استطلاعات

إشكاليات النقد الأدبي المعاصر

الطيوب :: تحقيق/ منى بن هيبة الشريدي

“أيها الناقد كلمني بلغتي كما كلمك النص بلغته”
عبارة رددها الكتاب العرب أمام النقاد العرب الذين تصدوا للمنجزات الأدبية بالنقد، وذلك ضمن القضايا والإشكاليات التي تعانيها الساحة الأدبية العربية، فهل النقد الأدبي المعاصر قادر على احتواء القوالب الأدبية الجديدة، ومتى سيحترف الناقد العربي مهنة النقد فعلا، وما مدى أهمية اشتراك الناقد مع الكاتب أو الأديب لإنتاج نقد موضوعي في ظل هذه التعددية لمناهج النقد القديم والحديث، وأين تكمن أهمية توازي مسارات الحركة النقدية مع الحركة الأدبية؟ هذه التساؤلات وغيرها وجهناها إلى عدد من النقاد فكان التالي:

الناقد عماد الهصك.

عماد خالد الهصك

المناهج النقدية لا وجود لها مع حالة الانفتاح والتداخل والتفاعل المعرفي

استهل الناقد الليبي عماد خالد الهصك حديثه حول النقد في الوطن العربي بتناول نشأة النقد اﻷدبي عند العرب قديما وأوجه تطوره قائلا:” لقد نشأ النقد الأدبي عند العرب قديمًا، قدم الأدب فقد سارا في خطين متوازيين، أدب يُنتج، ونقدٌ يفسر ويقوّم، ويوجه، إلا أن النقد الأدبي كان في بداياته الأولى فطريًا تأثريًا، يلقيه الناقد بمجرد سماعه للنص الذي يريد نقده، دون الغوص في أعماقه، والنظر إلى تفاصيله، وبمجيء الإسلام أصبح النقد أكثر تركيزًا على المسائل الأخلاقية، فكانت قيمة الأدب منوطة بما يحويه من قيم و مبادئ، كالصدق والأمانة والعفة، وذلك كان له بالغ الأثر على إغفال النواحي الجمالية، وبتطور علوم اللغة والبلاغة والتفسير التي تأثرت على نحو مباشر بالتيارات الفلسفية الوافدة، وبالحركة العلمية الناشئة؛ تطور كذلك النقد الأدبي، وشهد قفزات نوعية، وأصبح أكثر منهجيةً ورسوخًا؛ فصنّفت فيه الكتب، وطُرحت القضايا، ونُوقشت المسائل، من هذه المصنفات: كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، وكتاب فحولة الشعر للأصمعي، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب البديع لابن المعتز، والصناعتين لأبي هلال العسكري، والموازنة بين الطائيين للآمدي، والوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني، وغيرها من المصنفات التي استندت في تأليفها على منهجية علمية واضحة المعالم، فالنقد القديم عند العرب كان نقد قضايا، على خلاف النقد الحديث الذي أهتم بالمناهج، والاتجاهات؛ تأثرًا بالنقد في أوروبا، ومن أشهر قضايا النقد القديم: الانتحال، والسرقات الشعرية، والموازنة، وعمود الشعر، واللفظ والمعنى، والطبع والصنعة، والمجاز والحقيقة، وغير ذلك من قضايا شغلت النقد والنقاد قديمًا”.

