المقالة

إشكالية إعادة إعمار الذات

د. خالد سليمان الزغيبي

لابد للطامح أن يسقط في هوة توازى ارتفاع التحليق…** جون ميلتون دراما 2020 عدنان بشير معيتيق حبر على ورق 32 * 42 سم


بعد أن اجتاحت هزات عنيفة مراكز الثقل الحضاري في المنطقة العربية ـــ  دمشق، القاهرة، صنعاء، ومن قبلها بغداد  ـــ أطاحت بمعظم أنظمتها السياسية التي لا يستطيع أحدا تبرأتها بالكلية مما حدث وتركتها في حال من العبث السياسي الاجتماعي الاقتصادي والفكري في محاولة لإعادة ترتيب المنطقة لصالح قوى أجنبية وبمعاونة قوى داخلية اصطفت بدوافع متفرقة خلفها، تأثر إنسان هذه المنطقة على نحو عميق بحجم ما حدث وما ترتب عليه من آثار كارثية، وهو ما وضع المنطقة العربية برمتها في مواجهة مباشرة مع حالة معيارية أفرزت جدلاً فكرياً ثقافياً تجاوز على نحو كبير معظم الصيغ الحاكمة في كافة المناشط البشرية.

أنتج هذا المعترك الصعب إرباكا قيمياً في منظومة الوجود العربي برمتها وهي التي كانت تعاني أصلا جملة إشكالات ومعوقات معرفية منهجية حالت دون إنجاز مشروع نهوضها الذي حولته الاحباطات المتتالية إلى مجرد أمنيات وجدت مكانها في صفحات الكتب والمجلات وفي الصالونات الأدبية والسياسية وفي جعجعات النخب البرجعاجية العربية أكثر من وجودها في الواقع . وقد برز إثر ذلك خلافا أيديولوجياً انتج صراعا دموياً بين تيارات عدة أغرتها إيلولة السلطة إلى الفراغ، لاسيما بين التيارات الأصولية التي ادعت امتلاكها آليات الخروج من المأزق وأنها بحكم التجارب صارت أكثر وعياً وإدراكاً لمفردات الوصول إلى الغاية التي عجز غيرهم عن تحقيقها، وبين التيارات المدنية التي ادعت أنها لم تأخذ فرصتها بسبب الهيمنة الأوليغارشية على السلطة، وأنها وحدها تمتلك الرؤية والمنهج الكفيلين بإخراج المنطقة من مرحلة الأزمة التي عصفت بها وصولاً إلى بر الأمان.  

هكذا أفرز المأزق المصيري الذي تورطت فيه المنطقة العربية ومن ثم الواقع والفكر العربي صراعاً عنيفا بين تيارين متضادين ادعى كل منهما عدالة موقفه ونجاعة رؤيته في توظيف التطورات الطارئة على الواقع المعيش عبر الاستعانة بمناهج من شأنها أن تؤسس للتطور المطلوب حسب ادعاءات الفريقين.

فقد أصر الأصوليون أنه بالعودة إلى الجذور المؤسسة والوقوف على القواعد التي شيدت هناك والانطلاق من عندها صوب الحاضر ومن ثم المستقبل يمكن تحقيق نهضة وتطور حقيقيين طال انتظارهما، على اعتبار أن عناصر التطوير والنهوض تكمن هناك في التراث وحده ولا يمكن إعادة بناء المجتمع دون الرجوع إليها، وما وجه القصور ــ حسب ادعاءاتهم ــ الذي وقعت فيه الأنظمة السياسية التي جرى إسقاطها سوى نتيجة لسعة الهوة بينها وبين تلك الأصول والجذور، منطلقين من قاعدة ترى أنه ( لا صلاح لأمر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر أولها ).

 في حين رأى المدنيون أن عملية الإصلاح التي تتطلبها المجتمعات العربية لا يمكن لها أن تتأسس مالم تتم الاستعانة بالخبرات والنماذج التي أثبتت نجاعتها في مجتمعات أخرى، ومن ثم تطويرها ــ أو حتى خفض سقفها ــ لجعلها تتناسب مع طبيعة المجتمع العربي مع الاحتفاظ بالقيم التراثية التي تتناسب مع العصر ولا تؤثر في النهوض المجتمعي.

في ظل هذه الجدل المعرفي / المنهجي، وجد كلا التيارين نفسه في مأزق، فالأصولي التقليدي الذي ولى وجهه شطر القواعد التراثية باعتبارها المنجد وجد هناك تنوعاً وتشعباً ملفتاً، فعلي أي أرضية يجب أن يقف ومن أي نبع يجب أن ينهل؟.  وهل ستحقق له هذه الانطلاقة اتصالاً أمناً بالعصر؟. أما المدني العصروي الذى يرى أنه لا ضير أن ننهل من تجارب الآخرين والاستعانة بنماذجهم التطويرية والحضارية دون تخصيص. فقد رأى أن تلك التجارب يمكن أن تكون مادة صالحة للتطوير المنظوماتي القيمي، من حيث أن في مستطاعها تمدنا بعناصر إعادة البناء ومن ثم إعادة إعمار الذات والمجتمع وفق مناهج أثبتت جدواها هناك ولم يجر استثمارها هنا، غير أنه وجد نفسه أمام رؤى متعددة ومناهج عديدة أفرزتها تجارب مختلفة لأمم مختلفة ووفق بنى ثقافية وحضارية مختلفة بل ومفارقة في بعض الأحيان، فأي منها يجب أن ينـتقي؟. ووفق أي قاعدة يجب أن ينتقى؟. وعلى أى قاعدة يمكن تطويع منجز الآخر لصالح الأنا؟. كما أنه واجه السؤال الأكثر إلحاحاً وهو ما إن كانت نجاعة نموذجاً ما في مجتمعه تضمن بالضرورة نجاعته في مجتمع آخر؟.

بيد أنه ورغم كل التباين والاختلاف بين الفريقين المتنافسين، بقي عامل مشترك بين الفريقين وهو رفض واقع التخلف والتأزم وعدم الرضا عنه والسعي إلى إصلاحه بغض النظر عن اختلاف الرؤى والمناهج والأيديولوجيات.

مقالات ذات علاقة

الثقافَةُ العربية الْمُتشددة هِي التي جعلت من الذكر رجلاً

المشرف العام

ضد الثقافة.. لماذا؟

أحمد الفيتوري

الشعر الليبي الحديث في حاجة إلى نقد حقيقي

نبيلة سالم الطاهر

اترك تعليق