أين ليبيا التي عرفت؟
المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (21)

محمد نجيب عبدالكافي

رحلاتي عبر ليبيا – جبال أكاكوس

لا مفرّ لي، إن شئت الإفادة، من تعريف القارئ بهذه المنطقة التي رمزها مرتفعات أكاكوس الممتدّة على مائتي ك.م.، معظمها ذات أشكال هي أقرب إلى التماثيل الطبيعية الغريبة. إنها متعة للناظرين، علاوة على أنها مكان تاريخي شاهد على عهد أو عهود كانت الصحراء فيها مأهولة بالبشر وبكثير الدواب من الزرافة إلى الفيل إلى الذئب والثعلب والضبع. كل هذه المحتويات تعطي معلومات عامة تسمح باكتشاف ثروات هذه البلاد.لأن ليبيا خليط من الثقافات نادر المثيل، تبدأ بالعصر الحجري “الجديد” إلى الاحتلال الإيطالي، مرورا بعهود الفينيقيين والإغريق والرومان والبيزنطيين وزحف الهمجيين ثم دخول العرب والعثمانيين وكلّ هذه الحضارات تركت آثارا كثيرة. يحضرني في هذا الخصوص ما قاله كاتب فرنسي وهو: إنّ ليبيا هي بكلّ تأكيد أحد البلدان الأكثر مشهدية بشمال إفريقيا. لم يخطئ هذا الكاتب فما يشاهده المرء في ليبيا صعب عليه مشاهدته في غيرها، منه ما أنا واصفه الآن. فبحيرات داوودة، واحات أوباري، الحمادة الحمراء، نَجْد أو هضبة تنغرت وهما الجزء الشمالي من التّيبستي، الذي أغلبه في تشاد، وحيث يبرز “واو الناموس” البركان المنطفئ (538م.) طبيعة لها جمالها وجاذبيتها إضافة لما تحتويه من أسرار.

جبال أكاكوس
جبال أكاكوس

نصبنا خيامنا معتقدين واثقين – وأنا في المقدمة – من أننا في خلاء حيث لا فارس يسير ولا طائر يطير، حسب المقولة الشعبية، فكنا في اعتقادنا مخطئين لأننا، من حيث لا ندري، وجدنا أنفسنا فُرجة غريبة لأنظار أصحابها متعطشون لكل جديد غريب. وقفوا غير بعيد عنا، مسالمين راغبين في التحدث وتقديم المساعدة إن دعت الحاجة. لكن، ما أن خاطبتهم بلساننا حتى ازدادوا بشرا، وعرضوا بوضوح وصدق استعدادهم لتقديم العون. أفهمتهم ما جئنا نبحث عنه وقدمت لهم رفاقي شارحا دور كل منهم، فلاحظت نظرات الإعجاب والاحترام تسلط على رئيس البعثة، ثم رايتهم يكررون مصافحته. استغرب فسألني فأفهمته. رأيت في هذه الأثناء أحدهم يتراوح عمره بين الشباب والكهولة، ينسحب ويغيب مسرعا فتعجبت لأنه لم يبد تحية أو سلاما. لكن بعد فترة رأيته يعود مصحوبا برجل وقور، دخل عهد الشيخوخة، فقصداني وقدّم لي الشيخ حمدان أو هو حميدان، فجلسنا نتعارف فإذا بي صحبة إمام المنطقة، وإذا بالجلسة تطول ثرية بالتاريخ والمعلومات الاجتماعية وغيرها من الشروح عن حياة أولائك المواطنين، الصعبة من كلّ الأوجه، فسجلت أقواله ذهنيا وأبلغت منها ما أملاه عليّ الواجب إلى من أعرف من المسؤولين كوزير الداخلية ووزير الشؤون الاجتماعية آنذاك. قرب المغرب فنهض الشيخ وقبل الانصراف طلب مني انتظاره غدا ليفاجئنا بما لم يره غيرنا. شكرته وودعته وعدت قرب الرفاق أنقل لهم ما ارتايت ضرورة اطلاعهم عليه حتى يكوّنوا صورة صادقة عن المنطقة وأهلها ومن ثَمَّ عن ليبيا بأسرها. تعجبنا من تواجد ذلك العدد من الأفراد في مكان خال كالذي نزلنا به لكن تبيّن لنا من الغد أننا قرب قرية أو محلّة بمسجدها و”كتابها” ومجلس رجالها لقضاء الوقت وتناول الشاي وتبادل الآراء. دولة صغيرة متعدّدة الأصول مستقلة لها قوانينها التقليدية ونظامها الأخلاقي الاجتماعي.

في الذاكرة المزيد من الارتسامات ولي عودة إن طال العمر.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (10)

المشرف العام

15 و 15 بينهما… 1965

سالم الكبتي

ارفعوا أيديكم عن الصحفيين

جمعة بوكليب

اترك تعليق