تراث

«أولاد الحرام».. صراع الخير والشر في خرافة ليبية

لم تكن الحكايات والخُرافات التراثية تُسرَد لمجرد التسلية وملء الفراغ، بل اُستُخدِمت لتأصيل بعض العادات والتقاليد المُتعارَف عليها في المجتمع، والنهي عما لا يتماشى وإياها، ولأخذ العظة والعِـبرة، بطريقة الترهيب والترغيب المُحبَّب البسيط، الذي يَرْسَخُ في ذاكرة الأطفال منذ بداية إدراكهم وتشكيل وعيهم، ويستمر معهم ليُشكِّلَ جزءًا من مخزون ذاكرتهم وليتوارثوه جيلاً بعد جيل.

يحكى أنَّه في زمن القحط والقلة، اعتاد الناس في المدن مشاركة بعضهم البعض السكن في ذات البيت، كُلٌ في غرفة، لاقتسام الإيجار والمساعدة على ضنك الأيام، وفي أحد الأيام جاء شاب من قريته للعمل والعيش في المدينة، فاستأجر غرفة في بيت تملكه سيدة عجوز وحيدة، وكان يملك بقرة، ولاحظت السيدة أنَّه اعتاد أنْ يصحو مبكِّرًا ويصلي الفجر ثم يتوجَّه لله بدعاء يقول فيه.

«اللهم ابعد عنا أولاد الحرام»، (أولاد الحرام في الموروث الثقافي الشعبي الليبي مصطلح أو مفردة تطلق على مَن يملك صفة المكر والخداع ويخون الأمانة ويرتكب كل المعاصي، ولا يقصد بها أبناء السِـفاح)، ثم يتَّجه للسوق لبيع حليب البقرة ويعود آخر اليوم حاملاً معه دراهمه، فكان الدعاء يستفز العجوز جدًّا، وقرَّرت أنْ تعطيه درسًا بطريقتها.

ففي أحد الأيام بعد ما أتمَّ طقوسه الصباحية المعتادة، فتحت السيدة باب غرفتها واستأذنته بأنْ يأخذها في طريقه للسوق لشراء بعض الأغراض، فوافق مسرورًا على الفور، وبعد وصولهم إلى السوق، قالت له العجوز: «هل استطيع البقاء إلى جانبك حتى يأتي باقي الباعة لأنَّ الوقت لا يزال مبكِّرًا على وصولهم»، فوافق الشاب بكل رحابة صدر.

بعد قليل بدأ الناس في التوافد لشراء الحليب، فتوجَّهت إليه العجوز بسؤال من جديد قائلة: «ما رأيك بدل جلوسي بجوارك من دون فائدة، أنْ أساعدك، أنت تحلب الحليب وتبيعه، وأنا استلم الدراهم واخبأها لك، حتى لا تضيع، بعدها أرجعها لك بالكامل»، من جديد وافق الشاب وهو ممنونٌ للخدمة التي ستقدِّمها له جارته، بعد أنْ قام ببيع كل الحليب وهو يستعدٌّ للرجوع إلى البيت، التفت لجارته وهو يشكرها على مساعدتها له طوال اليوم وطلب منها أنْ تعطيه ما جناه من دراهم.

فقالت له: «أي دراهم»، فرد عليها قائلاً: «دراهمي التي جنيتها من بيع حليب البقرة»، فقالت له: «أي بقرة»، فأجابها وهو مستغربٌ جدًّا من سؤالها: «بقرتي»، فقالت له: «البقرة بقرتي، والحليب ملكي، والدراهم بالتالي هي لي».

استغرب الشاب من قولها هذا، وحاول أخذ دراهمه منها بالطيب فرفضت، فحاول أنْ يفتكها منها افتكاكًا، هنا بدأت العجوز في الصراخ والعويل وهي تنادي بصوت عالٍ، وتقول: «يا أهل المروءة، يا أهل النخوة، هذا الشاب يحاول سرقة بقرتي ودراهمي»، فما كان من رواد السوق إلا التجمُّع حولها ومحاولة مساعدتها باعتبارها سيدة كبيرة وطاعنة في السنِّ، وحين حاول الشاب الدفاع على نفسه، ضربوه ونهروه لأنَّه تجرَّأ على سرقة سيدة كبيرة واستغل ضعفها وقلة حيلتها، وأجبروه على إعطائها البقرة والدراهم.

بعد أنْ بَحَثَ كثيرًا عن تفسير لما فعلته جارته التي طالما ما أطلق عليها لقب الطيبة، عَجَزَ عن وجود مبرِّر لما فعلته، فقرَّر الرجوع لغرفته وأخذ ما تبقى له من أغراض والعودة لقريته، لأنَّ لا عيش له في المدينة التي لم يستطع أنْ يجد فيها تفسيرًا ومبرِّرًا لأفعال سكانها.

بعد أنْ عاد إلى البيت وَجَدَ جارته في انتظاره، وبادرته قائلة: «هذه بقرتك، وهذه دراهمك بالتمام والكمال ويشهد الله على هذا»، استغرب الجار وسألها: «إذًا لماذا قمتي بما قمتي به في السوق عصر اليوم»، فقالت له: «لأني أسمعك منذ قدمت إلى هنا تكرِّر ذات الدعاء وهو (اللهم ابعد عنا أولاد الحرام)، فزادت حيرة الشاب وسألها، وما العيب في هذا الدعاء.

فقالت له: «أردت أنْ أوضح لك أنَّ مَن يفعل أشياء مشينة، ويسرق ويكذب قد لا يكون من الرجال فقط، فقد تكون سيدة عجوزًا تستغل كبر سنها أو فتاة جميلة تستغل مظهرها، في المكر والخداع، لهذا رأيت أنْ أعلمك الدرس وإنْ كان قاسيًا قليلاً لتتذكره دومًا ولا يغيب عن بالك»، فقال لها الشاب: «وكيف يكون الدعاء إذًا».

فأجابته بالقول: «قل اللهم ابعد عنا أولاد الحرام، وبنات الحرام، اللي ما تنام ولا تخلي من ينام»، (تخلي بمعنى تترك).

هذه الخُرافة التي كانت تحكيها الجدات هي موعظة وعِبرة كون الشر واللؤم غير مطلق ونسبيًّا وأيضًا غير مرتبط بالنوع والجنس، أي بالمرأة والرجل، وصراع الخير والشر هو صراع أزلي، لكن في القصص والخُرافات فقط ينتهي بنهاية سعيدة وانتصار الخير على الشر، كنوع من الأمل في الغد.

________________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

مزنك ذايب يا بكَّايا..

جمعة الفاخري

الدار

بدرية الأشهب

تعرف على ملامح الغناء الشعبي في ليبيا

أسماء بن سعيد

اترك تعليق