المقالة

إصلاح ديني، أم مماحكات ايديولوجية؟ (1)

من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي
من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي


تُرى هل نحن في حاجة إلى إصلاح ديني؟ وماذا لو أن الذين يتحدثون عن (إصلاح ديني) من بيننا نحن الذين ننتمي إلى الثقافة العربية الاسلامية، (وهم يعرفون بالتأكيد أن مفهوم الإصلاح الديني نشأ وترعرع في تربة الثقافة الغربية، وفعل فعله وتفاعل مع غيره من المفاهيم (الانبعاث الانساني النهضة، حركة الأنوار الخ) التي نبتت مثلما نبت في التربة نفسها واغتذت مثلما اغتذى من موادها العضوية الأولية، لتفضي تلك التفاعلات إلى العلمانية والديموقراطية والحداثة وما بعدها وإلى نظام عالمي متقلب ومتبدل وفق أمزجة الأقوياء ومصالحهم أسأل ماذا لو أن أولئك السادة تخلوا عن عدساتهم المستعارة من ثقافة الاصلاح الديني والتنوير والعلمانية والديموقراطية والحداثة والنظام العالمي المتغير بتغير صرعات (موضات) السلع الاستهلاكية، واستعادوا نظرهم الحقيقي الذي يستمد قوته وجلائه من نسغ ثقافتهم الأصلية المتجذرة في حناياهم؟ ألا يحتمل أن يروا مدى تضارب مفهوم (الاصلاح الديني) ومدى الخلط الذي يكتنفه؟

ذلك أن من يتابع باهتمام الدعوات إلى الاصلاح الديني التي ترتفع بين وقت وآخر، لا يفوته أن يلاحظ أن اكثر تلك الدعوات (إن لم تكن جميعها) تنطلق من فصل ضمني بين الدين والإصلاح، (ولا يمكن القطع هنا إن كان ذلك بسبب جهل أصحابها أو تجاهلهم) لحقيقة أن الدين يستمد دلالته من كونه الامكانية الوحيدة المتاحة لبني الإنسان لإصلاح أنفسهم وعالمهم، الأمر الذي ينفي ما يحاولون قوله من خلال الدعوة إلى الإصلاح الديني، والتي أفضت في بعض نتائجها المخزية إلى تلقف غبي (شأن مواقفهم إزاء كل ما يجيء عن الغرب) ومثير للشفقة والاحتقار لدعاوى ما يسمى الدين الإبراهيمي .

إن هذه البديهية المباشرة (أعني كون الدين هو الذي يصلح الدنيا ويقي الانسان وعالمه من الدناء وينتشلهما من التدني) تضع الدين في منأى عن الحاجة إلى الإصلاح، تبين لنا أن مفاهيمنا هي التي تحتاج إلى أن تُرَاجَعَ ويعاد النظر في صحتها وهل هي دقيقة فيما يفترض أن تفيده من دلالات. إن الناس هم من يحتاجون إلى أن يفهموا الدين ليُحسِنوا إصلاح ذواتهم وعالمهم تأسيساَ على ما يقدمه إليهم من مبادئ وقيم سامية، تقصر عن تقديمها الميثولوجيا والفلسفة والتاريخ والمناجيات والتشريعات الوضعية البشرية التي لا تبرأ من نقص وقصور ومحدودية قدرات مبدعيها وواضعيها، إلى ذلك فإن الداعين من بيننا إلى الإصلاح الديني يبدون على غير وعي بالفارق الجذري بين ثقافتنا العربية الإسلامية من جانب والثقافة الغربية من الجانب الآخر، والذي هو تحديداَ استطاعة الاسلام احتواء التراث الثقافي والحضاري للبيئة التي ظهر فيها والذي كان سابقاَ له زمنياَ وتمكنه من صبغ ذلك التراث بصبغته بحيث أن تعبير الثقافة العربية الاسلامية إنما يشير إلى تمحور تلك الثقافة حول الإسلام، واصطباغها بصبغته، وذلك على النقيض من تمحور الثقافة الغربية حول هوة فاغرة بين مكونيها الرئيسيين (اليوناني اللاتيني) من جانب و (اليهودي المسيحي) من جانب مقابل، والواقع أن تسمية (المسيحي) التي عُرِفَ بها ذلك المكون ليست إلا مجازاَ لا يجسد حقيقة الأمر التي هي واقعة تهويده على يدي شاوول الطرسوسي والفريسيين، وتأكيد ذلك التهويد فيما يعرف بمجمع نيقية المسكوني الأول من خلال الحلف اليهودي الروماني الذي دعا إلى ذلك المجمع وأداره وصاغ مقرراته التي تركزت على هدف دحض وإجهاض محاولة الإصلاح الحقيقية الوحيدة التي عرفها تاريخ المسيحية منذ أفسدها الطرسوسي وحتى يومنا هذا وتلك هي محاولة الاسقف (أريوس) المولود في (قورينا) في الجبل الأخضر في ليبيا عام 270 ميلادي، والذي كان احد أساقفة الاسكندرية، وذلك بعد محاولة السيد المسيح عليه السلام إصلاح الدين اليهودي بإعادته إلى الدعوة الموسوية، وهي المحاولة التي كانت قمينة بأن تجعل أتباع تلك الدعوة شعب الله المختار فعلاَ إذا ما قيض لها تحقيق الهدف الذي جاءت من أجله وهو إعادتهم إلى المبدئ الأسمى الذي عرفه إبراهيم وآمن به والذي بسببه وحده عليه السلام اكتسب تلك المكانة المميزة في الدين، كأبٍ للأنبياء وإمامٍ للمؤمنين وخليلاً للخالق تعالى، وليس بسبب كونهم من نسل إبراهيم كما يزعم عزرا والأحبار في منشورهم الأيديولوجي، العنصري، الذي يصرون على أنه التوراة .

لقد نافح أريوس عن بشرية السيد المسيح، وأصر على نفي القول بألوهيته عليه السلام و رفض مزاعم بنوته للخالق سبحانه وتعالى، و لم تكن الآريوسية نبتاَ غريباَ ولا شاذاَ في الواقع الديني والثقافي الذي ظهرت فيه، بل كانت امتداداَ لتيار من الفكر الفلسفي والديني الحقيقي (البريء من الانحيازات المتدنية الايديولوجية) وضع الفكر الذي صاغه الكتبة والفريسيون ونسبوه إلى المسيحية موضع التساؤل، ولعل مرجع الأهمية التي تحظى بها الآريوسية أنها كانت أكثر اكتمالاَ ووضوحا وتماسكاَ منطقياَ مما سبقها من مكونات ذلك التيار الذي لعل أوضح سماته التحفظ إزاء الأقنومية والتثليث المقحم قسراَ في دعوة عيسى عليه السلام .

مقالات ذات علاقة

فاطمة عثمان: خرابين يا وطن

سالم الكبتي

بيتهوفن الذي لا يغادرني!

محمد الأصفر

صَرْحٌ مِنْ جهنم

يوسف القويري

اترك تعليق