المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (28)

محمد نجيب عبدالكافي

… العقل أحكم

غلِّبِ العقلَ في أحكامك أبدا ** فالعقل حصن يقيك الضرّ والزّللا
كنّا في بداية الستينا ت من القرن العشرين. كانت الأجواء في كامل الأقطار العربية مليئة بالتوتّر والصّخب والاحتجاجات وعدم الرضا بأي شيئ يخالف أو لا يتبع ما تنادي به الدعايات بأبواق عالية الصوت كثيرة. أمّا حركتنا التي من أجلها فررنا ولجئنا، فقد هدأت كلية تقريبا لأن كلّ ما نادت به تحقق بما في ذلك جلاء قوات المستعمر واستقلال الجزائر.

الصورة: لقطة نادرة تجمع بين السيد ابوبكر الزليطني وكيل وزارة الداخلية وعدد من قيادات الشرطة من بينهم الزعيم محمد الزنتوتي المقابل للسيد الزليطني،رحم الله الجميع.

اكتشفنا آنذاك، أنّ أحد الرّفاق زاغ، ونحن عنه غافلون، فكان باتصال بالشق المقابل وبغيره ممن لا يضمر الخير. لم يكن الأمر يخصّنا وحدنا، بل بدا وكأنه مسّ، بطريقة أو بأخرى، بمصالح ليبيا، لأن الزعيم محمد الزنتوتي اغتنم تواجدنا بمقبرة سيدي منيدر لتوديع أحد المعارف، فسألني قائلا: أين يذهب فلان عندما يسافر الى الخارج؟ سؤال غريب معبّر فهمت بعض ما يحويه فقلت: اسألني عن نفسي. أجابني رحمه الله: لا، أنت نعرف من أين تسير. فهمت الكثير مما لم يقله الزعيم الزنتوتي ومنه أن رفيقنا الضال قد أتى ما لاترضاه ليبيا وهذا ما لا نقبله ولا نرضاه.
فكرت في الأمر وفي وجوب جمع الرفاق والاستشارة في ما علينا فعله، لكن تريثت حتى أستشير العارفين. فمن أحسن من السيد ابوبكر الزليطني، وهو آنذاك وكيل وزارة الداخلية التي تتبعها مصالح الأمن، علاوة على أنه أقرب الأقرباء؟
أتى يوم الجمعة والراحة الأسبوعية، فأخذت طريق الفرناج – إن لم يُغيَّر اسمه – حيث كان “لعمّي بوبكر” بستان (سانية) قصدتها لألتقيه وأستشيره لكن، ما أن ولجتها وخطوت بضع خطوات، حتى فوجئت بأن المكان مليء برجال الأمن من أعلى الرّتب والمسؤوليات ولا أحد غيرهم. صافحت البعض، وحييت غيرهم بالإشارة. عندها رأيت السيد وكيل الوزارة منزويا يتحادث مع الزعيمين محمد المنصوري ومحمد الزنتوتي وثالث يوليني ظهره. جاءتني منه إشارة تحية أفهمتني عدم الاقتراب فعدت أدراجي. لم أصل إلى باب البستان حتى لحقني امحمد الرّحيبي، من أطيب وألطف رجال الأمن في الدنيا، وأوقفني قائلا أن “بوبكر بك يناديني. فلما اقتربت جاءني الزعيمان منصوري والزنتوتي، بعد أن نهضا من انفرادهما بوكيل وزارتهم، وسألاني، بعد المصافحة، عمّا دعاني إلى الخروج. قلت لاحظت أن الجمع يخلو من غير رجال الأمن فتيقنت أنها “جلسة عمل” – بالتونسي – فلا تُفشَى أسرارها للغريب. أجاب الإثنان بصوت واحد لست غريبا وليس لدينا أسرار معك. شكرت اللطف والأدب، وقدّمت واجب التحية للعم وجلست حيث أشير إليّ بالجلوس. بقيت قرابة السّاعتين أسمع وأتابع وأتعجّب، مردّدا في سرّي المثل الشعبي القائل: “يطلب الحجّ والسّلامة”.
كان الموضوع مركزا على الأمن والحفاظ عليه، لأن كلّ البوادر تشير إلى احتمال حدوث قلاقل، خاصّة عند إجراء الانتخابات البرلمانية قريبا. أوّل ما لفت انتباهي هو تساؤل وإلحاح وكيل الوزارة عن “كيف نضمن الأمن والسلم دون عنف ولا كسر” عبارة تردّدت كثيرا، في أشكال وتركيبات مختلفة. بعد طول وتشعّب النقاش وتبادل الآراء – عجزت أحيانا عن متابعتها لعدم فهمي كثير العبارات، لتقنيتها بلا شك، لاحظت بوادر الرضا على الوجوه، فاعتقدت أنهم توصّلوا لإيجاد الطريقة المرجوّة، لأن ما حدث بعد ذلك يؤكد تحقيق المرغوب، رغم ما قيل وأشيع عن الانتخابات ونتائجها، فليس من شأني التعرّض إليها الآن، خاصة ونحن نعيش ما نعيش في عالم عربي ممزق، مشتّت بعد العمل والجري وراء الوحدة وضمّ الشمل.
الآن، بعد نصف قرن ويزيد، أستخلص عبرة واحدة كافية بأن تقينا كل الشرور، وهي ما حواه بيت الشعر الذي افتتحت به هذه الدّيباحة الموصي بتحكيم العقل قبل العاطفة، وماالحكم إلا بالقرائن والنتائج بالعقل لا بالأهواء.
بالذاكرة المزيد فلي عودة إن طال العمر.

______________________________________________
* الصورة: لقطة نادرة تجمع بين السيد ابوبكر الزليطني وكيل وزارة الداخلية وعدد من قيادات الشرطة من بينهم الزعيم محمد الزنتوتي المقابل للسيد الزليطني،رحم الله الجميع.

مقالات ذات علاقة

في عيدها

كريمة حسين

نحن الثلاثة

منصور أبوشناف

إعادة كتابة تاريخ ليبيا الوسيط

عمر الككلي

اترك تعليق