وأشار الهصك إلى الفترات الوسطية التي شهدت الساحة الأدبية فيها تراجعا في ظهور النقد المرافق للأدب:” عندما شهد الأدب العربي تدهورًا واضمحلالًا لا سيما العهد العثماني ألقى ذلك بظلاله على النقد الأدبي كذلك، إلى أن شهد الأدب والنقد نهضة في بدايات القرن العشرين، تأثرًا بالنهضة في أوروبا، ومن ذلك الوقت أصبح الأدب والنقد في عالمنا العربي مجرد رجع صدىً لمثيليهما في أوروبا، فظهرت الاتجاهات الأدبية الحديثة في عالمنا العربي أسوةً بمثيلاتها في أوروبا، مثل الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والرمزية والسريالية والوجودية والبرنانسية، كما ظهرت مناهج نقدية تعكس على نحو مرآوي ما هو موجود في أوروبا، بداية بمنظومة المناهج النقدية ما قبل البنيوية، مثل المنهج التاريخي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج النفسي، أو كما يحلو للبعض تسميتها بالمناهج السياقية؛ لأنها تولي اهتمامًا كبيرًا بسياقات النص دون بنيته الفنية، ونواحيه الجمالية، الأمر الذي آذن بظهور منظومة المناهج النقدية المسماة بمناهج ما بعد البنيوية، كالمنهج الشكلي والمنهج البنيوي، والمنهج التفكيكي، والمنهج السيميائي، والمنهج التشريحي، ومنهج التلقي، ونظرية النص. وتجدر الإشارة إلى أن الكثير ممن يجتر المناهج النقدية الوافدة يحاول في الكثير من الأحيان ليَّ أعناقها؛ ليسقطها على الأدب العربي؛ جريًا وراء الحداثة، و إرضاءً لدعاة التغريب، وذلك دونما حاجة فنية، ولا غاية منهجية، وهو بذلك يفسد الأدب والنقد معا فلا هو قدّم قراءة نقدية واعية، وواقعية لموروثنا الأدبي، ولا هو حافظ على الأطر المعرفية للمناهج النقدية الوافدة، فانتزاع منهجٍ نقدي من سياقه المعرفي، والأدبي، ومحاولة تطبيقه على بنيات أدبية، وثقافية، ومعرفية تختلف في الكثير من جوانبها عن السياقات الأصلية التي انتزعت منها هذه المناهج، في ذلك الكثير من الإجحاف، ومجانية الصواب وهذا لا يعني أنتا لا يمكن لنا أن نستفيد من المنجزات النقدية لأية حضارة، ولكن بعد تكييفيها بما يتناسب مع خصوصية ثقافتنا وموروثنا الأدبي”.

المناهج النقدية لا وجود لها مع حالة الانفتاح والتداخل والتفاعل المعرفي

وحول تعدد المدارس والمناهج النقدية يرى الهصك أن:” التعددية تشكل -في نظري- حالة إثراءٍ معرفي، ترجع بالفائدة على تقويم النتاج الأدبي من اتجاهات مختلفة، ومتعددة، غير أن التعصب لأي منهج نقدي بعينه، والوقوف عند تخومه المعرفية، وعدم تجاوز أطره النظرية، باعتبارها هي الوحيدة الصالحة لقراءة النص الأدبي على نحو مثالي، هذا مما يتنافى مع سعة الأدب، ويتنافى كذلك مع طبيعة اللغة الأدبية ذات الأوجه الدلالية الغنية، والمتعددة، ومن هنا يفترض أن تستفيد المناهج النقدية من منجزات بعضها البعض، دونما جمود ولا تعصب، لهذا وصلت الجهود النقدية إلى ما يسمى بالمنهج النقدي المتكامل الذي يحوي سمات ومزايا كل المناهج النقدية السابقة له تقريبًا، أو كما يحلو للناقد الفرنسي (جيرار جينيت) تسميته بالنص الجامع، أي أن الحدود التي تفصل الأجناس الأدبية، والمناهج النقدية لا وجود لها مع حالة الانفتاح، والتداخل، والتفاعل المعرفي الذي نعيشه اليوم، وإذا استثنينا منظمة هذه المناهج النقدية القائمة على أطر منهجية راسخة، فإننا سنجد بعض المناهج التي تحررت من هذه الأطر، وانطلقت في قراءة الأدب من منطلق الرؤية التأثرية، أو الانطباعية غير المبررة أو المعللة، ومن ذلك ما يمكن تسميته بالمنهج الانطباعي، أو النقد الموازي، وأول ما ظهر هذا المنهج في حقل الفنون التشكيلية، مع الرسام الفرنسي (كلود مونيه) في لوحته الشهيرة، التي سماها: انطباع شمس مشرقة، غير أن هذه الرؤية انتقلت إلى فضاء النقد الأدبي، مع حالة الانفتاح والتداخل والتفاعل بين الأجناس الإبداعية، ومما يميز النقد الانطباعي أنه نقد غير مبرر، ولا يرتكز على قواعد ثابتة، بل هو كل ما يثيره العمل الإبداعي عمومًا، والنص الأدبي خصوصًا في ذهن الناقد من انطباعات أولية، فالنقد الانطباعي هو نص موازٍ يسير بمحاذاة النص الأدبي، يتمثل إسقاطاته الجمالية، وانعكاساته الإبداعية، فما يسم القراءة الانطباعية أنها تقرأ النص قراءة أولية، غير معللة، ولا تقف على كنه النص أو بنيته؛ تشريحًا، وتفكيكًا، فهي مقاربة تعكس ظلال النص، وإسقاطاته في ذهن الناقد”.

