قصة

إسم على الصخر.. !!

من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني
من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني

 

-I”باطل الأباطيل وقبض الريح”

سفر الجامعة/ 2:1

-II وصـار ما كان من مُلك ومن مَلِك كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ

إبن الروندي

(1)

أسماء بحارة وزوار وعابري سبيل ورحالة ومغامرين ابتلعهم التاريخ وشرب عليهم من مياه الخليج، تبخروا دونما أثر غير إسم على الصخر مخبأ في قلعة قديمة بجزيرة نائية شرق إيجة على مسافة ليست بعيدة من قصور سلاطين بني عثمان الذين غادرت حتى أشباحهم بعد أن ملت الانتظار.

(2)

تراجع حكام قصر الحمراء بشرف خشية هدمه من قبل الاسبان على رؤوسهم، وحفاظا عليه لصالح وزارة السياحة الاسبانية.. !!

كانوا على حق.. وإلا لما كان كل هؤلاء السياح هنا في هذا اليوم الشتائي المشمس.

جلست مطولا أمام بحيرة الأسود، وفي جنة العريف وأنا أتصور الأمراء وهم يمرون بملابسهم المزكشة، وشممت رائحة عطور الأميرات وهن يتمايلن زهوا ويتبادلن آخر أخبار ولادة وابن زيدون وأشعارهما.. قبل أن يبدأوا في ترديد أشعار ابن الروندي فيما سيأتي من الزمان.. بعيدا عن هذا المكان.. وهم يتغزلون في مفاتيح بيوتهم.. !!

(3)

ترى أين ذلك من صاحب باب العزيرية المتخلف عقليا.. حتى قصره القبيح الشكل ما عاد له ذكر ولا ركز.. والذي رجع إلى طبيعته الحقيقية وطبيعة من سكنوه حينا من الدهر.. إذ أبان حقيقته وحقيقتهم وما كانوه بالفعل.. مجرد مكب للقمامة.. قمامة كان وقمامة صار.. هذا هو حكم التاريخ. لأن كل ما لديك من هذا العالم هو حين فقط.. أما إذا اعتقدت بأنك تملك الدهر كله.. فقد تفقد حتى هذا الحين.

(5)

في اشبيلية صعدت إلى قمة الخيرالدا، والتي كانت طافحة بالسماء الزرقاء وبأسماء من زاروها وتركوا اسماءهم مكتوبة بالآت حادة، أو حتى بالفحم على جدران البرج. في مدخل الكنسية عند السوق القديمة، شاب أسباني اتكأ على الجدار يدخن سيجارة حشيش، كانت الرائحة تملأ المكان، ولكن كان اليوم أحد، ولاأحد يرغب في مضايقة أحد، كان ذلك قبل إباحة استخدام الحشيش في اسبانيا. في داخل الكنسية كان ثمة معرض لرسوم الأطفال. عالمان مختلفان ويتقاطعان بشكل شاقولي كامل. قمت بدورة سريعة في المعرض البسيط والجميل، في الداخل مجموعة من الأطفال (ربما بينهم بعض بيكاسوات المستقبل) وعدد من السيدات المدرسات المشرفات على المعرض. حدقت دون كبير تركيز على الرسومات الطفولية الملونة.. بيوت.. أشجار.. قطط.. بحر وسماء وشمس ونوارس بيضاء تطير في الإفق مثل العادة. تبادلت عند خروجي بضعة كلمات مع الاسباني المستلقي براحته عند مدخل الكنيسة، والذي قال لي بأنه عائد لتوه من المغرب. وفيما أتجه نحو محطة الباصات والغروب يغطي اشبيلية التي بدا لي بأنها تمتلئ بأشباح يربطني بها خيط علاقة خفية ما وتراقبني عن كثب، وأنها هي التي جذبتني إلى هذا المكان بالذات دونما أي تخطيط، تلفتت مودعا برج الخيرالدا، وكل الأسماء المسجلة فيه دون استثناء، بل وحتى تلك التي قد تـُسجل فيما سيأتي من الدهر.

(6)

في معبد بوسيذون في رأس سونيون (جنوب شرق أثينا بما يقرب من سبعين كيلومترا مما يعدون)، يمكنك قراءة اسماء لبحارة وسياح زاروا المعبد وتركوا اسماءهم وسجلوا تاريخ زيارتهم، بعضهم منذ اكثر من ثلاثة قرون ويزيد، إلى أن منع اليونانيون تجريح شرايين أحجار أجدادهم القدماء قبل أقل من قرن من الزمان. من بين من سجلوا اسماءهم في السجل الأثري القديم جورج بايرون، وقد كتبه بأداة حادة عميقا في الصخر كأنما كان يبحث عن نبتة الخلود في قلب الحجر، كان الجو باردا والحارس مختبئ في حفرته.. ففكرت أن أحفر اسمي مثل كل العابرين، ولكنني تنازلت عن الفكرة، إذ ما الفائدة من ذلك، حيث لن يكون ذلك أكثر من إسم على صخرة سوف تتفتت في مقبل التاريخ، وتلتحق ـ مثل غيرها من صخور الزمن ـ برمال كثبان كالاهاري التي تقترب رويدا رويدا من صوب الجنوب.. لن يطول الأمر طويلا.. ستصل.. وإن استغرق الأمر بضعة ملايين من السنوات.. وبضعة ملايين من السنوات الشمسية لا اعتبار له في تاريخ كوكب عمره يقاس ببلايين الأعوام.

(7)

كتب أحدهم بالسبراي على جدار الصمت، إن (الصمت الذي لا يصم الآذان ليس صمتا إطلاقا)، فيما كتب الصمت نفسه على جدار الزمن، أن الصمت لم تعد لديه القدرة على الصمت، وأنه على وشك الشروع في الصراخ.

ولكن الزمن كان أصم.. ولم يسمع بأن ثمة شيئا إسمه الصمت من الأساس، فاعتقد أن المسألة مجرد رسالة تحتوي على (فايروس) جديد يتم تدويره في شبكته، فديلته* على الفور.

نعم.. على الفور، وقبل أن يعرف ما الخبر

فعادت ذاكرة الزمن ـ دون إرادة منه ـ إلى نابشي القبور.. ووعد بلفور

وما أنتجه من كميات الألم المعبأ في أكياس عائلية وفردية، تم توزيعها على مدى أكثر من نصف قرن، على سكان المنطقة من المحيط الاطلسي وحتى شواطئ طبرية التي عبرها المسيح ماشيا على قدميه.

لقد وقف ابن الانسان طويلا في انتظار من ينقله إلى الشاطئ المقابل لأنه كان مفلسا وليس عنده أجرة مركب، وعندما مل الانتظار قرر عبور البحيرة على قدميه.. فمشى على الماء.

(8)

لا يهم أن تنتظر.. إنما أن تقرر، دون أن تعرف الأرضية التي تعبرها. عندها سوف تعبرها على أنها يابسة رغم أنها ماء، ولكنك لا يجب أن تعرف ذلك حتى تنتهي من عملية العبور، بعدها لا يهم أن تعرف طالما أنت مقتنع بأن ما كنت تدوس عليه كان يابسه. المشكلة إذا اكتشفت أنك تمشي على الماء وأنت في منتصف البحيرة.. عندها لن يجيرك أحد، لأن الماء لا يغفر.. ولأن المعرفة كفر في عرف الماء وما شابهه من أحزاب مائية لا هم لها إلا حدوث الطوفان، ومحو كل ما تم تحقيقه حتى الآن، رغم ضآلته.

نعم.. رغم ضآلته.. وربما حتى ضلالته.. !!

(أخيرا)

أسماء كثيرة.. ووجوه أتذكرها ـ في السرـ أحيانا ثم أسهو عنها في أحايين أخرى، لم يبق لها من ذكر.. بل ربما لا يتذكرها من أحد سواي.. هل كانوا حقيقة.. أم مجرد خيال وسنان وأطياف ليلة صيف.. ؟! ربما الشيء الحقيقي الوحيد في هذا العالم هو الكلمات المتقاطعة.

نعم.. ربما

شمرت عن ساعدي وشرعت في العمل..

ـ إلهة بابلية يعتقد أنها كانت على علاقة غير معلنة بغلغاميش.. وربما بآنكيدو قبله، ولم يعثر على أي أثر لإسمها في النقوش المسمارية.. ستة عشر حرفا وبضعة فواصل (مسمارية بالطبع).. !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Delete *

أثينا/ ديسمبر 2012- يناير 2013

مقالات ذات علاقة

سيـرة الجـد الهـارب

إبراهيم بيوض

إصرار على السقوط

غالية الذرعاني

نـــانـــاتـــي

عزة المقهور

اترك تعليق