أين ليبيا التي عرفت؟
المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (14)

محمد نجيب عبدالكافي

ضاق المجال في لقاء سابق عن إتمام سرد ما لا يزال عالقا بالذاكرة حول قطاع الصحة، وما لقيه من اهتمام وعناية عندما كانت ليبيا الجديدة تخطو خطواتها الأولى، أي خلال عشريتي الخمسينات والستينات. فها أنا أستسمح لإتمام الحديث حتى يجد المُسِنّ ما يجترّه من أيام عاشها وواكب منجزاتها وعثراتها، ويجد الشباب وليد العهد الجديد ما يُمَكِّنه من المقارنة واستنتاج الدرس والعبرة.

طلبني يوما الصديق طيب الأرومة، دمث الأخلاق، لطيف العبارة، واسع المعرفة والاطلاع، صادق الوطنية الخاصة والموروثة، المرحوم إبراهيم الفقيه حسن فلبيت الطلب وإذا به يريد مساعدتي على التعمق في أوراق، بل هو ملف كامل باللغة الفرنسية، فهمت من أوّل عنوان وقع عليه نظري، أنّ الأمر يتعلّق بالتأمين الاجتماعي. فسارعت، حتى قبل أن أقول نعم، إلى الاستفسار إن كانت الغاية وضع قانون ينظم هذا الحق من حقوق المواطنين، فسمعته يقول لي “هذا من أوكد واجباتنا”. لبيت طلبه طبعا فاكتشفت ثم سألت، فأُجِبْت بأنهم كانوا بصدد وضع قانون تأمين أو ضمان اجتماعي جديد، لكنهم قبل وضعه أرادوا الاطلاع على قوانين الدول المتقدّمة سياسيا واجتماعيا، كما أرادوا التحرّي حتى يكونوا على بينة من الأخطاء التي اشتكت منها بعض الدول، وبين هذا وذاك استشارة وطلب معونة كبار المتخصّصين في العالم قانونيا واجتماعيا، لأنهم كانوا يريدونه قانونا عصريا مكتملا شاملا، مثاليا إن كان بالإمكان، حتى يوفر كلّ أسباب الراحة النفسية والمادية للمواطن العامل في أي قطاع أو مجال. عدت، بعد إتمام ما كلّفت به، فسألت الصديق المرحوم إبراهيم الفقيه حسن عمّا عناه بصغة الجمع عندما قال لي “هذا من أوكد واجباتنا” فابتسم وهو يرمقني وأجابني مستفسرا: “أأنت توجّه لي هذا السؤال؟ أنا لست وحدي في القيام بالواجب ولا في مشاعر الوطنية وحب الخير للبلاد. أنا والحمد لله ضمن فريق كبير، لا همّ له غير النجاح في تحقيق ما يصبو إليه الوطن من علم وصحة وعمل وتقدم ورفاه.” خجلت من سؤالي لأني، كما أشار، أعرف من أمثاله الكثير، تشرفت بصداقتهم وتعاونت مع بعضهم فأكبرت واحترمت الكثيرين منهم لما اكتشفته فيهم، وأنا الشاب الثائر، المدعي الوطنية والنضال والتضحية في سبيل المبادئ السامية، أذكر منهم اثنين كمثال فحسب لأنهما عملا بالتأمين الاجتماعي وأفاداه، هما السيد محمد المريمي وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية والسيد محمد الأمين المنصوري من عُمَدها الإدارية.

صدر القانون وشُرع في تنفيذه بحرص ودقة ومتابعة، فكان مظلة أخرى تحمي المواطنين في صحتهم وأعمالهم وشيخوختهم، وإن هم مرضوا، فمكفولة معالجتهم على أرضهم بلا سفر ولا تعب، إلا في الحالات القصوى التي تتعسّر معالجتها حيث المريض. لا أدري ما آلت إليه خدمات المؤسسة بعد فراقي ليبيا. غادرتها في مستهل السبعينات من القرن الماضي، ورغم تتبعي أنباءها واتصالي بالعديد من الإخوة الأصدقاء، فلا أسمح لنفسي بالحكم ولا المقارنة لأن ذلك لا يصحّ إلا باللمس والمشاهدة ومعرفة كاملة بالظروف والأشخاص وهذا أفقدنيه البعد والغربة. لكني أومن دائما بمقولة الواثق بالله الحفصي وهي: ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل. ثمّ إنّ ليبيا ولاّدة ولود تُنْجب وستنجب دوما من البنات والأبناء الصالحات والصالحين، المخلصات والمخلصين وإنّ غدا لناظره قريب.

بالذاكرة المزيد من الارتسامات. فلي عودة إن طال العمر.

مقالات ذات علاقة

نقد العقل الليبي (2)

محمد النعاس

بَحْثاً عَنِ السَّعَـادَةِ

خالد السحاتي

نضحك مع إللي جفاني.. مصافحة إلى أحمد النويري

المشرف العام

اترك تعليق