أين ليبيا التي عرفت؟
المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (35)

محمّد نجيب عبد الكافي

… البناة الآخرون 

إن معظم الذين شملهم حديثي حتّى الان كانوا من المسؤولين الرسميين. لا غرابة إذن إن تساءل أو حكم بعض، أو ربّما كلّ، الذين اطّلعوا وتابعوا مُجمل ما حبّرت فقدّمت في ما سبق، بأنّي لم أتعرّف إلا على رجال الحكم والسلطة، ولذا لا حديث لي إلاّ عنهم تملّقا أو جهلا بما عليه الآخرون وما أتوه وقدّموا. إن كان تساؤلا فلا غرابة فيه وله حقّ الإجابة. لكن إن كان حكما فهو سابق لأوانه لأنّ الصبر والتّأنّي من خير الخصال وأحمدها. لست بحاجة إلى التذكير بأنّ السياسيين والمسؤولين، ومن يطلق عليهم عادة وجوه الدّولة، لأنّهم يبدون دائما في الواجهة يسبق عنهم الحديث دائما إذ لا حديث عن مسيرة دولة وبلاد إلا عن طريق مُسيّريها، فالأمور بأيديهم قبل غيرهم. لذا، لا مناص من ذكرهم وذكر أعمالهم ومنجزاتهم بالاستحسان أو الذّمّ أو النقد البناء، مع العلم أنّ غيرهم كثيرون، بهم وبعملهم وحذقهم وإخلاصهم تنهض البلاد وتتقدّم. كيف يمكن لأيّ بلد أن يسير فينهض بلا مزارعين وفلاحين، بلا تجّار ورجال أعمال، بلا صناعيّين وحرفيّين، بلا مقاولين وبنّائين، بنّائين مشيّدين في كلّ قطاع ونشاط ؟ نعم، تحدّثت حتّى الان عن المسؤولين وقليل من غيرهم، كأهل الأدب والفن، ولو أنّي لم أشمل ولم أدقّق لضيق المجال، بينما الأمر يحتاج لدراسات وكتب، لأنّ الشعوب الجديرة بالنهوض والخلود هي تلك التي تقدّر أعمال بناتها وأبنائها فتُبرز أحسنها وأجودها وتسجل للتاريخ والأجيال تُراثها.

– من عرفت؟

ضحكت من نفسي ومن قلمي للإسراع بالإجابة بثلاث كلمات “كلّ الشعب الليبي” فمحوت الجواب بنفس السّرعة، وها أنا حائر أبحث عن بديل يحمل الحقيقة والواقع، ويعطي صورة تفي المعنيين حقّهم. عجزت لأنّي، رغم ميلي للانزواء والوحدة، وفراري من الضوضاء والازدحام، وثقلي وعدم تجاوبي في أحاديث السّمر وجلسات الشاي ولعب الورق، قد حضرت الكثير الكثير منها ممّا يجعل باستطاعتي القول بأنّي عرفت من الشعب الليبي الأبي معظم، كي لا أقول كلّ، مكوّناته وتراكيبه الاجتماعية بكلّ تنوّعاتها ومستوياتها المادية والعلمية والفنية والمهنية، بمختلف أعمار أصحابها، فكنت بين الجميع كما يقول المثل هنا “مثل السمك في بحره”. هذا، رغم اعتزازي به، هو مسبّب حيرتي وذبذبتي الآن. من أين أبدأ ومن أذكر ومن أتناسى؟

– الطلبة

سأبدأ بالطلبة الذين درّستهم بثانويّتي الزاوية وطرابلس، لأنّ بهم عرفت واطّلعت على نصيب وافر من خاصّيات بيئاتهم ومناطقهم وهم الجيل الذي استلم المشعل من أيدي البناة المشيّدين. طلبة هم في الحقيقة أبناء وإخوة وأصدقاء، أحببتهم واحترمتهم فاحترموني وبقيت صداقتنا متينة إلى اليوم رغم أنّ بعضهم قد فارقنا إلى حياة أحسن مثل المرحوم عريبي الزلماط الذي هاتفني مرّة قائلا: “تعالى زورنا يا أستاذ! استاحشناك ونبّو نشوفوك قبل ما نموتو.” أرادت الأقدار أن لا ألحقه، فعندما زرت ليبيا كان قد انتقل إلى الرفيق الأعلى. كانوا طلبة، رغم ما يقال عنهم، أذكياء طامحين ثائرين شغوفين للمعرفة، فنالوا منها ما مكنهم من تقديم ما شرّفهم وشرّف ليبيا. وزراء كالبخاري حودة وشكري غانم، سفراء كالنوري بيت المال، رجال أعمال كيوسف مشيّع صاحب الخط الجميل، أو رشيد حقيق، أو بهجت الأمير، رجال فكر كمصطفى الهنقاري وكثيرون لا يسعهم حديثي ولا الصفحة فأرجوهم المعذرة.
بالذاكرة المزيد فلي عودة إن طال العمر.

مقالات ذات علاقة

الصحافة في يومها

فاطمة غندور

هجرة الوز البري

سالم العوكلي

الساسة ومنظومة الأخلاق

آمنة القلفاط

اترك تعليق