الأدب متفوق على النقد

ولخص الهصك رؤيته مؤكد أن:” إذا كان الأدب إبداعًا تركيبيًا، فإن النقد إبداع تفكيكيٌّ، بمعنى أن كلاهما (الأدب و النقد ) يحمل بعدًا جماليًا، فالنقد يتماهي مع الأدب لغةً، وإبداعًا، غير أن النقد هو عمل انتقائي، بمعنى أنه لا يسعى، وليست من شواغله، ولا غاياته أن يقف بالتفسير، والتحليل، والتقويم على كل ما يُنتج في حقل الأدب، فالنتاج الأدبي في أي ثقافة عادة ما يفوق المحاولات النقدية التي تحاول أن تواكب ما ينتج في حقل الأدب، ولكن الأدب يظل متفوقًا على الحركة النقدية من حيث الكم، وهذا ما يجعل العمل النقدي عملًا انتقائيًا، وعادة ما يسرد الناقد أسبابًا لتناول عمل أدبي دون غيره؛ ليكون هذا الانتقاء مبررًا”.

الناقدة التونسية سامية البحري

سامية البحري

العملية الإبداعية قضية مصالحة بين الناقد والأديب وإذا تعسفنا على النص جاء النقد جافا

لا يجب إطلاق مصطلح نقد على القراءة الانطباعية

تؤكد الناقدة التونسية سامية البحري” أولا النقد علم له أسس علمية وركائز موضوعية إلى جانب أنه فن يقوم على جمالية، وهو إبداع في حد ذاته ولا يجب أن يبنى على التعسف وذلك بإسقاط النظريات النقدية على النص، فلكل نص زاوية يمكن الولوج منها للتعامل معه، وأقول على الناقد أن يكون ملما بكل المعارف والمهارات حتى ينجح في مقاربة النص الإبداعي، ثم عليه أن يترك للنص الإبداعي فرصة منحه ذاته بكل طواعية وذلك إذا أجاد التنقيب عن الزاوية الحقيقية التي يدخل منها إلى النص، ثانيا لا مجال للمقارنة بين “الانطباعية” و “التطبيقية” فالأولى خالية من المعايير الموضوعية والعلمية والحيادية والثانية تقوم على إخضاع النص لعملية “تشريح” بأدوات علمية دقيقة إلى جانب سلامة الذوق والكثير من الجمالية، وهذا ما يقوم به الناقد الأكاديمي الذي تراجع دوره المناط بعهدته، وانتشار فوضى الكلام فالجميع يحب المدح والمجاملة، وأغلب المواقف تنحو نحو هذا المنحى، و علينا أن ننتبه جيدا إلى دور الناقد الأكاديمي في تطوير العملية الابداعية، كما علينا أن ننتبه إلى خطورة المواقف الانطباعية على النص في ذاته على القارئ على الذائقة الأدبية عموما”.

النقد كفيل بغربلة الساحة الثقافية

وحول توازي مسارات النتاجات الأدبية العربية مع الحركة النقدية تبين البحري:” لا أرى موازنة بين مسارات الحركة الأدبية العربية مع الحركة النقدية المواكبة لها، فهناك زخم كبير في الإنتاج الأدبي والذي يختلف في الجودة من قلم إلى آخر، فالكل يكتب بلا حدود والنشر أصبح متاحا للجميع أما النقد فلا يمكن أن يواكب كل ما يوجد على الساحة الأدبية العربية، وليس كل ما يوجد على الساحة جدير بالتوقف معه، كما أن النقد الأدبي يحتاج إلى مراجعة شاملة ودقيقة والناقد العربي يحتاج إلى الكثير من الجرأة ليقول ما يجب قوله، وعلينا أن نعمل على تطوير الحركة النقدية لأنها الكفيلة بغربلة الساحة الثقافية العربية، والمسؤولية في آنية العمل تقع على كل الأطراف المبدع والناقد وحتى عملية الترويح في حد ذاتها”.

