طيوب المراجعات

إضاءات حول .. ديوان تباريح

ديوان تباريح


تباريح ديوان للشاعر الليبي الأستاذ: معيوف مسعود حلاسة صدر عن دار النخلة للنشر عام 2020م. والشاعر صاحب الديوان من مواليد 1944م وهو أصيل مدينة كاباو بجبل نفوسة، عمل بالتعليم معلما ثم موجها تربويا، تميز بعطائه واهتمامه بشؤون بلدته وبلده ليبيا، وكان دوما مبادرا ساعيا للخير والصلاح.

وديوانه هذا هو أول ديوان يصدر له وقد خصني – بارك الله فيه – بنسخة منه، فسعدت بهديته الكريمة وخصصت جزءا من وقتي للاستمتاع بقراءته ومن تم أحببت أن أقدم هذه الإضاءات المتواضعة حوله.

فأقول وبالله التوفيق، تباريح هو ديوان شعري وهو كما وصفه صاحبه على غلاف الكتاب (تباريح ديوان شعري يحكي باقة من فرح وترح) وقد قدم له الدكتور الشاعر: رضا محمد جبران.

الديوان هو رحلة للأستاذ معيوف مع الشعر في محطات مختلفة من حياته منذ بداياته مع الشعر في ثمانيات القرن الماضي وهو في محنته في غيابات سجون القذافي، انطلاقا إلى وقفات له مع ثورة فبراير ومن ثم المختنقات التي مرت بها ليبيا بعد ذلك ليكون للوطن الساكن فيه وفينا نصيبا كبيرا في صفحات كتابه هذا، فننتقل عبر قصائده إلى أفراحه حينا وإلى أتراحه حينا آخر، مع لمسات وهمسات في وصف بعض مرابعه أو التذكير ببعض أبنائه البررة الذين تركوا بصمة طيبة على ساحة الإبداع والنضال من أجل بلدهم العزيز.

وفي جولاته تلك نسافر مع أديبنا الشاعر إلى رحاب ذكرياته المتنوعة ويفسح لنا نافذة إلى مشاعره الرقراقة وأشجانه العميقة فندخل بستانا مزهرا بشتى أنواع الرياحين التي كساها بقلمه الأنيق، فإذا به يجول بنا مع: حكم وتذكير، ذكرى وتأمل، وصف وسجال، مشاعر وهمسات، فخر وإباء، صدق ووفاء.

فنجد ألوانا متعددة من الأغراض الشعرية مع ألوان متنوعة من المعاني الجليلة والجميلة. الديوان يتكون من330 صفحة ويحتوي بين دفتيه على 91 قصيدة وقد تم تقسيمها إلى سبعة أبواب هي:

الباب الأول: تباريح وجدانية سجنية، ويشمل هذا الباب على 6 قصائد شعرية كتبها شاعرنا وهو في غيابات السجن فعكست جوانب من تلك المحنة مع ما فيها من آلام ومعاناة وهي أيضا تؤرخ لبداية الانطلاق لتفتق الموهبة الشعرية للمؤلف صاحب الديوان.

يقول أديبنا الشاعر في مقدمة طبعته هذه : ( ما كان لي  ان أكتب شعرا لولا تلك المحنة التي شاءت قدرة الله إلا أن أكون من ضحاياها مع ثلة من المظلومين أمثالي في ظلمات السجن وزنازين العذاب،، تحت وطأة الاستبداد في السنوات العجاف والمحن والملمات قد تنطفئ جذوة العقل إذا استسلم الإنسان لهواجسها وقد توقدها فتحيي مكامن منع من ظهورها شواغل طغت عليها فجعلتها خواطر من باب التسالي سواء الزجلية أو المقفاة )،، ثم يردف قائلا: ( وما أن جاءت هذه المحنة بقيدها الدامي فحالت دون تلك الشواغل وأنهت كل ما كان يشغلني من النشاطات الخاصة والعامة حتى وجدت نفسي مع خواطر شعرية كانت تراودني سابقا من حين إلى آخر …. ).

الباب الثاني: مسارات حياتية، ويحتوي على 14 قصيدة بدأها بقصيدة فرحة ثورة 17 فبرابر، وأنهاها بقصيدة: وطن نعزه، وأغلبها في الوطن وأحواله والتقلبات التي مرت عليه وتظهر فيها الروح الوطنية عند شاعرنا ورفعة وتجليات ما يمر به من أفراح وأتراح.

الباب الثالث: وصفيات ويحتوي 15 قصيدة تنوعت بين وصف الأماكن ووصف المشاعر، عانق فيها شاعرنا أماكن متعددة داخل ليبيا وخارجها، وأمتعنا بوصف خلاب ورسم لوحات عذبة لأزمنة مختلفة: (الربيع، الطفولة، أمسية ممطرة)، ونقلنا حينا إلى أعماقه في قصائد منها:( عزة نفس، مشاعر، فنجان القهوة) وساجل حينا وهو يرسم صورة ساخرة مثل ما فعل في قصيدته: الطرطار التي رد فيها على قصيدة للدكتور رضا جبران وكلتيهما تدور حول ظاهرة المولدات الكهربية التي انتشرت مع أزمة الكهرباء في بلادنا.

