أين ليبيا التي عرفت؟
المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (27)

محمد نجيب عبدالكافي

الأدب وأقلامه (3)

أطلت الحديث عمّا سجّلته الذاكرة عن إنتاج القلم بليبيا والمبدعين الذين عرفتهم وما ذلك إلا لهوى في نفسي، وتعدّد حملة القلم وجودة إنتاجهم، ممّا يجعلني أتجاسر فأنصح، لأن الدين النصيحة، ولأن سنّي تسمح بذلك، أنصح من سيشرّف هذه الأسطر بقراءتها، خاصة الشباب، بانكبابهم على مطالعة ما كتب وألف هؤلاء وما ترك القدامى، إذا هم أرادوا حقا الاستفادة والتعمق في المعرفة، خاصة فيما يتعلّق باللغة العربية المنحدر مستواها كلّ يوم، حتّى أصبحت جملها ترجمة للتركيب اللغوي الأعجمي، والأمثلة كثيرة أقدّمها لو سمح المجال. تأكيدا لهذا، سأختم الموضوع، وختامه مسك، بكاتبين أديبين، أعتز بأني عرفتهما وصادقتهما وصادقاني، أحدهما الكاتب والمترجم والشاعر والرسّام فؤاد الكعبازي، وثانيهما الأديب العملاق الفيلسوف الدارس المبدع خليفة التلّيسي. فكلاهما، لو أنجبهما بلد آخر، لخلّد اسميهما على الأقل بنصب وتمثال.

– فؤاد الكعبازي

الأستاذ فؤاد الكعبازي
الأستاذ فؤاد الكعبازي

رجل تجمّعت فيه خصال حتّى صار – كما يقول المثل – ضعه على الجرح يشفيه – لأنه مزيج من طيب الأرومة، ودماثة الأخلاق، وحسن المعاملة ولطيف العبارة. التقيته ولم يمض على حلولي بليبيا إلا بضع أسابيع، واستمرّ التواصل، وهو ينتقل بين الوظائف والمسؤوليات المهمة ذات الشأن، ومنها الإذاعة وإشرافه على تأسيسها، فأضيف التعاون على علاقتنا. أجاد الأستاذ الكعبازي اللغات الإيطالية والفرنسية والإنغليزية والتركية والعربية طبعا. نظم الشعر بالإيطالية وترجم من ولعدّة لغات، أعمالا كبيرة، وهو أوّل أو من أول من اكتشف اقتباس “دانتي أليغياري” أفكارا من رسالة الغفران لروايته ” الكوميديا الإلاهية، وإني، إن أنسى لن أنسَ، خطابه يوم إبحار أول حاملة نفط ليبي، ألقاه كوزير نفط أمام الملك إدريس قبل الإذن بالإبحار. إنه خطاب نعم، سياسيّ قد يكون، لكنه قطعة أدبية جديرة بأن تُدرس بالمعاهد ودور التعليم. أنتج الأستاذ كعبازي الوفير. فمن أهمّ ما نشرله: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإيطالية، “مختارات من الشعر العالمي المعاصر”، “ألحان عربية على أوتار من الغرب”، ديوان شعر باللغة الإيطالية بعنوان “ليبيتكو” نال به جائزة مدينة ريجيو كالابريا للشعر المؤلف من غير الإيطاليين.

– خليفة التلّيسي

الكاتب الليبي الراحل خليفة التليسي
الكاتب الليبي الراحل خليفة التليسي أرشيفية عن الشبكة

رمز التواضع مع عميق وواسع المعرفة. كوّن لنفسه بعصامية سمعة ومكانة واسعتين في الشعر والأدب والترجمة والقصّة والرواية، وإجادته كتابة التاريخ. ضرب بسهمه، بل بقلمه، في كلّ نوع وشكل من أشكال طرح وتقديم سامي الآراء والأفكار والتحاليل الأدبية العلمية التاريخية الاجتماعية، فأصاب وأجاد. قال عنه أحد النقاد، غاب عنّي اسمه، لو كان الأديب الليبي الكبير الدكتور خليفة التليسي الذي فقده الأدب العربي والأمة العربية أخيرًا، أديبًا من أدباء المركز (بيروت أو القاهرة على سبيل المثال) لما كان شأنه الثقافي أقل من شأن أدباء هذا المركز الكبار ولعله كان يفوق أكثرهم، استنادًا إلى ما تركه من آثار جليلة تضعه في مصاف كبار المثقفين والمنوّرين العرب في القرن العشرين». أختم هذه الدّيباجة التي لا تعطي الكاتبين حقهما، بل لعلها تسيء إليهما، بأني أدين للصديق المرحوم الدكتور خليفة بكل ما كتبته بغير العربية لأني فعلت باقتراح منه بعد طول نقاش فكانت النتيجة الأولى: الزواج في إقليم طرابلس، صدر بالفرنسية ثم ترجم إلى الإنغليزية.
هل الأدباء والكتاب الذين ذكرتهم، هم كلّ ما أنجبته ليبيا التي عرفت؟ كلا ولا ولن وليس، لأن ليبيا أنجبت وتنجب، لكن ضيق المجال وحرصي على ذكر من توطدت به معرفتي وتعاملي فحسب، جعلني لا أتعرض إلا لمن ذكرت.
بالذاكرة المزيد فلي عودة إن طال العمر.

مقالات ذات علاقة

مجرد ذكريات

أحمد الفيتوري

الفنان علي ماهر.. ملحن ومؤدٍّ ماهر

زياد العيساوي

الـمـواطـنة

محمد المغبوب

اترك تعليق