المقالة

أهمية السياحة الدينية

صومعة جامع قرجي (تصوير: عبدالحكيم الطويل)

 
صباح يوم الخميس الموافق 24/10/1996 كنت مرشداً سياحياً لـ35 طالب وطالبة من طلاب مدرسة الجالية الفرنسية بطرابلس، إضافة إلى مديرها وزوجته وأحد مدرسيها، الفرنسي الشاب “لو نوبل”، وصديقته التي وصلت طرابلس بالأمس فقط في أول زيارة لها للبلاد، كانت الجولة لصالح مكتب سياحي لصديق، تستهدف التعريف بمعالم طرابلس القديمة، في خط صارم اخترت معالمه بنفسي متعمداً أن يجمع مباني أثرية متنوعة، فيها القنصلية والمدرسة والكنيسة والكنيس اليهودي والمتحف، كان حديثي بالإنجليزية، ليترجمه “لو نوبل” إلى طلابه بالفرنسية، هذه العلاقة اللغوية التي استمرت 3 ساعات متواصلة أزالت الكُلفة بيننا، ربما لهذا السبب تجرأ على طلب ما لم يكن يجرؤ على طلبه من أحد آخر كما صرَّح لي هو بذلك فيما بعد! فقبل انتهاء الجولة بقليل اقترب مني بتردد وكأنه يود أن يطلب ما يخشى أن أرفضه بقسوة! بعد دقائق من التردد رأى أن يرمي بما يريد، وليحدث ما يحدث! كان يرغب في رؤية جامع قرجي من الداخل! رغم أنه يسمع بأنه غير مسموح للمسيحيين مثلهما بدخوله! لكنه لأكثر من 3 مرات أكد على أنه يود زيارته برفقتي وصديقته فقط دون الطلاب، ولا حتى المدير وزوجته! ولمدة دقائق لا أكثر!
 
فيما بعد صرَّح لي أنها كانت رغبة صديقته! إلا أنه فوجئ كثيراً حينما أجبته باسماً:
“على الرغم من أننا في نهاية الرحلة للأسف إلا أنه من حسن حظك أن تطلب مني زيارة ثاني أجمل جوامع مدينة طرابلس القديمة الذي بُنِي سنة 1833،[1] عموماً ليس لدي أي مانع خصوصاً وأن صديقتك محتشمة اللباس ومازال موعد صلاة الظهر بعيد، وأظن أنكما ستوافقان على نزع حذاءيكما عند الباب قبل الدخول أليس كذلك؟ غير أنه لابد لنا من أخذ إذن قيِّم الجامع قبل ذلك،”
 
سراً اعتقدت أنه سيرفض الطلب أو على الأقل سيماطل كثيراً قبل أن يسمح لنا بمجرد إلقاء نظرة من الخارج، إلا أنه أثار دهشة رفيقاي قبل أن يثير دهشتي منذ الدقيقة الأولى للقائنا به، فقد خرج لنا عمي “بالقاسم بو خلال” من الجامع مُرتدياً بذلة أوروبية أنيقة بربطة عنق أجمل! كما كان وجهه مزين بابتسامة جميلة، وما أن عرف مطلبنا حتى انحنى بسرور وأومأ لنا بيده اليمنى للدخول … شرط نزع أحذيتنا!
 
شكرته بعمق لأنه لم يحرجني أمام رفيقاي، ولأنه أيضاً وفَّر لي فرصة لطالما انتظرتها، فبداية حرصت على أن أُعَرِّف رفيقاي بذوق المعماري المسلم وهو بين يدي خالقه، فكانت المفاجأة الثانية لهما في ذلك اليوم، فمن وسط بيت الصلاة أريتهم زخارف جِصية وأعمدة رخامية على أرقى درجات الدقة والجمال والاحتراف، وبالإضافة إلى نظافة المكان التامة ورائحة البخور الشذية أحس رفيقاي بأنهما في زمن أسطوري بعيد كما قالا لي بنفسيْهما!
 
لكن كل هذا لم يكن سوى المرحلة الأولى من خطتي السرية! إذ حرصت بعدها على لفت انتباههما إلى حقيقة خلو الجامع – أي جامع – من أي رسوم لله والجنة والنار أو صور وتماثيل كالتي نجدها في الكنائس والمعابد الدينية الأخرى، كما أن الجامع يخلو كذلك من أي رمز لرسولنا الكريم الذي يظن الكثير من غير المسلمين أنه معبودنا!! ها هي المساجد إذاً تُرَكِّز على وحدانية الله الخالصة بخلوها من كل ما يجعل المُصَلي يتيه عن الذات الإلهية!
 
أما المِحْراب فقد كان المفاجأة الرابعة لهما! كانا يعتقدان سراً أنه رمز معبود المسلمين محمد!! لا شك في أن أي كتيب عن عمارة الجوامع يمكن أن يوضح بسهولة خطأ هذا التصوُّر إلا أنه كما تلاحظ لا يقرأ الجميع مثل هذه الكتيبات! ولولا أن حالفني الحظ وكنت دليلهما في ذلك الصباح ما عرفا أن المحراب مجرد “اتجاه” للكعبة، يهدف فقط إلى توحيد اتجاه المسلمين في صلاتهم، هنا أتذكر أن بعض من سُياحي الآخرين الذين وقفت بهم في ذات هذا المكان فيما بعد كانوا يظنون أن معبود المسلمين هو “الكعبة”! فكانت جولتهم السياحية هذه الفرصة التي أفهمتهم حقيقة الكعبة!
 
بعد نحو ¼ ساعة تذكرت أننا انسللنا خلسة عن الطلاب ومديرهم في الخارج! فلا شك في أنهم حائرين تماماً الآن كيف فقدوا مرشدهم ومترجمهم معاً في لحظة واحدة! لهذا سارعنا بالخروج، حيث ودَّعنا عند الباب ببشاشة قَيِّم الجامع عمي أبوالقاسم أبو خلال، إبن المدينة القديمة وشقيق صديق قديم لأبي، لكن قبل أن نصل حافلتنا سارع “لو نوبل” بمسك يدي اليمنى بكلتا يديه وهزها بعنف قائلاً لي بانفعال امتزجت فيه أحاسيس النشوة والفرح والاحترام والاستغراب:
عبدالحكيم! شكراً كثيراً لإتاحتك لي هذه الفرصة، فعلى الرغم من كثرة المساجد في فرنسا إلا أنها المرة الأولى في حياتي وحياة صديقتي التي ندخل فيها جامع ما! لم يَدْعُنا أي مسلم قبلك نَلِج عالم صلاة المسلمين من قبل!
 
وفي حافلة العودة كانا على موعد مع المفاجأة الخامسة والأخيرة، فقد استغرب الطلبة من مرورهم أمام مدرسة يهودية بداخل مدينة طرابلس أثناء تجوالي بهم، فكانت فرصة لإعلامهم بأنها ليست مدرسة أجانب وإنما مدرسة ليبية طرابلسية بناها ليبيون طرابلسيون يهود كانوا يقيمون بطرابلس بشكل متواصل منذ 400 سنة على الأقل، إلى أن قرر غالبيتهم الهجرة طواعية إلى فلسطين بعد 1948! ودون الحاجة إلى الكثير من الأدلة ذكرتهم بالمعبد اليهودي الضخم الذي زرناه منذ دقائق، والذي يثبت للجميع أن المجتمع الإسلامي يكفل منذ القدم حرية العبادة والحياة والعمل لغير المسلمين.
 
فهل هناك من مازال يشك في أهمية السياحة الدينية؟ أليس واضحاً أنها وسيلة عصرية قوية للدعوة الإسلامية بأسلوب سلمي ذكي؟
 

جامع قرجي أثر ليبي عريق (تصوير: عبدالحكيم الطويل)


في الواقع تُمارس السياحة الدينية اليوم في جميع أنحاء العالم وذلك بزيارة الآثار ذات العلاقة بالدين بما فيها المعابد الوثنية القديمة وأضرحة الأنبياء والأولياء والقديسين والمواقع ذات العلاقة بالأحداث الدينية من كافة الأديان السماوية والوضعية، ومن المعروف أيضاً أن الكثير من الآثار الدينية تقع في مناطق نائية، فتتسبب الوفود السياحية في وصلها بمجتمعاتها، وذلك بتعبيد طرق جديدة إليها وتأسيس فرص عمل جديدة لشبابهم حينما تجد الدولة أهمية إنشاء مطاعم وفنادق وأكشاك بيع مطبوعات سياحية وقاعات تصوير و ورش سيارات وإطارات جديدة بالقرب من الموقع الأثري النائي لخدمة الوفود السياحية.
 
أما من يعتبرون هؤلاء السياح مجرد مُدَنِّسين لحرماتنا الدينية فلا أظن أولاً أن هناك حرج في زيارة الآثار الدينية في المناطق الأثرية النائية حتى ولو لم يكونوا أطهاراً! أما الآثار المستعملة يومياً كالمساجد فالكثير من الدول الإسلامية السياحية تشترط لزيارتها 3 شروط بسيطة: تَقَيُّد السياح بلباس محتشم، وترك أحذيتهم في الخارج كما يفعل المسلمين أنفسهم، وأن لا تكون الزيارة أثناء الصلاة، وتصير زيارة بيت الصلاة ضرورية إذا كانت ذات طراز معماري استثنائي، ويعتقد بعض السياح أن المحراب هو لعبادة محمد!!
 
شخصياً شهدت مثل هذه الإجراءات يوم دخولي “الجامع الأموي” بمدينة دمشق في صيف 1998، فهناك شهدت شباب وشابات يقدمون شباشب وعباءات خاصة للسائحات يرتدينها قبل دخول بيت الصلاة، حيث لا مفر من هذا الدخول لمشاهدة قبر النبي يحي عليه السلام، طالما أنه شخصية مسيحية مقدسة كذلك يُعرف عند إخواننا المسيحيين باسم النبي يوحنا المعمدان، الذي بَشَّر بقدوم المسيح عليه السلام (إبن خالته على أي حال!) وأول المؤمنين به.
 
هي فرصة كذلك للتأمل في سيرة رجال الإسلام حينما تسرد سيرتهم على أضرحتهم أو بعض حاجياتهم الشخصية في متحف ما، وحينما تسنح الفرصة للسائح زيارة أكثر من أثر ديني من أكثر من ديانة فلا شك في أن ذهنه سيعمل على التبصر في الفروق ما بين هذه الأديان، ولا شك في أنه سيؤمن بعد وقت قصير بأقربها للفطرة السليمة وأبعدها عن التعقيد والأسهل فهماً وتأثيراً على المجتمع الإنساني.

_________________________________________________________
[1]) الجامع الأول هو جامع أحمد باشا القرمانلي مؤسس الدولة القرمانلية الذي بني في سوق المشير سنة 1737.
نُشر بمجلة “الأُسوة الحسنة” التي أصدرتها الطريقة العيساوية في ليبيا، عدد 54، 30/01/2006، ص20-22

مقالات ذات علاقة

حكاياتٌ ثقافية مُصابة بالدهشة والرشح!

أحمد الفيتوري

تُونس من جِلدِ ثورٍ ليبي، وجدارها من رمل!

أحمد الفيتوري

بلد الطيوب

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق