أين ليبيا التي عرفت؟
المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (19)

محمد نجيب عبدالكافي

رحلاتي عبر ليبيا

كان لي صديق ألماني، طبيب من أشهر الأطباء، متخصّص في الأمراض التناسلية وأمراض البشرة، له اكتشاف يعتز به فساعدته في تسجيل نفسه لدى السلطات المختصة كي يتسنى له العمل بليبيا، حيث بقي سنتين على ما أذكر. عاد إلى بلاده بعد هذه “الاستراحة ” ليأتي ثانية ضمن وفد علميّ يرأسه أستاذ الأثار والتاريخ بجامعة دوسلدورف، يساعده أحد الخريجين من طلبته. جاء الوفد مبعوثا من الجامعة بحثا عن آثار ورسومات حجرية، في هذا البلد المهمش كثير من تاريخه، حسب عبارة الأستاذ. كانت فرصة لي سوف لن أتركها تضيع سدى، فانضممت إلى الوفد لا أدري حتى الآن بأية صفة أو حق، غير التطفل وحب المعرفة وغرامي بالتجوال. تمت الإجراءات الرسمية في أيام معدودات وخرجنا أربعتنا، وجهتنا سبهة عاصمة فزان الفسيح الثري خيرا وبشرا. تركنا طرابلس صباحا باكرا في طريق مبلط قبل أكثر من عقدين وفعلت فيه الحرب والزوابع الرملية مفعولها، أوصلنا بعد لأي، مقصدنا مرورا ببني وليد، هون، سوكنة،وبراك. إن كل محطة من هذه المحطات تحتاج إلى كثير الوصف والقول، لكن ضيق المجال لا يسمح، فستكون ارتساماتي شاملة عامة. حللنا سالمين بسبهة يأوينا نزلها، ويعتني بنا مديره المليئ لحما وشحما، وغثنونا اتشر فيه الشيب. اسمه الحاج مرسي، ادعى لنا أنه يوناني من مصر والحقيقة أنه يهودي مصري.

– الاستعداد

لم نضع وقتنا فشرعنا في إتمام الإجراءات الرسمية مع السلطة المحلية وبحثنا عن سيارة وسائق دليل، فأوتينا شابا “تارقيا” لطيفا ذكيا عارفا بلزوميات سيارته “اللاند روفر” وحاجيات الرحلة، فاستعدّ وأعد. بعد قبول ضيافة الوالي بل هو المحافظ آنئذ السيد غيث سيف النصر، وبعد زيارة المتحف وبعضا من القلعة الشامخة بمعية الدكتور محمد أيوب مديرمتحف الآثار، سطرنا خارطة الطريق بمساعدة السائق واثنين من العارفين نصح بهما المحافظ الكريم، وانطلقنا على بركة الله، فكانت لي بداية دورة تدريبية معرفية، تعلمت أثناءها ما هو فزان، وماذا تعني الصحراء وأهلها، وما تحويه من أسرار وخبايا، كيف يصارع المرء ويعايش الرّمال والغبار والحشرات والطقس وتقلباته السريعة بين النهار والليل، والقدرة على معرفة الوجهة والسبيل ولو تحت جنح الظلام، وفوق كلّ هذا وذاك، عرفت ولمست الصبر والقناعة والكرم التلقائي وطيبة النفس والخلق.

قوس أفازاجار، تادرارت، أكاكوس، ليبيا
قوس أفازاجار، تادرارت، أكاكوس، ليبيا

– الوجهة

قرّر الأستاذ رئيس البعثة أنّ البحث الحقيقي سيكون في جبال “تادارات – أكاكوس“ جنوب غربي ليبيا، غير بعيد عن حدود الجزائر وتشاد. شددنا الرحال فعرّجنا على مرزق الشهيرة تاريخيا وموسيقيا فهي وطن “المرزقاوي” لون موسيقي راج وتعدى حدود ليبيا فاتصفت به. منها توقفنا عند جرمة وآثارها التي تحكي تاريخا وبطولات وحضارة، ثم دخلنا سبيلنا الطويل الذي سيمر بنا بأم الأرانب إلى أوباري فسردلس فجبال أكاكوس وأخيرا استراحة واستطلاع في غات.

– مفاجأة

نزلنا، بعد غروب شمس اليوم الثالث، في سردلس، بقلعتها الشامخة المتعالية حيث استرحنا واغتسلنا وطبخنا وأكلنا ثم نمنا. صحوت مبكرا لأتجول وأتعرف على المكان، وما أن أخذت في النزول إلى السهل نظيفا لا غبار عليّ، أنيقا كأني بأحد شوارع المدينة، حتى كانت المفاجأة متمثلة في صديق حميم هو الرئيس صالح العزابي، ضابط بالجيش، لطيف خفيف الروح. فرك عينيه وصاح بي: ما الذي أتى بك وأنت في هذه الهيئة؟ تعانقنا فرحا فتبادلنا المعلومات فعرفت أنه وكتيبته في مناوراة بالمنطقة. استضافني للعشاء وما وصلت المعسكر وجيش الليل يهدد بظلامه حتى شاهدت ما يأخذ باللبّ والأنفاس: غروب شمس لم أشاهد مثله حتى اليوم رغم كثير تجوالي وترحالي.

…. (يتبع)
بالذاكرة المزيد فلي عودة إن طال العمر

______________________________
* الصورة: قوس أفازاجار، تادرارت، أكاكوس، ليبيا.

مقالات ذات علاقة

الفونشة… يا نغما في خاطري

سالم العوكلي

الموضوعية: العلم، العمل والأخلاق

عمر الككلي

هرطقات ليبي معزول (3): بين الكتّاب والأدباء الورقيون والرقميون

مصطفى بديوي

اترك تعليق