العملية الإبداعية قضية مصالحة بين الناقد والأديب وإذا تعسفنا على النص جاء النقد جافا

وحول جدوى إشراك الناقد مع الكاتب أو الأديب المعاصر أشارت البحري إلى:” ليست قضية اشتراك لأن العملية الابداعية ليست “شركة تجارية” بل هي قضية مصالحة بين الناقد والأديب، وعلى الأديب أن يتقبل مواقف الناقد وعلى الناقد أن يكف عن المجاملة ويلتزم الحيادية في سبيل خدمة الأدب العربي الهادف، لأن النقد الموضوعي ينطلق من النص ذاته ولا ينطلق من مواقف ما قبلية أو إسقاط بعض النظريات على النص بطريقة فيها الكثير من التعسف، ويجب على الناقد أن يحسن ترويض النص اﻹبداعي، ويقلبه في جميع الاتجاهات حتى يجد المدخل المناسب له، إذ أن كل نص يهبك طريقة التعامل معه وإذا تعسفنا عليه كان النقد جافا فيه الكثير من التصنع، والنص النقدي هو قراءة إبداعية جمالية للنص الإبداعي يعني هو ولادة الإبداع في صورة جديدة ومبتكرة وجميلة وليس مجرد عرض لنظريات المدارس النقدية”.

على النقاد تأسيس نظريات جديدة نابعة من روح النص

ودعت البحري النقاد العرب إلى تأسيس نظريات جديدة للنقد الحديث تحرر الناقد من قوالب المدارس النقدية القديمة والبحث عن آليات جديدة للنهوض بالمشهد النقدي الراهن سعيا لتحقيق الانسجام مع مستجدات الضروب والأجناس الأدبية الحديثة التي ظهرت على الساحة الأدببة قائلة:” على النقاد العرب أن يتفقوا على طرح الإشكاليات الحقيقية للوصول إلى نتائج جوهرية وربما الوصول إلى تأسيس نظريات جديدة عربية نابعة من روح النص الأدبي و واقعه وبيئته، إننا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى_ للالتفاف حول قضايانا الفكرية والأدبية، خاصة أن الحضارة العربية هي حضارة فكر وأدب وثقافة وعلم كذلك، إن الأدب يحفظ ذاكرة الشعوب من الزوال، ويرسخ أقدامها في عمق التاريخ، آن الأوان؛ للمثقف العربي أن ينزل من العلياء ويغادر الأبراج العاجية ليقدم رؤية تشاركية حضارية والاختلاف لا يفسد للود قضية كلنا نرفع شعارا واحدا هو الذي يجمعنا في هذا الفضاء الثقافي”.

الكاتبة والناقدة سعاد الورفلي

سعاد الورفلي

الناقد ناحت يظهر صورة تقبع خلف الظلام

لا نملك مجلسا حقيقيا يؤسس مدرسة نقدية حقيقية

وحول عوامل ظهور النقد بمفهومه القديم وعملية تحديث مسارات الحركة النقدية الأدبية تؤكد الناقدة سعاد الورفلي أن:” إن النقدية عملية حيوية متجددة، بدليل البدايات فقد ولد النقد مرافقا للذوق والحس الفني. وكان العرب بطبيعة الحياة في -أغلبهم-شعراء ومن ليس منهم بشاعر كان متذوقا، فكانوا يحبون السماع والالتذاذ بما يسمعونه، وما لا يطيب لهم تمجه طبيعتهم الذوقية بتقييم نهائي لا يستحسنون من ورائه أي تفصيل جزئي أو تشريحي، حيث النقد آنذاك مرتكزا بالدرجة الأولى على الذوق الفطري والأذن السامعة في حالة استحسان نص ما؛ لهذا جاء مجردا من العوامل الموضوعية والقراءات المتوغلة، والحركة النقدية في الوقت الحالي باهتة الأداء، فهناك اقتراب وابتعاد لمسارات الحركة الأدبية، لكن القراءة الناقدة التي تهدف لتأثيل النصوص الأدبية ليست بالقدر الكافي، فالحركة الأدبية الآن باتت تتشعب وتتسع لكننا لا نملك بحق مجلسا نقديا يؤسس لمدرسة نقدية حقيقية أسوة بما كان عليه الحال منذ عصور مضت، ليس بالضرورة أن يكون الناقد مقلدا ولكن تأسيس الحركة النقدية في حد ذاتها منهج يفرض كيانه من أجل المواكبة والاستمرار والإحياء، فكثير من الأعمال الأدبية ينقصها الإحياء، وهذا هو عمل الناقد المبدع البصير بفنه الدقيق”.

