أين ليبيا التي عرفت؟
المقالة

أين ليبيا التي عرفت؟ (11)

محمد نجيب عبدالكافي

تعلّمت بعد أن تعدّيت مرحلة الشباب بحماسه ونزواته، أن لا أتخذ قرارا أو أبدي رأيا أو أصدرحكما على تصرّف أو موقف أو إنجاز أحد حتّى “أدور حول المكتب” عبارة أقصد بها التحوّل إلى موقع صاحب التصرّف أو الموقف المُعرَّض لحكمي، حتّى أطّلع، من مكانه، على ما يراه ويشاهده فيأتي حكمي أو نقدي أو قراري، مبنيّا على الواقع الملموس والحقيقة المباشرة…

الأستاذ علي الديب (يمينا)، الأستاذ فاضل المسعودي (شمالا)
الصورة المرفقة: الأستاذ علي الديب (يمينا)، الأستاذ فاضل المسعودي (شمالا)

ظننتني منفردا بهذه الطريقة فاكتشفت خطأ ظني ببنغازي، مدينة الاعتزاز والشموخ. فأثناء إحدى زياراتي إيّاها، استضافني آل العبّار وعلى رأسهم شيخهم النبيل ونيس العبار رئيس مجلس الشيوخ آنئذ. كان ضمن المدعوين الصديق مظفر الأمير سكرتير مجلس الشيوخ فأراد، أثناء تناولنا لذيذ الطعام، إعطاء الشيخ تفاصيل عني وعن وضعي فقاطعه بأدب وابتسام وواصل ما كان ينويه مظفر بشمول ودقّة حتّى خلته يعرف عنّي ما لا أعرفه عن نفسي. أغرب من ذلك ما جاء لاحقا…

عندما جلسنا لتناول الشاي وتبادل الآراء والأحاديث ثبّت الشيخ نظره في عينيّ وقال: هيّا، قل ما تريد قوله!” اندهشت وتعجّبت فتلعثمت فواصل يسألني: “ألست تجترّ استفسارا تريد جوابي عنه ؟ هات ما عندك وكن صريحا كما بلغني عنك.” شجعني كلامه وطيبته فقلت: أسئلتي كثيرة، لكن، كي لا أعكّر صفاء هذا المجلس اللطيف أكتفي بطلي رأيك فيما تأتيه هذه الحكومة وحتى سابقاتها. تنهّد ثمّ ابتسم راضيا وقال: “عرفت أن برأسك هذا السّؤال كما توقعتك من الغاضبين الناقدين، تظنون أنكم وحدكم وطنيون وأنكم امتلكتم الحقيقة كلّها دون غيركم. “تعالو قمعزو في مطرحنا باش تعينو كيف وليش ونحكروكم كيف تدنّو“…

صعقتني ملاحظته فتجرّأت على مقاطعته وقلت: جازاك الله عنّي خيرا. لقنتني درسا يؤكّد مبدأ أريد اعتناقه وهو ما تفوّهت به الآن، أعني أخذ مكانك كي أحكم على صنيعك. ربت على ركبتي مبتسما وقال بشيء من الحنان: “لا جناح عليك، فالمرء يعلم أشياء وتغيب عنه أخرى، وفي السياسة وتسيير شؤون الناس وبلدانهم، الخفيّ أكثر من الظاهر ولتعلم أننا مثلكم غير راضين ومستاؤون أكثر منكم، لكن للضرورات أحكام. تريد تسلني واجد؟” يكفيني ما سمعت يا بك – وفي باطني أضفت بقي لي أن أقبّل رأسك – وعاد المجلس إلى الثرثرات اللطيفة المرحة…

خرجت من بيت آل العبار مرفوقا بالأستاذ مظفر الأمير فطفنا بالمدينة نتبادل الآراء والتعليقات فاغتنمت الفرصة لأسأل صديقي، وهو من العارفين ومن الوطنيين الصادقين، عن هذا الرجل فقال إنه غريب فعلا، فكما قال الله سبحانه: يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. إننا يا محمّد نحكم بسرعة ونعتمد المظاهر، بينما الأمور، كما قال لك الشيخ، غير التي تراها العين. أنا مثلك أصطدم يوميا بمفاجآت من أناس أحسبهم جهالا فأجدهم، على بساطتهم، أدرك وأعقل مما نتصوّر، وأصدق في مشاعرهم الوطنية من الكثيرين منّا لكن… قاطعه صوت من ورائنا يقول لكن أنتم ضيوفنا هذه الليلة. لم يكن المتبرّع بدعوتنا غير الشهم السيد عبد القادر البدري الذي تولى بعد ذلك رئاسة الحكومة وكان كذلك أول وزير للإسكان فعرفت الوزارة في عهده وبنشاط مساعديه مثل القائد الكشفي السيد جمعة إبراهيم منصور نظاما ومردودية وفاعلية لاشك وأن الكثيرين لا يزالون يذكرونها. استجبنا لدعوته فكانت أمسية وسهرة عرفت وتعلمت أثناءهما الكثير الوفير.

فأين ليبيا التي عرفت؟. وللحديث بقية إن طال العمر…

_________________________________

– الصورة: من صفحة السيد أحمد العبار – الشيخ عبدالحميد العبار رئيس مجلس الشيوخ يستلم خطاب العرش من الملك أدريس السنوسي والسيد حسين مازق رئيس مجلس الوزراء في أفتتاح الدورة البرلمانية 1967.

مقالات ذات علاقة

(أسامينا) .. كتابة على وجوهنا ..وحكاية لهويتنا

زكريا العنقودي

هذا (العنتر)…

المشرف العام

حني سالمة

المشرف العام

اترك تعليق