طيوب المراجعات

إطلالة علي كتاب (المحنة الملحمة)

غلاف كتاب_ المحنة الملحمة

((المحنة الملحمة)) هو عنوان الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة، العام 2013 للكاتب والشاعر عبد الفتاح البشتي، بلغة هادئة وأسلوب مقنع ورصين وعبر 235 صفحة يأخذنا الكاتب في رحلة أمتدت من سبعينيات القرن الماضي وحتى ما بعد قيام ثورة 17 فبراير ليسرد علينا قصة أعتقاله في سجون النظام السابق لخمسة عشرة عاما تبتدئ من عام 1973م وتمتد حتى عام 1988م حيث أُفرج عنه فيما يُعرف بأسم أصبح الصبح ومن خلال سرده لمحنته الشخصية التي تناوبها الأمل واليأس الفرح والحزن وتقاطعت مع الشأن العام لاسيما خلال سنوات السبعينات أجتماعيا وسياسيا، نستشعر مدى الحراك المدني الذي كان سائدا ونقف على حس الوطنية والتضحية الذي كان يتمتع به الليبيون والشباب منهم خاصة حين كان مجرد حدث عابر قادرا على إشعال الهمم وتحريك النفوس وأي حراك سياسي كفيل ببث الحماسة.

وخطوة بخطوة نتتبع محنة الكاتب الذي وفق كثيرا في عرضها وتقريبها إلى قارئه ووثق الكثير من تفاصيلها، وفي حين كان المجتمع يموج بمختلف التيارات السياسية والنشاط الأجتماعي والرياضي قبل أن تمتد يد الطمس والمحو والإقصاء بعد ثلاث سنوات من أستيلاء ما يعرف بالضباط الوحدويين على السلطة كان الكاتب وزملائه المثقفين المعتقلين عقب إعلان ما يسمى بالثورة الثقافية في عزلة شبه تامة وفي حصار محكم لا مبرر له إلا إسكات صوت الرأي الآخر والتمهيد لبسط الحكم الفردي الأستبدادي.

وخفف من وطأة السجن، الرفقة الطيبة واليوتوبيا التي صنعها السجناء داخل سجنهم، والحميمية التي كانت سائدة بينهم، إلى جانب الأستغراق في صقل النفس بالقراءة المكثفة للكثير من صنوف المعرفة المتاحة والأدب، وبقدر ما كانت التفاصيل التي تأرجحت كما أسلفنا ما بين الأمل واليأس، مؤلمة ومريرة كان السرد ممتعا وموفقا في نقل الصورة الحقيقية ومقاربة الواقع دون التورط في مثلبة الهجاء التي ركب موجتها الكثير من الكتبة وأشباه الكتبة بعد الثورة ودون الأنزلاق إلى منحدر السب والتشهير والتهجم حتى على من كانوا سببا في أعتقاله أو معتقليه مع أنه ذكر بعضا منهم بالإسم وبالرتبة والمنصب ودون أدعاء بطولات زائفة وتلفيق مآثر لاوجود لها. وركّز بدلا من ذلك كثيرا على سرد مشاعره بكثافة وتشريح نفسيته وأنعكاس هذه المحنة على محيطه العائلي وأسرته الصغيرة لا سيما أن بعض أفرادها تعرض للأعتقال أيضا مثل أخويه وثلاثة من أخواله.

ويظل هذا الكتاب الذي يندرج تحت تصنيف “أدب السجون” الذي أزدهر في أرجاء الوطن العربي في وقت من الأوقات والذي يمتح كثيرا من السيرة الذاتية إن لم يعتمد عليها كليا، مع غيره  من الكتب التي أُلفت بعد ثورة 17 فبراير، يظل شهادة حية ووثيقة مهمة لكل من أراد دراسة تاريخ ليبيا الحديث ومعرفة جذور الحراك السلمي وتتبع ملحمة التضحيات، خاصة من الشباب الذين لم يعاصروا أحداثها الجسام التي تفاعل معها الوطنيون بكل شجاعة وإثرة وإقدام ومسئولية.

_______________

نشر بوقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

المقدمة لكتاب خلفيات التكوين القصصي للكاتب بشير الهاشمي

إبتسام صفر

التهامي يرصد أسرار صنعة الدراما في «سيجارة ميريل ستريب»

إبتسام إغفير

بركوس يعيد للذاكرة أغاني الرحى والجبادة

منى بن هيبة

اترك تعليق