القراءة عاجزة عن تشريح النص الأدبي

ونوهت الورفلي إلى جوهر الاختلاف بين أساليب النقد السائدة اليوم والبعيد بعضها عن مناهج النقد الأكاديمي الذي يعتمد على الدراسة والتشريح للنص قيد النقد وذلك لاعتماد الثاني على الأسس والقواعد التي تجعل من ظهوره مرهون بزمن أما الأولى فيكفي لإنجازها شيء من التأمل والغوص لإظهار ما وراء النص وتقديمه للقارئ كما في التغطيات الصحفية مبينة أن:” قبل أن أتطرق لنوع القراءة الأدبية، فإنني أود أن أقول إن الكثير من الأعمال الأدبية بات يطغى عليها جانب آخر ينزاح بها عن الطبيعة التقليدية المعتادة؛ فالنص الأدبي في غالبه نص يحتوي على كثير من الرموز والصور والدلالات الإيحائية التي إن وقفنا على واحد منها، نجد أنفسنا أمام كثير من المتاهات والمعاني الأخرى التي تقودنا للتوغل والبحث في ثناياه ومداخله، أمأ عن القراءات الآن في أغلبها انطباعية أو ما نسميه (النظرة الأولى) كالتغطية الصحفية التي أعطت زخما للنشر السريع والإشارات المتنوعة للنص الأدبي لكنها تظل في معظمها عاجزة عن تشريح النص الأدبي ماديا وجوهريا لأن التشريح النقدي يشترط توفر الملكة النقدية ثم تأتي في جملته أداة اللغة والبلاغة وأساليب التفكيك ومناهج النقد الحديثة والقديمة وكيفية التوظيف الفعلي لتأويل النصوص نقديا وفلسفيا، الأمر وصل ﻷن نستعمل فلسفة نقدية معاصرة حتى نصل إلى خبايا النص الأدبي المبدع”.

الناقد ناحت يظهر صورة تقبع خلف الظلام

وفيما يتعلق بالدور الحقيقي المناط بالناقد الأدبي واحتراف مهنة النقد ومدى أهمية اشتراك الناقد مع الكاتب أو الأديب المعاصر تابعت الورفلي:”الناقد هو المخرج الفني لكل عمل أدبي، تمحور خلف الكلمة والأسلوب، أسلوب الكاتب، منهجيته، حروفه، طريقة عرضه لعمل ما، استشعاره الواقعي، خلقه التخييلي لولادة جديدة تنتحل من الواقعية لتتجرد من فوقيات الخيال، أو عمل فني انسدلت عليه ستائر الغموض ومادور الناقد إلا كما ناحت يظهر صورة تقبع خلف ظلام التمويه والتعتيم ليطلق كينونتها من قيد الفكرة إلى حرية الاستعراض والاستنطاق والتجسيد، لم يقف الناقد اليوناني إزاء الأعمال الفنية موقف الصامت المتأمل وحسب، بل حول العمل الفني إلى ملحمة سردية تقف خلفها خيول الفكرة والصورة تجر عربة الشخوص ونظائر اللوحة، فدور الناقد عميق بأبعاده وفنه وقراءته وفكرته وأسلوبه، بل إن العمل الفني لا يكتمل معناه إلا بالقراءة النقدية التي تخلصه للجمالية والإبداعية، أما فيما يخص آنية العمل الفني ودور الناقد الماهر واشتراك الناقد مع الثلاثي المستقل : الكاتب _النص _المتلقي أو القارئ: بما أن النقد عمل يجتاح النص الأدبي متخللا كل عناصره؛ فإنه بالتالي يمنح النص الأدبي حيوية وديمومية فاعلة تستمر عبر العصور بثوب جمالي مضفيا عليه إثارة القريحة والعقل الناقد. إن القراءة النقدية الفاعلة هي التي تسمح باستمرار العمل الأدبي وكأنه في ولادة دائمة جديدة ، كلما قرئ أعطى مدلولات جديدة ومنحنيات لم تكن ذاتها عند القراءة الأولى . فالعمل الأدبي الناجح هو الذي لا ينتهي بانتهاء العرض بل يمتد لأزمنة متتالية تمنحه مزيد فرص لقراءات بستمولجية مانحة وتفاعلية نصية تستميح التيمات متعمقة في دلائل النص ولحظة الولادة وروح الكاتب والتوقيت الفعلي للتنهيدة الأولى لتكوين العمل الإبداعي ، هل وقف النقاد عند هذه الحدود ليمتد العمل الفني ؟ هل هناك تواصلية فعلية بين الناقد والأديب والقارئ أو المتلقي ؟ هل دور الناقد أن يتلقف اللغة ويبعد مادون ذلك ؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات قطعية نافية أو مثبتة؛ بل إلى تفعيل حقيقي لدور الناقد وتقديمه العمل الأدبي بكل جمالياته للجمهور المتلقي حتى يعرف قيمة الإبداع في هذا النص أو ذاك ، هذا مما يمنحه بالفعل صورة الديمومة بدل الآنية التي تعطي الانطباع المبدئي للنص من الانطباع إلى العرض ثم الانتهاء”.

نطالب ببناء ركيزة تجمع النقاد وتؤسس منهجا معاصرا

واستطردت قائلة:” في ظل تعددية المناهج والمدارس النقدية، هل باستطاعتنا تكوين نقد موضوعي؟ لم لا ؟ نحن لدينا اللغة، اللغة المليئة المتينة العميقة ونستورد المصطلحات التي أدت إلى تشمع العمل الأدبي، المتلقي يحتاج من الناقد المبدع أن يخرج له العمل الأدبي في صورة حية تخاطبه، وتخاطب الواقع وتشجع لهفته الباحثة عن الإجابة بل التي لا تكف عن سؤال الماوراء، الجميل في النقد أنه مدرسة مفتوحة لكل الآراء ولكل المناهج؛فهو يتكون ويكون وينتج ويخرج ويعطي ويتدفق، ويبرز، إبراز الأعمال الإبداعية وتقديمها للقارئ هو أحدث إنجاز في عالم النقد، المنهج النقدي في عالم اليوم يتسم بالأكاديمية، هو منهج يختص بالأكاديمي والباحث، بل صارت الأعمال الأدبية في قفص الاتهام حتى يحكم عليها بعين الناقد بصلاحيتها أو عدم صلاحيتها، بيد أن عمل الناقد غير ذلك إطلاقا_إنه يصلح من العمل الأدبي_يقرب ما بعد فيه ويقوم اعوجاج بعض النصوص التي تنزاح عن الحركة الفعلية لسيرورة العمل الأدبي، فما نحتاج إليه اليوم هو عمل حقيقي في تشكيل نخبة من النقاد الذين يرتكز عملهم المبدع في الموضوعية الفنية التشريحية للنص والبحث في منغلقات النص وروح الكاتب وعدم استبعاد أي منجز أدبي يستحق أن يستشرف مكانه في الأوساط العالمية للارتقاء والديمومة، فكل نص أدبي قرئ بعين ناقدة موضوعية هو عمل حي بالدرجة الأولى. لا ننس: أننا بالفعل بحاجة إلى مدارس التأويل النقدي ، المتمثلة في بناء ركيزة تجمع أبرز النقاد والأدباء في أعمال فنية لها قاعدة راسخة تنطلق منها كل الآراء الأدبية النقدية لتأسيس منهج حديث معاصر يقوم على الموضوعية، بتنوعاتها، تلك الركيزة تتمثل في المجلات والصحف الأدبية والفنية، كذلك توظيف العمل النقدي كعمل حقيقي في المنتديات والنوادي الأدبية و(الصالونات الأدبية ) التي تحتفي بالأديب والناقد والنص والمتلقي، وإنشاء منصة أدبية جامعة لفنون وأقلام الأدباء وتأصيل كل القراءات بمناهجها المتنوعة مع إضافة عامل التجدد وتجدد الخطاب النقدي تمشيا مع روح العصر ومتغيراته”.

مقالات ذات علاقة

المواقع الثقافية الإلكترونية رافد أم بديل للصحافة الورقية

خلود الفلاح

استطلاع.. ماذا يقرأ ويشاهد الليبيون في رمضان؟

المشرف العام

العجيلي العبيدي: فالفن أكبر من أن تحويه شاشة إلكترونية!!!

رامز النويصري

اترك تعليق