أين ليبيا التي عرفت؟
المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (29)

محمّد نجيب عبد الكافي

… المرأة الليبية

سبق وأن أشرت في كتابي “نسالة الذاكرة” وفي مناسبات أخرى إلى نهضة وتقدّم المرأة الليبية بعد الاستقلال، وكيف نالت بدوافعها الخاصّة وبعناية وحرص ذوي الشأن، ما تحتاجه ماديا وأدبيا وعقلانيا، كي تتعلّم فتنهض وتتقدم فتأخذ مكانها بين أخواتها العربيات وغير العربيات. هذا لا يعني أنها كانت، قبل الاستقلال، نسيا منسيّا، لكنها، كالشعب الليبي بأسره، كانت تصطدم بالحواجز والصعوبات والعراقيل التي فرضها المستعمر، وعززها ذوو العقليات الجامدة. رغم هذا، فالمرأة سارت نحو الأفضل – رويدا – ولا أدلّ على ذلك المربيات الكثيرات اللاتي استلمن المدارس، بعد تعريبها أو قل استقلالها، فسعين بجد وإخلاص إلى تكوين نشئ يحمل المشعل بجدارة، ينير السبيل للصعود والارتفاع . لم أتعرّف شخصيا إلا على واحدة منهن هي والدة الصديق محمود الفساطوي، ولكني عن بعد، عرفت عددا منهنّ وما كنّ يأتينه من جليل الخدمات، إذ هنّ أمهات أو زوجات أصدقاء مثل حرم الصديق عمر الحمداني، أو المربية خديجة عبد القادر، أخت الشاعر علي صدقي عبد القادر، أو الشهيرة الحاجة فاطمة من غدامس.

– الإقبال

السيدة خديجة الجهمي
السيدة خديجة الجهمي (أرشيفية عن الشبكة)

لعلّ العمل القيّم المفيد الذي قام به الدكتور محمد محمد المفتي فاحتواه كتابه ”عالكرنيش” خير برهان ودليل لأنه يعطينا أرقاما وتواريخ وأسماء لا يمتلكها كاتب هذه العجالات، وتضيق عنها هذه الصفحة. فمن إحصائياته أن عدد الطالبات في ليبيا سنة 1948 بلغ 2942 دارسة، ومن جانبي أذكر أن عدد الليبين الإجمالي لم يبلغ آنذاك المليونين. يقول الدكتور المفتي، كما أوجزت أعلاه، “وكان تـعـليم البنـات من أزهى مظاهر النهضة التعليمية بعد الاسـتقلال، بفضل جهود مدرسات رائدات في كل مدن ليبيا، مثل الخوجـة حميدة العنيزي والخوجة بديعة فليفلة في بنغازي وجميلة الإزمرلي في طرابلس وفتحية عاشور في درنة. وكانت مبادراتـهن في مناخ أظـهر انـفـتـاحا وحماسا وتوقا إلى التـقـدم في كل المجالات. ولم تحبطـهـن شـحة الإمكانيات“.
فهي إذن نهضة حقيقية سريعا ما أثمرت وبدت طلائعها الأولى ممثلة في أفواج الطالبات من مختلف الأعمار، يتأبّطن كتبهن ودفاترهن، قاصدات أو عائدات من دور العلم، حجابهن البارز الجميل تلمحه العين في عفتهن وأدبهن، فلا تبرّج ولا ضوضاء، بل سير رصين وحديث لا صياح، بلغة، كما قلت في غير هذا المكان، اعتبرتها وأعتبرها خير مثل ونموذج لأجمل لهجة تخاطب في عالمنا العربي المهمل لغته ولسانه اليوم أكثر من الأمس. لغة الفتاة الليبية الناشئة أصبحت لهجة نقية رفيعة، لا هي بالفصحى ولا هي خليط مبتذل يصعب فهمه أحيانا. هل حافظن على ذلك المكتسب وهل لقنّه أبناءهن ؟ هذا ما لا أعرفه ولو أني عرفت استمرار التعلم والنهوض.

– رباب وخديجة

السيدة رباب أدهم.
السيدة رباب أدهم.

اسمان بارزان بقيا في الذاكرة، لسيّدتين اشتهرتا في مستهلّ الستينات عرفت إحداهما بالسماع، والأخرى تشرفت بمعرفتها شخصيا، هما المربية الفاضلة الأستاذة رباب أدهم، أخت الصديق المهندس لؤي أدهم وزوجة الزميل الصديق المرحوم عيسى بالخير، ومتعدّدة التخصّصات الشاعرة الصحفية المذيعة السيدة خديجة الجهمي. ذاع صيت الأولى لرسوخ قدمها وما كانت تبذله وتقدمه تعليميا واجتماعيا تذكره لها طالباتها، وتعترف لها به ليبيا وإن أنكرته. أما السيدة خديجة، مثال الطيبة وخفة الروح وجميل العبارة، في تواضع ورقة حسّ، تجعل مخاطبها يرتاح إليها ويحب مصادقتها وهذا ما كان منّي، وقد عرفتها عن طريق الإذاعة حيث قدمنا كلّ على حدة، برامج وأشعارا. أليست هي القائلة: (لو تؤمريني فوق نسمة انطير*** ونجيبلك حزمة نجوم تنير تضوي طريق الحب للانسان *** يا ليبيا وتزرع ترابك خير).. فهذه وتلك، وكلّ شبيهاتهن يفرض الواجب والحق والتاريخ، أن تُجرَى حولهن دراسات، وتنشر مؤلفات، لأن الجنة تحت أقدام الأمّهات.
بالذاكرة المزيد من الارتسامات فلي عودة إن طال العمر.

مقالات ذات علاقة

قراءة: الصادق النيهوم مفكّر إسلامي!

المشرف العام

حتّى لا ينفرط عقد العهد

إبراهيم الكوني

السؤال التائه: أين الكتاب الليبي؟!*

خليفة حسين مصطفى

اترك تعليق