قراءات

إطلالة على ديوان «عمر آخر»

صدر للشاعر جمعة عبد العليم ديوان شعر عنونهُ بـ”عمر آخر”, الديوان عبارة عن بوح طويل ومسترسل تجاه محبوبة محددة , إلا أن الشاعر عاد وقام بتقطيع خطابه إلى عدة قصائد يجمعها ذات الهمّ , فجاءت بهيئة تنويعات على موضوع واحد تم فيه سرد كل أحاسيس ومشاعر الحب إزاء معشوقته الحاضرة بقوة في كلماته وضوح حضورها في ذاته , ورسم لكل الانفعالات التي تختلج في نفسه عند حضورها وحين تغيب , وبأداته المتقدمة والمتمثلة في اللغة وهي أثمن ما يمتلك الشاعر ظل يلاحق معبودة قلبه بالوصف دون أن يصل إلى مبتغاه في الإحاطة بها ودون أن يبلغ نقطة يلوح لهُ فيها أنهُ قام بإيفائِها حقها في هذا الصدد , فتارة يصورها كتعويذة لحزن أيامه ومدىً لقصائده , وتارة هي التي تقع أبعد من الكمال فتضيف الرتوش إلى الأشياء المكتملة وتارات أُخرى هي حسناء توقظ في النفس لغة الشعر ولها فقط تنفتح أبواب الكلام الشهي وتتسع غابة الروح , لأنها الطيبة كسلةِ عِنب والرقيقة كوجنةِ طفل هو الذي يحملها زاداً للمُقبل من أيامه ودواءً لشيخوخة روحه لأنها المتألقة دائماً .

وكنهر جاري لا تتكرر مياهه وصوب وجهة واحدة وهدف مُعلن تتدفق القصائد بعذب الكلام وجميل الصور وتفيض في توقيعات غزلية وجدانية مركزها الذات الشاعرة تنطلق منها لتعود إليها في شكل مُسهب حيناً ومُختزل حيناً آخر لتتجاوز بصياغتها المعهود والتقليدي بإيقاعاتها المموسقة في هيئة النثر بإمكاناته التعبيرية الهائلة دون أن تتورط في التناول السطحي المباشر أو الحسي المبتذل.

وهي – أي القصائد – التي تنظمها هذه المجموعة ومن أحد وجوهها المتعددة رصد دقيق لحالات قائلها المتبدلة كعاشق متيم بصدد موضوعه الأثير ولازمته المنتقاة والتي تفرغ تحت سطوة فتنتها القاتلة – حبيبته – لتقريظها ومدح جمالها , وتتبع حيثيات انعكاساته وتأثيراته الظاهرة والمتوارية على ذاته المعذبة بداء العشق , يبدو الشاعر من ناحية مقابلة مُحباً على طول الخط وفي انحياز تام لدفء المحبة التي يضعها سداً بينه وبين صقيع العالم وابتذال الواقع ويتشبث بها كأمل أخير للخلاص , غير أنَ الكلمات كعادتها السمجة أحياناً قد تخذل الشاعر في مد يد العون لهُ لاقتناص فكرته وتأطيرها بداخلها إذ لا تسمح لهُ بان يودع المطلق في النسبي والمحدود في الكلي وهذا تماماً ما وقف الشاعر حياله عاجزاً حيثُ لم تسعفهُ الكلمات الموجودة في القواميس والمعاجم في الإحاطة بمحبوبته وظلت بعيدة المنال عصية عن التأطير والتفسير وهي تقف بثقة مفرطة خارج نطاق الوصف بعيداً عن متناول الشعر , وحيال عجزه الظاهر عن احتواءها كاملة كما يراها لا يمتلك الشاعر في نهاية المطاف إلا أن يعترف بذلك فيُنشد قائِلاُ :-
البارِحة
كانَ كلُ شيء
غير الذي كان
وكنتُ أنا غير أنا
أطبقت جفوني
على آخر شيء منكِ
ونمت كما لم أنم من قبل.

مكتفياً بالذي نالهُ منها ولفرط خشيته من حبها الصاعق أحياناً يقول:-
أمرُ عابِراً
لا لشيء فقط أخاف أن
تفضحني عيناي
أن يتدفق الوله فجأة
فأُعانقكِ
وسط الحاضرين .

يقع الديوان الصادر عن منشورات مجلة المؤتمر عام 2006 في مائة وخمسة وأربعون صفحة من الحجم المتوسط ويحتوي على ثلاثون قصيدة .

_____________________

* كُتبت هذه الإطلالة سنة 2007 ونُشرت بصحيفة الشمس الليبية

مقالات ذات علاقة

عبدالمنعم المحجوب يناهض الكهنوت الإسلامي

المشرف العام

التليسي الشاعر

ناصر سالم المقرحي

المكان الطرابلسي في قصص عزة كامل المقهور

سالم أبوظهير

اترك تعليق