يعد ميزة للقصة المشار إليها.

“لعنة الرواية” هو عنوان القصة الثانية في المجموعة، وعبرها تنقلنا الكاتبة إلى عالم ما بعد الموت، إذ ترقد بطلتها في غرفة العمليات حين يقرر ويؤكد الطبيب موتها في الوقت الذي تعي فيه هي ما يدور حولها إلى أن يتم دفنها وسؤالها من قِبل الملكين في القبر، تتعلق هي برغبة أخيرة وهي أن تصطحب معها رواية معينة لتقرأها هناك في مستقرها الأبدي وفي الوقت الذي ننتظر فيه كقراء انتهاء القصة وإسدال الستار بموت البطلة تفاجئنا القاصة بأن كل الذي حدث وتابعناه بقلق وبتوتر لا يعدو كونه حلم أو كابوس أو هلاوس انتابت البطلة وهي تحت تأثير المخدر الذي حُقنت به لغرض اجراء عملية جراحية في الأغلب لأن القصة لم توضح هذا الأمر ولتقوم البطلة معافاة في النهاية ويخبرها الطبيب المُشرف على حالتها إنها كانت تهذي بأسم رواية معينة طيلة فترة غيبوبتها الصناعية.

ثالث قصص المجموعة ذات طابع اجتماعي محض وتحمل إيقاع الواقع الأُسري اليومي المُعاش وهي تناقش قضية لا زلنا نشاهد تأثيراتها السلبية المتفاقمة حتى اليوم وتلك هي قضية عزلة الإنسان المُعاصر وانقطاع جسور التواصل الطبيعي بين البشر لنستعيض عن ذلك بالأتصال الإلكتروني والأنشغال طيلة أوقات النهار، والليل كذلك بالتحديق في شاشات الأجهزة الإلكترونية، حيثُ فكرة القصة تقوم وببساطة على محاولة كسر العزلة وتحرير الإنسان من إدمانه على الأجهزة الإلكترونية، فالعائلة التي تعيش ببيت واحد يختلي كل فرد فيها بحاسوبه أو هاتفه أو ألعابه الإلكترونية والكل مشغول ببرامجه ومواقعه الإلكترونية وقد لا يرى بعضهم البعض كثيراً لانشغالهم الدائم، هذا عندما كان التيار الكهربائي متوفراً ذات مساء في المنزل، لكن حين ينقطع التيار الكهربائي وتخمد الأجهزة وتُضاء الصالة الرئيسية بضوء الشموع حيثُ تقبع الأم وراء ” عالة الشاي ” يجتمع الأبناء ويتناقشون في حميمية وود ليكتشفوا أشياء ما كانوا ليكتشفونها لولا الأنقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي، ولكن هذا لا يدوم طويلاً فمع عودة التيار الكهربائي يعود كل فرد من أفراد الأسرة إلى أجهزته وأشغاله الشخصية ملقياً وراء ظهره بكل التزاماته العائلية ونتفاجأ نحن في نهاية القصة بأن الأب وبهدف جمع العائلة ولمّ شملها تحت جناحه والوالدة، قام بقطع التيار الكهربائي متعمداً، وكما يُظهر سياق القصة إنه نجح في تحقيق هدفه، ولكن ليس لفترة طويلة عندما قام بتوصيل التيار الكهربائي خلسة كما قطعهُ أول مرة ليعود الوضع إلى ما كان عليه قبل حلول الظلام.

الكاتبة نادرة عويتي
الكاتبة نادرة عويتي

وطبعاً نحنُ هُنا لسنا بصدد تتبع كل قصص المجموعة العشرة ولكن بهدف تقديمها للقارئ تناولنا بعضاً منها ويمكن للمهتم الأطلاع عليها كاملة واكتشاف نقاط جاذبيتها بالأستعانة بما سقناه من أحكام حولها ومُقاربتها بفكرته الخاصة عنها التي ستتبلور بالتأكيد عقب الفراغ من القراءة أو أثناءها. على هذا النسق تمضي القصص، قصة وراء قصة والتي قد نستمتع بها كقصص ونتذوق لغتها السلسة وقد تستوقفنا المفاجأة الصغيرة التي تنطوي عليها بصنعها للمفارقة التي تكلل بعضها وقد تعجبنا سخريتها المُرة والبريئة أو نخرج منها بعبرة طفيفة ودرس عابر أو فكرة مقتضبة، والأكيد أننا لن نندم على الوقت الذي خصصناه لقراءتها، سيما ولأنها – أي المجموعة – لا يتجاوز عدد صفحاتها التسعة وستون صفحة من القطع المتوسط، ويمكن بقليل من التركيز قراءتها في جلسة واحدة لا تتعدى النصف ساعة أو ما يزيد قليلا، ونجد أنه من نافل القول إن هذه المقاربة والقراءة المقتضبة تمثل دعوة ضمنية للأطلاع ليس على هذه المجموعة فقط بل على مُنجز نادرة عويتي الأدبي كله الذي اكتمل بوفاتها، لا لشيء إلا لنتذكر مبدعينا ونهتم بإنتاجهم الذي سيضاف للإرث الإنساني، وعندما تستعرض  كل الشعوب إسهاماتها في الحضارة الإنسانية نستطيع بكل ثقة واقتدار أن نقدم ونستعرض ما أبدعه روائيينا وشعراءنا ومبدعينا وبالتأكيد القاصة والكاتبة نادرة عويتي هي واحدة من هؤلاء المبدعين.

_______________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

الدكتور عبد الرحمن بدوي: “سيرة حياتي” .. أيام الدكتور في ليبيا

إيناس المنصوري

قراءة في «أسطورة البحر»: لا سكاكين في طرابلس

المشرف العام

حمد وبراهام ومناني… وقصة لعزة المقهور

المشرف العام

اترك تعليق