سرد

أيها المعلم…القديس الشيطان !

إلى أبوبكر المعداني الذي عليه أن يكون حياً الآن.. لأني أحاول جهدي ألا أكتب للأموات

من لوحات إنسان ما قبل التأريخ.. أكاكوس، ليبيا

ها أنا أستيقظ الساعة الخامسة فجراً مثل طرقات المسافرين لأكتب شيئاً بسيطاً لك.. شيئاً تافهاً..وكما علمتنا..كان علي أن أرسل الذباب على جراح الحزن المتعفن..ما أبعد بنغازي حين تكون فيها..وما أقربها حين يكون مسدسك محشواً بالرصاص، أتذكر لقائنا الأول.. كنت ترتدي اللباس العسكري مثل تشي وترص أقلام الحبر الرخيصة في الجيب الجانبي على الذراع وتمسك بعرجون نخلة لتضربنا نحن المتأخرون في اليوم الاول على مؤخراتنا ونحن نركض محاولين قدر الإمكان تجنب صفير عصاك كونك مدرساً للتاريخ قلت لنا مانحتاجه الآن ليس التاريخ.. بل كيف تكفون عن هز أرجلكم وأنتم جالسين.. كيف تتوقفون عن قرض غطاء أقلام الحبر.. ثم سنتحدث عن كرة القدم.. نادي التحدي تحديداً.. نادي التحدي فقط على كل حال.. وعن مذيعات قناة art.. أوه أيها الأولاد البلهاء الأوباش.. الشياطين..الطيبين جداً لدرجة أن لدي رغبة بقتلكم.. كيف أقول لكم ذلك.. لو وضعوا مليون دينار في بنغازي كنتم ستلاحظون ذلك حتماً.. بنغازي الجرباء.. كلبتنا العرجاء الجميلة..المكان الأكثر إحباطاً في العالم.. أمناء المؤتمرات سرقوها.. في كل صباح أيها الكسالى يسرق أمين المؤتمر شيئاً لايمكن استعادته من بنغازي.. ثم كنت تقول لنا: سأعلمكم كيف تمسكون الأقلام.. ماذا يترك مدرس التاريخ لهذا العالم الأمي سوى أولاد يجيدون مسك الأقلام.


كنت أعظم من يرسم الكاريكاتير الخاص بالوجوه.. جعلت السخرية هي حرفتنا الاول.. قلت لنا البنغازي الذي لا يسخر ليس أصيلاً كما يجب.. مرة رسمت وجه المدير أمام مدخل الإدارة.. دخل المدير..ابتلع ريقه.. ولم يجرؤ على مسح وجهه المرسوم فأضطر لأن يقول مرحباً ثم انتزع راسه من جسده أمام الجميع.. لم تأسف كثيراً عليه وقلت لنا تذكروا هذا ياسادة ما أحبه في الثبات هو الصدام بلا شك، قابلتك بعد ذلك بعشرين سنة.. قلت استحلفك بالله وبالأضرحة البيضاء المنتشرة كالبهاق: هل مازلت طيباً؟ قلت لك نعم مازلت طيباً.. ابتسمت وقلت هذا أهم شيء..كنت قد كذبت عليك حتماً.. فأنا لم أعد أعرف من أكون.. لكن يؤلمني أن أراك لا تعرف من أكون، أيها المعلم القديس الشيطان ها أنا أتمنى أن أصنع لك تمثالاً وسط بحر الشابي .. وأصنع منك تمائم صغيرة للطلاب الجدد.. قلت لنا أتركوا عنكم الرحى وأغانيه.. واستمعوا جيداً للألحان العظيمة المتوحشة التي تخرج لحظة طحن الحبوب وسط دوران الحجر.. انظروا هذا ما يهم ابداً.. كل شيء آخر هو مجرد محاولة تشويش.


راقبوا الحطب وهو يحترق.. المعرفة يجب أن تكون هنا.. وليس في مكان آخر.. تتبعوا الماء الذي يجري حتى ذلك المندلق من الكؤوس والأكواب.. خطة الماء لابد أن تنجح.. حتى فشله له مغزى، والان أيها الحلاليف الأليفة عليكم دائماً أن تعرفوا كم عدد الأزرار في قمصانكم وسراويلكم التي ترتدونها.. إن كان يوماً عليكم أن تكونوا مجرمين.. فيجب أن تتدربوا على النبل.. لا يوجد رجل يخيف أعدائه.. مثل الرجل الذي يعرف تماماً ماذا يفعل.. إنهم يعرفون حينها أنه أختار وقت موته بشكل دقيق وهو ممتلئ بالكبرياء والغضب.


كلما رأيتك تكنس وتنظف المدرسة في الصباح الباكر ـ مدرسة امحمد المقريف الإعدادية..المدرسة المطلة على البحر والمبنية فوق مقابر أشد الجنود رعباً وإحتراماً ـ تذكرت كم تشبه الإله الرئيسي لسكان تولا.. كتيزالكواتل.. الرجل الذي بسبب مغامرته صار إلهاً.. الذي يكنس طريق ربة المطر .. لأنه قبل المطر تهب ريح قوية وتثور غيوم من الغبار.. الرجل الذي طلب من الهنود معاقبة أنفسهم بغرز أشواك الصبار في سيقانهم.. وعلمهم الكتابة الهيروغليفية.. وألف كتاب الإشارات والتقويم التنبئي.. كانوا يسمونه ايضا العصفور الأخضر.. إن المكسيكيين وعلى الرغم من مرور اكثر من اربعمائة سنة لازالون ينتظرون عودته ليفتح المكسيك.. ألا يقولون في دولة الموريلوس.. إن روح الثائر إيميليانو زاباتا.. الذي قتل غدراً.. تعود عندما تصفر الريح.. هذا لايدل سوى على أن الاسطورة مازالت حية.. وأن كويتزاكواتل حلم العصر الذهبي الهندي.. الرجل الذي ساهم في تأليف التقويم الشمسي والقمري.. وفي عهده بدأ تفسير الأحلام وعلم الكواكب.. والذي كان يقول مثلك: الشمس تناديني..
لكنك كنت كما يقول سعدي يوسف أيضاً:
أنا العاقر وكثرٌ هم أبنائي
أنا في العرس الكبير ولم أتخذ زوجاً
أنا القابلة..ولم أنجب أحداً..
هكذا كنت تتابع طريقك فتسبقك كل الطيور ذات الريش الوفير وعازفو الناي.. وكلما توقفت لتنظر إلى وجهك تقول: أنا عجوز الآن..لكنني على الأقل مازلت أملك وجهاً.. أدخلوا لفصولكم أيها الأوغاد..وتذكروا يا صغاري الأوباش..تذكروا هذا دائماً..حافظوا على وميض مقصاتكم أمام العالم.

مقالات ذات علاقة

طماطم حكيّة وقطن وفراغ

آمال العيادي

حـديـث الكـورنـيـش: الـليــــــل بـزبــد البـحـر

الحبيب الأمين

رواية الحـرز (42)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق