قصة

إصرار على السقوط

تظاهرت بالانهماك في القراءة، وبشفقة ممزوجة بالاحتقار، جلست تراقبهما من بعيد. نفس أبعاد الصورة، نفس الذكر المتجرد من الإنسانية، ونفس الأنثى الساقطة في الوهم…حتى المكان نفسه، وكأن الفحل قد حدد منطقته بـ….

حركاته هي نفسها وكأنه آلي مبرمج،نفس الوجه المحتقن بعنفوان الرغبة، ونفس النظرات الحالمة التي تحاول أن توخزها بالتريث…نفس الشفتان اللتان تتدفقان بالأحاديث التافهة دون توقف، ونفس خيط اللعاب الرفيع الذي يسيل بين الفينة والأخرى عند طرف الفم… نفس الابتسامة الخبيثة التي ما إن تتلاشى حتى تعود للظهور من جديد.

السيناريو هو…هو، لم يتغير شيء سوى صورة الأنثى.

عرض أمام بصرها مقاطع فيديو على جواله، فارتسمت على ملامحها تعابير شتى، أحياناً كانت تضحك في براءة ساذجة، وأحياناً تبتسم في خجل مُذل، وأحياناً كثيرة، كانت ملامحها تتجمد بالصدمة والحيرة، أو بالخوف مجهول المصدر.

رأته من مقعدها الغير بعيد جداً، تغلبه انفعالاته على غير عادته من الصبر وطول البال، فيتسرع بالخطوة التالية، يمد أظافر يديه الملوثة، ويخطف يد الأنثى بين كفيه… تستسلم الأنثى للمصير يغمرها إحساس بالنصر، وبأن الفحل قد وقع في الشرك، وستكون الخطوة التالية حبسه في القفص الذي يقال أنه ذهبي.

غلبها الغضب، حين رأته يلصق في جرأة واستعجال يثيران التقزز جسده النتن بجسد الأنثى التي أنّت في دلال..منحت عقلها إجازة عن التفكير، وسلمته زمام أمرها، وهي تتوهم أنها الخطوة التالية نحو القفص.

الغضب الذي أثاره الموقف، لم يتركها تشاهد بقية السيناريو، نهضت من مكانها، وركلت الكرسي بكعب قدمها في حركة تدل على الإصرار، اتجهت نحوهما بعينين يتطاير منهما الشرر…. انتبها لقدومها، فأوقفا بقية السيناريو…. في دهاء وخبرة، سيطر على ارتباكه حين رآها تقترب، وقال :

–         أحم، أعرفك، هذه سارة صديقتي السابقة.

استبد الغضب بسارة،فانفجرت :

–         بل ضحيتك السابقة أيها الو…

لم تكمل اتهامها، سيطرت على شيء من غضبها، وحاولت أن تهمل وجوده وتركز كلامها نحو الأنثى الأخرى:

–         لا يهم، فأنا لست آسفة عليك (1)، اسمعيني يا فتاة…لقد كان هذا الركن بالأمس القريب ركني أنا، ومكانك الذي تقفين فيه مكاني أنا.

ردت ألأخرى في برود، يحركها شيء من العبث والمشاكسة التي تحبها الأنثى:

–         وهل جئت لاستعادته؟!.

–         لم يخطر هذا في بالي على الإطلاق!، فالمؤمن لا يلدغ مرتين !!.

–         إذن؟؟!.

–         جئت لأكشف الستر الذي يغطي عينيك قبل فوات الأوان، جئت لأحذرك

–         من ماذا ؟.

–         من هذا الوحش الذي سيفعل معك مثلما فعل معي !

–         وماذا فعل ؟؟.

–         أتدرين ماذا يفعل بالثمرة الطازجة ؟، يمتصون الحلاوة منها، ويرمون بقاياها.

–          وأنت كنت تلك الثمرة ؟!

–         بكل أسف، ولكن لا يقودك خيالك إلى البعيد، لم أدعه يصل إلى ما يريد.

–         لذلك فهو يعاود المحاولة معي ؟!.

–         أجل !!

–         أتدرين ؟!، أنت مجرد فتاة غيورة !

وسحبته من يدها، بينما غمز للأخرى بعينيه، واختفيا وسط زحام الطلبة في الممر.

________

(1) من قصيدة ( رسالة من امرأة حاقدة ) لنزار قباني.

مقالات ذات علاقة

محلل

إبراهيم حميدان

الصاحب!

عبدالله الماي

طريق النور..

فهيمة الشريف

اترك تعليق