الباب الرابع: مرثيات وفيه 8 قصائد، بعضها كانت في مناسبات ولقاءات كان حاضرا فيها، وقد بدأها بقصيدته التي بعنوان: رثاء كوكب النور، التي قالها في أمه رحمها الله تعالى وقد بث فيها أشجانه وعواطفه عندما ألم به فقد والدته العزيزة، مرورا إلى قصيدة له في رثاء شخصيات كان لها الأثر النضالي والعلمي في بلادنا

منها: الشهيد المغيب الدكتور: عمرو النامي والدكتور: محمد مسعود جبران، والأستاذ: عمرو مسعود قاسم، رحمهم الله جميعا.

الباب الخامس: تجليات، ويتكون هذا الباب من 20 قصيدة تصدرتها قصيدة أحوال لنمر بعدها إلى أحوال وتقلبات فيها نصائح وتوجيهات مثل ما خطه في قصائده: (اقبع ببيتك، نصيحة، أيتها الحسناء)، مروا إلى روئ فلسفية في النظرة إلى الناس والحياة نجدها في قصائده:( الناس أصناف، الابتسامة، الحياة)، ويحملنا الكاتب إلى تجليات في بعض التغير الذي طرا على أحواله في قصيدته: الذاكرة، إلى وقفة مع بعض القيم الرفيعة وما يضادها، في قصيدتيه: الصبر، والظلم.

الباب السادس: مكنونات خاصة ويتكون من 15 قصيدة وفيها يلج الشاعر بنا إلى أغواره ويسبح بنا في أعماقه وقد جعل مدخلا لها قصيدته التي عنونها ب (أنا)، معرفا بنفسه وما يرضاها لها من السجايا، لينطلق بعدها في رحلة بين العناوين والمضامين الجذابة لعلى أبرها (المعالي، ألم، أطلال بالية، هواجس..)، وهو أيضا ينقلنا إلى لمسات يذكر بها صديقا أو يصافح بها صاحب فضل عليه، نجد ذلك في قصيدتيه: (رد للجميل، شكر وعرفان)، ويصور لنا في قصيدة: ملتقى غريان، مشهدا من لقاء وطني، ويقف بنا مع مشاهد وذكريات له مع بلدته العريقة في قصيدته: كاباو الحضارة والمجد.

الباب السابع والأخير: منوعات، ويحتوي 13 قصيدة وقد تنوعت باقة هذه القصائد وكانت أغلبها قصيرة وتميز بعضها بإيقاعها السريع، وهي تحمل في طياتها لمسات وفاء أو ترسم لوحة لحدث أو لقاء، وهي قصائد لا تخلو مضامينها من القيم الرفيعة والأخلاق الكريمة التي يدعو إليها الشاعر الكريم -وهو المعلم والأستاذ – في كثير من قصائده.

الديوان مميز في نظمه وترتيبه، في معانيه ومضامينه، في تنوعه ودفقة. ولعلي بعد هذه الجولة المتواضعة معه بمعيتكم ، أختم بما خطه الدكتور رضا  محمد جبران، عند  تقديمه لهذا الديوان حيث يقول:
(لقد أزهرت الحياة وهاجت الأزاهير في رحاب سنوات تنفس فيها الليبيون الصعداء بعد أن ذوت رياض الثقافة وواحات الأدب، وقد شهدت تغيرا غير متوقع في مظاهر الحياة وفي أطياف الثقافة وفي محافل الأدب عنما ذاق المجتمع الليبي المأزوم طعم الحرية وبدأ يبحث عن ذاته التي فقدت منذ أكثر من أربعة عقود عجاف أو كما أطلق عليها سنوات الجمر،، بين كل هذه الأزاهير المتفتحة يتجلى ديوان تباريح ، الذي قدم به الشاعر : معيوف مسعود حلاسة أوراق اعتماده بين ثلة الأدباء والفصحاء وبين الأطواد الشامخة في وطننا الحبيب ليبيا،  وعلى قمة جبل نفوسة الأشم يعزز مسيرة الأوائل من الأخيار والمصلحين ممن اعتزوا بدينهم ورفعوا راية الإسلام عالية فأعزهم الله …. ).

مقالات ذات علاقة

أساليب الهروب (خوفاً من الحرية)

علي عبدالله

شكراً .. أنطولوجيا قصيدة النثر في ليبيا

يونس شعبان الفنادي

الأديب الشاعر الراحلُ (فاروق شوشة) والشعراء الليبيون على صفحات مجلة “العربي” الكويتية

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق