دراسات

أين موقع المصراتي في حياتنا الأدبية؟

1

الكاتب علي مصطفى المصراتي.
تصوير: فتحي العريبي.

إن مما لا شك فيه أنّ دراسة إنتاج أدباء الطليعة الذين برزت أسماؤهم في حياتنا الأدبية عقب الحرب العالمية الثانية ليعتبر من أهم ما تحتاج إليه حياتنا الأدبية هذه الأيام، وهي تحاول أن تتجاوز مرحلة الركود وتصل إلى عوالم الخصوبة والإبداع.

ولست في حاجة إلى الحديث عن الدور الذي لعبه قلم الأستاذ على مصطفى المصراتي في حياتنا الأدبية المنوه عنها، وذلك منذ عودته من المهجر في تلك الفترة بالذات ومشاركته في مسيرة الحركة الوطنية..

فمنذ انصراف هذا الرجل إلى الممارسة الأدبية في مطلع الخمسينيات، وخروجه إلى القراء بكتاباته التي اختار لها عنوان (لمحات من الحياه الأدبية في ليبيا) وما تبع ذلك من نشاط صحفي وإذاعي، وحتى أيامنا هذه مايزال المصراتي يمثل وجها بارزا في حياتنا الأدبية، محاضرا وكاتبا وقصاصا، ومؤرخا..

ورغم الخلاف الكبير الذي ينشأ عادة حول تحديد مستوى إسهام الأستاذ المصراتي بالنسبة لكتبه التي تزيد على العشرين، فإن الاجتماع ينعقد على ضرورة دراسة ما قدمه للمكتبة الليبية..

وما من شبهة في أن الدراسة الأدبية بالذات من أهم ما قدمه قلم الأستاذ المصراتي، حيث خصص لها عددا من كتبه مثل لمحات أدبية عن ليبيا، ودراسة عن الأسطى عمر، وأخرى عن المرحوم أحمد الشارف.. إنه إذن كاتب دراسة، ومن ثم فإن محاولة إخضاع دراساته للمناقشة لا يمكن أن تضع صاحبه تحت طائلة القول باختيار أسوأ النماذج وإصدار الأحكام من خلالها..

وفي هذه الوقفة، سنناقش دراسة الأستاذ المصراتي التي كتبها عن الشاعر الكبير أحمد الشارف، وذلك بمناسبة إعادة طباعتها هذه الأيام من ناحية، ولأنها تعتبر من أخطر الدراسات التي تعرض لها قلم الأستاذ المصراتي من ناحية أخرى بالنظر إلى المكانة السامقة التي يتمتع بها الشاعر أحمد الشارف، وما يدخل في إطارها من تهيئة الفرصة أمام الأستاذ المصراتي للتعرض لفترة حاسمة من تاريخ الوطن ومرحلة زاخرة بالتطورات التي تعرض لها الأدب العربي والشعر على وجه الخصوص. وربما كان من المهم أن نشير هنا إلى التطور الذي طرأ على فن الدراسة الأدبية في العالم العربي، لنرى بعد ذلك مدى الاستفادة التي استطاع الأستاذ المصراتي أن يجنيها كأحد الذين تخرجوا من الأزهر الشريف وعايشوا فترة انبعاث الحركة الأدبية في المشرق.. وفي القاهرة على وجه الخصوص..

ولقد كان النموذج البارز الذي قدمته النهضة الأدبية الحديثة في المشرق ممثلاً في الدراسة النقدية الجادة التي كتبها الأستاذ العقاد عن الشاعر القديم ابن الرومي، وذلك عندما استخدم لأول مرة في تاريخ النقد العربي مبادئ علم النفس، ثم اتبعه بدراسته عن أبي نواس، هذا فضلاً عن نقده المرير لمدرسة شوقي وحافظ..ولقد ارتكزت دراسة العقاد عن ابن الرومي على عناصر محددة تمثّلت في الحديث عن عصر الشاعر، والمؤثرات التي أثرت في تكوينه والملامح البارزة التي تشكل شخصيته الشعرية، وأخيراً المآخذ التي أخذت على أعماله.. ولقد أفلح العقاد بواسطة هذا المنهج أن يجلو الكثير من الغوامض والملابسات، وذلك بغض النظر عن الماخذ التي أخذت عليه، كالقول بأنه قد بالغ في استخدام علم النفس.

ولقد وقف إلى جانب هذا النموذج نمودج آخر تمثل في دراسات الدكتور طه حسين والتي بدأها بكتاباته عن الشعر الجاهلي، ثم حديث الأربعاء والتي اصطلح على تسميتها بالدراسات ذات النزعة الديكارتية، ولقد استطاعت هذه الطريقة أن تثرى الفكر العربي، وتخرج به لأول مرة من عوالم الجمود والمسلمات.. وتلامسه بروح العصر، وتذكره بتلك المعالجات الرائدة التي بدأ بها المعتزلة، وذلك بغض النظر عما قوبلت به من البعض من سوء الفهم وضيق الأفق، بل وسوء النية..

وتوالت بعذ ذلك الأسماء، محمد مندور ونقده المنهجي، لويس عوض وأبحاثه الرصينه، ميخائيل نعيمة ومتابعته الدؤوبه، أمين الخولي ومدرسته المستقلة..

وكان من الطبيعي أن يجرف هذا التيار الوافد من الشرق حياتنا الأدبية التي بدأت خيوطُها الأولى تتكون في تلك السنوات التي بدأ فيها المصراتي ينشر إنتاجه، وأن تستقطب الدراسة بالتالي أنظار الذين بدأوا يمارسون الكتابة، بوصفها الشكل الأدبي الأكثر نضجاً انذاك..

وهكذا برز الأستاذ المصراتي كواحد من الذين ارتادوا هذا اللون من التعبير، وكان بلا جدال أكثر الأسماء إنتاجاً وذيوعاً في عالم النشر..

فهل أفلح الأستاذ المصراتي في تطبيق طرق البحث، وهو يدرس أشعار أحمد الشارف، ويستفيد من التطور الهائل الذي طرأ على فن الدراسة بعد خروج العقاد وطه حسين، وبالذات هذا الأخير الذي يقول المصراتي إنه كتب مقدمة لواحد من كتبه غير المطبوعة ؟

لنحاول استخلاص الجواب من خلال استعراض الكاتب، وإذا ماصرفنا النظر عن المقدمة المنطلقة أساساً من منطلق الإعجاب، المطلق، الأمر الذي لا يتمشى والنظرة التقييميه، وأعرضنا عما ترسف فيه من انحلال المتناقضات، لعل أبسطها أن الكاتب يجمع بين القول بأن الشاعر امتّد به العمر وظل رهين المحبسين وأن الحياة الأدبية فقدت بموته (إنساناً معطاء سهلا في الكلمة ذات الإحساس المتوهج والنور المتدفق) وهو أمر لا يتمشى وحقيقة موت الشارف الذي قال كلمته ومضى، أقول إذا ما صرفت النظر عن هذا وألقينا نظرة على الجانب الذي خصصه الكاتب للحديث عن عصر الشاعر وحياته، وشعوره وحاولنا تتبع ذلك، ألفينا ما يعانيه المؤلف من انعدام في الرؤية وتعّجل في المعالجة، وتعميم في إصدار الأحكام فهو لايحدد لنا مسؤولية ما عن الذي تسّبب فيما عانت منه البلاد من تخلف، لا يكلف نفسه عناء البحث عن أسباب ذلك الوضع المزري الذي عاشته ليبيا في تلك الفترة من التاريخ، إنه فقط ينطلق من الحديث عن أدب المجالس، وليته يتقصى هذه الظاهرة التي يصّدر بها بحثه هذا.. وليته ينتهى منها إلى تحديد ملامح للحياة الأدبية كان يتخد منها دليلاً عن انعدام الشخصية الأدبية.. وأكثر من ذلك أنه يتعرض إلى النهضة التي وفدت من المشرق في سرعة عجيبة، ولكن أن نذكر أنه يتحدث عن هذه القضية في عشرة أسطر لا غير، أما ملامح هذه المدرسة وأما التطور الذي طرأ على البناء الشعري فهذا ما أهمله المؤلف كلية..

(في شعر بعضهم رقّة وسلاسة) (وفي شعر بعضهم بداوة وجزالة)

ما هو المرجع الذي استقى منه أحكامه؟ ما هو المرجع الذي يمكن أن يدلنا إليه معشر قرائه..؟

علم ذلك عند الكاتب وحده ورغم أن المصراتي يلوم من انعدام المصادر الكافية عن حياة الأدباء، ومع ذلك وعلى مدى إحدى عشرة سنة عاشها صحبة الشاعر كما يقول في كتابه فإنه لا يقدم لنا أية معلومات تتجاوز ما يمكن أن يقدمه أي راوٍ عادٍ، لا كاتب رائد مثل الأستاذ المصراتي..

إن المؤلف يستسلم في هذا الباب الذي حشد داخله مجموعة كبيرة من العناوين الفرعية لموضوعات الشاعر، دون أن يكلف نفسه التفكير في إعطاء أي رأي إزاءها، إنه يذكر للشاعر مواقفه الخاصة بتوحيد القضاء ويشيد في الوقت ذاته بالقانوني الكبير عبد الرزاق السنهوري، ثم يعود بعد ذلك فيتحدث عن أخلاقيات الشاعر وعصمته من المجون، وهكذا يجد قارئ الكتاب نفسه في حيرة من أمره، أين الكاتب من هذا كله؟

هل هو مع توحيد القضاء أم ضده؟

هل يرى في ممارسة الشاعر لبعض وسائل اللهو سبباً في محدودية تجربته ؟

أسئلة كثيرة كان يمكنه أن يجيب عنها بل كان عليه أن يجيب عنها..

ومن الأمور التي يلحظها قارئ هذه الدراسة، وتطرق لها المؤلف إعجاب الشاعر ببعض الشعراء المحدثين، وأخبار الشاعر وعلاقاته الإنسانية، وما أصيب به من علل وأسقام، ذلك التطرق المجرد الذي يكتفي بالأخبار دونما إشارة إلى أثر ذلك في شعر الشاعر، سواء على مستوى البناء أو على مستوى المعنى..

وما من شك في أن الأستاذ كان يمكنه لو تأنّى قليلاً أن يخلص من هذه الظروف الحياتية الموغلة في الصعوبة إلى الخروج بشيء ماعن شاعرية هذا الشاعر..

ولعل مما يلفت النظر أيضاً أن الدارس لهذا الكتاب يحس أحياناً بأن المؤلف يضفى آراءه الشخصية على الشارف وذلك عندما يقول:(كان أحمد الشارف يكره أكثر ما يكره هذا اللون من الشعر الحديث المنفلت الذي يتهرب من الوزن، ويتباعد عن الذوق ولاسيما شعر الرمزيات ذات الخيال المرهف والإغراق في الغموض، وتلطيخ الأصباغ، هذا اللون من الشعر الذي لا تكمل به صورة ولاتظهر فيه فكرة..) ويضيف: ذات مساء سألته عن الشعر الحديث غير المتقيد بوزن، فاهتز الشاعر وحمل حملة عنترية على هذه الأساليب التي بدعها أو سلفها شباب لابضاعة له من لغة ومران ولاثروة له من ثقافة) ولكنه أي الشارف قرأ أو سمع لبضع قصائد للشاعر نزار قباني وأعجب بها وإن كان لايستسيغ أسلوب نظمها إلى أن يقول ويعجبه من الشعراء المعاصرين عزيز أباظه..

والواقع أن هذه الآراء هي آراء المصراتي نفسه، وخاصة إذا علمنا بعد ذلك كيف طالب المصراتي أن يدرس شعر نزار قباني في الجامعات عندما استضيف هذا الشاعر من قبل وزارة الإعلام والثقافة سنة 67 وأن الشاعر عزيز أباظة قدم إلى البلاد أيضاً بعد هذه الفترة بقليل أي عندما رأس الأستاذ المصراتي اللجنة العليا لرعاية الفنون والأداب، على أن المأخذ الذي يأخذه المرء على آراء الأستاذ المصراتي هذه هو ذلك التحريف الذي وقع فيه إزاء الشعر الحديث.. فالشعر الحديث ليس خلوا من الوزن كما جاء في كلامه هنا، كما أن عدم التسليم للشارف بجدواه لايمكن أن ينال منه، وذلك إذا مالاحظنا أن الشارف ينتمي أساساً إلى مدرسة شعرية لاتستطيع أن تستوعب مضامين الشعر الحديث، بل أن المصراتي سبق له أن شارك في تقديم أول ديوان من الشعر الجديد للشاعر على الرقيعي..

غير أن عيب السرعة في هذا الكتاب لاتتحدد ملامحها كما تتحدد في الفصل الذي أفرده الكاتب للحديث عن شعر القضايا العامة، أو العروبيات والوطنيات كما عبر المؤلف.. إن الكاتب لايحدد رأياً عن مفهومه للعروبة ولا للوطن، حتى ينطلق من منطلق سليم لتقييم شعر الشارف، ولكنه يظل ينتقل من هنا إلى هناك مرة بالحديث عن بيت من الأبيات، وأخرى بالإشارة إلى معنى من المعاني.. كل ذلك في شيء من التجزئة والتفريع المخل، ودون أي تفريق بين سلامة مواضيع الشاعر ومقدرته أو عدمها في التناول..

وسنلاحظ بقليل من التأمل أن الأستاذ يتعرض إلى أخطر القضايا التي طرحها النقد الحديث عن الشعر دون أن يقدم دليلاً واحداً لهذه الآراء.. يقول في الصفحة 57(والشاعر قد يتخذ شعره نغمة الخطابة،إنما هو الشعر الخطابي وهذه أيضاً قضية أخرى.. أيهما أوقع ياترى؟ شعر الهمس، مثل أغرودات على محمود طه وأنشودات إيليا أبوماضي أم العواطف المتأججة الثائرة؟ إلى أن يقول:

لانستطيع أن ندلي بجواب فيه كل الدقة في التحديد.. الجماهير في أيام المطالبة بحقوقها تريد حناجر هتّافة، أكثر منها همسات ولمسات شاعرة تتجاوب الجماهير مع الشاعر الخطابي دون الشاعر الهامس، السائر على مهل في ثوب حريري.

(ونحن في موطن الدراسة والنقد لانستطيع أن نبخس شعر الهمس والسرقة والديباجة..

حسناً، إن الكاتب يقرأ هذا وذاك، يقبل بشعر الهمس ويقبل بشعر الخطابة، وإن كان هذا الأخير ينال منه حظا أوفر ولكن، هل يمكن لي كقارئ أحاول أن أستفيد من الأستاذ المصراتي، أن انتهى إلى رأي واضح؟ هل أستطيع كدارس أن أعثر على جواب محدد في هذه المسألة؟ الحق إن الجواب لايمكن بغير النفي ومثل هذا المفهوم غير الواضح وبالأحرى الخاطئ يتكرر مرة أخرى عندما يتعرض الكاتب للعروبة في شعر الشارف، وذلك عندما يقول قد يلوم بعض النقاد المنهجيين أن الشاعر لم يصور العروبة هدفاً ومطلباً، ويرد بسرعة لا موطن للملام طالما أنه في عديد من المناسبات لم يترك الهدف العربي..

وهكذا يتضح لنا أن الكاتب يعتقد أن الشعر الجيد يمكن أن يحمل عليه المرء من خلال الموضوع الجيد، يكفي أن الشاعر قد افتخر بالعروبة ويكفي أنه قد اهتز لبعض الأحداث اليومية، أما ذاتية الشاعر.. أما صدق التجربة فذلك لايهم الكاتب في شيء..

وكلما امتدت بنا النظرة على الكتاب وكلما تعددت العناوين، لا نجد غير أحكام الأستاذ المصراتي المطلقة.. هذه قصيدة من أروع قصائده وبدائع هتافه، وبلاغة أدائه “ص69” وتلك تقارب الثلاثين بيتا فيها وصف لحالة وطنه واعتزازه به “ص74″ وأخرى من أطول مانظم”ص76” إلى أن يظل يضع القصائد دون أي تعليق، وينتهي أخيراً الكتاب فلا نجد غير الأسئلة التي تنتظر الإجابة والتي تتضافر جميعاً لتجعل هذا الجهد غير معّرف للغرض الذي كتب من أجله ويصبح أمامنا شيء واحد لابد من التأكيد عليه، وهو أن الأستاذ المصراتي قد أحسن صنعا بجمعه لهذا الديوان وتظل الدراسة ناقصة ومجهضة، وغير مكتملة.

ولكي لايبقى الكلام بلا شواهد، لابد من الإشارة هنا إلى النواقص التي تعاني منها الدراسة بالإضافة إلى ما سلف بيانه… لقد وقفت الدراسة صامتة إزاء الشعراء الذين أثّروا في الشاعر فلم تشر إلى قصائده إلى تشبه قصائد أولئك المؤثرين ولم تتعرض الدراسة أيضا إلتى أسلوب الشاعر وموسيقاه الشعرية.. لم تقارن بينه وبين بعض الأصوات التي ارتفعت في عصره؟ هل كان الشاعر يحفل بأسلوبه أم يلقي الشعر كيفما اتفق؟ هل هناك خصائص مميزة لينفرد بها عن غيره أم أنه مجرد صورة مكرره من غيره؟ هل استفاد الشاعر من حركة التجديد التي طرأت على القصيدة العربية التقليدية؟ ما مدى الابتكار الذي وصل إليه في اختيار المعاني؟ لقد صمتت دراسة الأستاذ المصراتي إزاء ذلك كله، ولأنها صمتت فهي دون أي تجن دراسة ناقصة مبتورة لم تتعرض حتى لوحدة القصيدة من عدمها كما فعلت الدراسات الرائدة.

وبالتالي فهي تجسيد لحقيقة مؤلمة هي أن الكاتب الذي تتلمذ على رواد النهضة في المشرق لم يستطع أن يستفيد من أساليبهم وطرقهم في البحث، وفوّت علينا معشر قرائه فرصة الاستفادة منه على نحو أفضل

____________________

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 22 (بازين)

عبدالرحمن جماعة

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (10) .. جدلية التعاقب والتراتب في أزمنة القصيدة

المشرف العام

الموسيقارُ… المطرب (3/4)

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق